شهرزاد لا تسكت عن الكلام المباح

، بقلم رياض كامل

لا شك لدي أن كل إنسان له عقل سويّ تكمن لديه الرغبة في الكتابة وفي التعبير عن الذات، فنحن نتعرض في كل لحظة لما يهز كياننا: ضوء لافت هنا وعتمة هناك، عصفور يحط على شباك، نقطة ماء تهز وريقة صغيرة من أوراق حدائقنا، رغيف خبز ساخن يتحرش بأنف فقير، وشوشة ناعمة في الأذن، برودة الجو وسخونته، خبر سريع عن "تقليم" حنجرة فتاة عاشقة، إعصار يطيح بكل ما ترسخ من قيم وأخلاق تعلمناها وورثناها جيلا بعد جيل؟ فكيف تسكت شهرزاد عن كلامها المباح؟

ولم تسكت شهرزاد عن الكلام المباح، لقد جاءتنا بحلة جديدة، بدلت جلستها وحافظت على زاوية الرؤيا، لتهز فكرنا المتعثر الضائع، ما زالت تحفظ سر "الرجولة" وسر "الأنوثة" المعهودين. شهرزاد لا ترحم، تحفظ الحكايات وتبثها في فضائنا المعتم علها تنير بقع الظلام الحالك، فقد يرعوي شهريار ويرجع عن غيّه. شهرزاد هذه ما انفكت تحاول تنقية الثغرات المهترئة في الجماجم المتصدعة منذ شهرزاد الأولى؛ حاكم متجبر، أب يكبح خيال ابنه الجامح لأنه تجرأ أن يرى الله، شهرزاد هذه لا تخاطب شهريار الواحد الوحيد الذي اعتاد أن يقتل كل يوم زوجته الجديدة. شهريار اليوم يقبع في زوايا البيوت والأزقة والحارات. شهريار تغلغل في حنايا الأدمغة يرتكب معصية تلو الأخرى ويشوه مخلوقات الله، دون رادع، فالدعم يأتيه من القريب ومن البعيد.

كاتبتنا تنخر عظام فكرنا البائد الغارق في متاهته. لم تذهب بعيدا للبحث عن مواضيع لرصدها ومعالجتها فهي موجودة حيثما سرنا. نتعثر بها في الشارع، وفي البيت، وفي غرف النوم، وفي علاقة الأب بابنه، والجار بجاره. لم تضع نظارة سوداء تحجب عنها ضوء الشمس، بل سمحت لنفسها أن تتغلغل في عمق المجتمع مؤمنة أن خلق جيل واع فكريا هو الكفيل بحل القضايا العالقة مهما كانت كبيرة. كأني بها تتساءل مستنكرة: كيف يمكنكم الخوض في القضايا الشائكة وأنتم تذلون نصف المجتمع وترون في المرأة عورة!؟ كلارا سروجي لا تحمل سوطا تجلد به الرجل، ولا تبحث عن عورات المجتمع في النصف الشرقي منه، ولا عن مبررات للمرأة التي تبحث عمن "يحميها" و"يصونها"، بل إنها تحثها على المواجهة لإيمانها العميق أنها قادرة على تحقيق الذات، وعلى لعب دور المبادر الذي يأخذ حقه بيديه.

لقد سلطت الضوء على نقاط ضعفنا فكشفت للقاصي والداني عيوب الرجل الشرقي ولهاثه وراء "محاسن" المرأة الجسدية، وإهماله قدرتها على القيام بأكثر من وظيفة في البيت وخارجه. كاتبتنا تبحث عن ذلك كله؛ عن وعي الرجل وعن وعي المرأة لأنهما معا يكوّنان صورة متكاملة للمجتمع، فجاء جديدها "ميلانخوليا الوجود - رجفات ولوحات قصصية قصيرة" يهزنا قبل فعل القراءة وقبل فعل الكلام.

إنها "رجفات"، كما أتى في عنوان الكتاب، وهو تعبير يعكس المشاعر التي انتابت الكاتبة في مواجهتها أمور الحياة، فرأت أن هناك حاجة ماسة لتشارك الآخرين ويشاركوها، تماما كما تفعل عاملة النحل حين تمتص رحيق الأزهار وتدخله إلى معدتها ثم تقوم بنقل هذه الحمولة منها إلى عاملة أخرى حتى يتحول من مجرد رحيق إلى عسل يستفيد منه كل سكان مملكة النحل. هذه هي عملية الإبداع دون مواربة أو فلسفة؛ تشاهد ما يهز عواطفك فتنظر حواليك لتتشارك مع الآخرين في المشاعر والأحاسيس، فيكون هناك مرسِل ورسالة ومرسَل إليه.

كلارا سروجي ترى أن الغبن اللاحق بالمرأة أشبه بحالة عبثية لا علاقة لها بالمنطق البشري السويّ، ورأت أننا غارقون في متاهات باتت جزءا متأصلا في ذواتنا وأفكارنا. مزجت في كتابتها بين الواقع والخيال والفانتازيا في آن معا، لتخلق حالة من المفارقة الساخرة التي تشبه واقعنا المؤلم. تشعل طرف الفتيل من بعيد فتسير النار هادئة، خفية، لهيبها منخفض لصيق بالأرض، حتى إذا ما لامس نقطة النهاية انفجر. وهي تؤْثِر الحروف والكلمات القليلة لتقول من خلالها أشياء كثيرة. ابتعدت عن الإطناب وعن الوصف المستفيض، و"كأنها" تعيش في القرن الواحد والعشرين، حين كان الناس يتهافتون على الوجبات السريعة لأن الوقت يقف لهم بالمرصاد.

