دُعاةُ الدّارجة همْ خُدّامُ المافيا الصّهيونيّة

، بقلم فوزية الشطي

أسّسَ الكيانُ الصّهيونيّ مركزا ضخما، بناءً وكُلفة وموظّفين، يختصُّ في ترجمة جميعِ الكتب الصّادرة بالإنجليزيّة (خاصّة منها الصّادرة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة) إلى اللّغةِ العبريّة في ظرفٍ زمنيّ لا يتجاوز شهرا مِن تاريخ صُدور الكتاب في طبعتِه الأصليّة. هذا لأنّ سادةَ الكيان الاستعماريّ يَعُونَ جيّدا منزلةَ اللّغة الجامعة في تحديدِ مصائر الشّعوب بقاءً أو اندثارا. والدّليلُ أنّهم قبل الحصول على ’وعد بلفور 1917’ كانوا قد بدؤُوا تدريسَ العبريّة الموحَّدة لجميع اليهود الأروبيّين المقتنعين بأسطورةِ ’أرض الميعاد’. واستمرَّ العملُ على نشرِ اللّغة الرّسميّة تلك مع جميعِ الوافدين على الكيان بعد تأسيسه طيلةَ سبعةِ عقود: تَعلّمُ اللّغة العبريّة هو أوّلُ ’حقّ’ يتمتّع به اليهوديُّ الوافد أيّا تكنْ جنسيّتُه الأصليّة وكفاءتُه الذّهنيّة ومستواه التّعليميُّ واختصاصُه المهنيّ.

على هذا الأساسِ بالذّات نَفهم اجتهادَ بعضِ الفصائل مِن ’النّخبة’ العربيّة (الأكاديميّة، السّياسيّة، الثّقافيّة، الفنّيّة، الإعلاميّة...) المتصهْينة حتّى النّخاعِ اجتهادا لا نظيرَ له في إزاحةِ العربيّة الفصحى (وهي الجامعُ الأكبر بين شعوبِ العالم العربيّ والإسلاميّ) مِن مناطقِ نفوذها الطّبيعيّة وفي تنظيرِهم السّفسطائيّ لضرورة استعمالِ الدّارجة مُشافهةً وكتابة تيسيرا للفهم وتقرُّبا مِن العامّة وتشبّثا بـ ’الانتماء الوطنيّ’ حسْب زعمِهم! (والحقيقةُ أنّ العامّةَ أوسعُ فهما مِن هذا الرّعاعِ النّخبويّ المتهالك وأرفعُ حِسّا منه بكثير). وعندما تلقى أستاذا جامعيّا حائزا على الدّكتوراه في اللّغة والآداب العربيّة ويُدمنُ مع ذلك اللّجوءَ إلى الدّارجة التّونسيّة في إنتاجِه المهنيّ (نقلُ خرافات لافُونتان المخصّصة للأطفال إلى الدّارجة، نقلُ مذكّراتِ أبي القاسم الشّابّي إلى الدّارجة...) وفي وسائلِ الإعلام التّقليديّة والافتراضيّة (مواقع التّواصل الاجتماعيّ...)، فاعلمْ أنّه جزءٌ لا يتجزّأ مِن المؤامرة اللّسانيّة الّتي تستهدفُ تواصُلَنا اللّغويَّ العربيّ البيْنِيّ وإرثَنا الحضاريّ الضّخمَ بالقطيعةِ والتّصفية والاستيلاء. إذْ لا وجودَ للإنسان خارجَ اللّغة الأمّ الّتي أرضعتْه قرونا. وإنْ حلَّ في لغةِ العدوّ مُكرَها مهزوما مُغترِبا، ظلَّ سجينَ ’العبوديّة الخرساء’.

أمّا الدّعوةُ ’الثّوريّة’ الرّائجة في شمال أفريقيا إلى اعتمادِ الأمازيغيّة بديلا نهائيّا عن العربيّة (لغةِ الأعرابِ الغُزاةِ كما يُسمّونَها) فهي مجرّدُ ’مرحلة انتقاليّة’ قبل الإطاحةِ المفتَرَضة بعرش العربيّة الفصحى أو هي أداةُ تنفيذٍ مؤقّتةٌ سيُرمَى بها وبعواملِها الـمُجنَّدين إلى مزابلِ التّاريخ بمجرّدِ إنهائِها مهامَّها.


فوزية الشطي

شاعرة تونسية

من نفس المؤلف