آثرت أن تخاطب الناس بلغة همهم تبسط أمامهم ما يشغل فكرهم. حملت همومها وهمومهم، آلامها وآلامهم. لم تلجأ إلى الخطابة فكانت كلماتها مفخخة بعواطف ومشاعر تتفجر في وجه فهمنا المشوه للحياة.

قالت في كتابها الأول "طواف" (2017) الصادر قبل بضعة أشهر، ما قالته، والأهم أنها أضافت إلى جوار العنوان "خربشات قصصية بحجم راحة اليد". يبدو لي بعد قراءة كتابها الأول أن حجم راحة اليد أوسع بكثير من حجم الكرة الأرضية. لقد قبضت براحتها الصغيرة على همومنا الإنسانية الكبيرة التي نتواجه معها في البيت، وفي الشارع، وفي الحارة، وفي أماكن العمل، وفي تجوالنا قريبا وبعيدا. ثم تابعت في ملاحقة همومنا وعيوبنا في كتابها "ميلانخوليا الوجود"، لكنها فتحت راحة الكف أكثر؛ حيز أكبر من الكلمات، وغوص أوسع في النفس البشرية واتساع في رقعة الأحلام المتشظية.

بعد الدخول في عالم كلارا سروجي القصصي ترانا نعلن أنها لا تكتب بعد عملية المواجهة مع ما يزعجها ويؤرقها مباشرة، بل إنها تأخذ الفكرة تتلقفها وتخزنها في الذاكرة وتفرز عليها من عصارة فكرها حتى تنضج وتختمر. وإلا كيف نفسر قصة "سفر" التي تقذفنا بها في مواجهتنا الأولى مع الكتاب؟ كاتبتنا ترى أن المنطق ينحى، في أيامنا هذه، منحى سرياليا عبثيا أشبه بالحالة التي تلت الحرب العالمية الأولى إثر ما مر على العالم من مآس ومن قتل وتدمير. ويبدو أن كاتبتنا تنظر إلى الواقع الاجتماعي، كما تنظر إلى الواقع السياسي، بنفس العين وبنفس الرؤية، ولذلك ليس صدفة لجوؤها إلى الإغراب في الصور وإلى أضغاث الأحلام التي لا يستسيغها المنطق المألوف.

تبني كلارا سروجي قصتها بشكل محكم بحيث تلجأ إلى الصدمة الأولى مع بداية السرد، أو منذ العنوان، ثم تعرض "الحكاية" ليمتزج الواقع باللاواقع والمعقول باللامعقول، فتأتي النهاية سريعة لتكتمل اللعبة الفنية لتخلخل ما اعتدنا عليه، علنا نعيد البناء من جديد ونبحث عن ذات أخرى قادرة على المواجهة في خضم هذه التناقضات، كما في قصة "الثلم الأعوج من الثور الكبير" حيث ينهال الأب على ابنه بالضرب المبرح "لتقصيره" في تربية إخوته كونه الابن الأكبر بينهم متناسيا أنه هو "الثور الكبير" لا الابن. وهي تحمل قلمها لتشن حملة ضد كل ما يشوه صورة الإنسان وبراءته، فتصرخ بطريقتها، بصوت مخنوق غاضب، فيه من المفارقة الكثير ومن السخرية أكثر لتحرك الماء الراكد ولتبث هواء عاصفا، فتبدو كمن يصبو إلى عالم الكمال واليوتوبيا.

تسعى الكاتبة وراء الفكرة لترويضها، وتنتقي مواضيع تراها حارقة، لكن القارئ يلمس تفاوتا في الطرح والعرض بين قصة وأخرى، كما هو الأمر لدى كثير من المبدعين. فقصة "عقاب"، على سبيل المثال، رغم قصرها، فيها عمق نابع من المزج بين الرمزية الشفافة والفانتازيا المبهرة، لذلك فهي قادرة على مخاطبة العقل والروح وإثارة "الرجفة" أكثر من قصة "حنين/ نوستالجيا"، رغم عمق فكرتها.

لقد لفت نظرنا أن هناك عددا لا بأس به من القصص التي تنتهي إثر حلم صعب تتواجه معه إحدى الشخصيات مثل قصة "سفر"، فلا يتخلص البطل من تأثيره بعد استيقاظه، ونراه يميل إلى تصديقه وكأن حياتنا أضغاث أحلام تمتزج فيها التفاصيل المتناقضة التي يصعب تصديقها. تريدنا الكاتبة أن ننظر إلى واقعنا المؤلم الحافل بالتناقضات التي يمتزج فيه المنطق بالخرافة، فيتخبط القارئ ويتبعثر كتبعثر الفكرة. وهناك من القصص ما يجعلك تتساءل أثناء عملية القراءة، لا بعدها فقط، عن خط السير الذي يجب أن تتّبعه، وعن قصدية الكاتبة، وعن المنطق، وعن الرموز، فتكتشف أنها خليط من أمور متشتتة جمعتها الكاتبة في قصة قصيرة غير قابلة للتصديق.

تعي الكاتبة ما قد يواجه القارئ من بلبلة إزاء تكثيف اللامعقول فتلجأ إلى "حيلة" تقرب اللامعقول من إدراكنا، فعمدت إلى وصف الأماكن لتسبغ عليها بعض صفات الكتابة الواقعية وقامت بتحديد مواقع جغرافية بعينها مؤطّرة بزمن محدد. يقيني أنها تتغيا القول: إن ما ترونه عبر الورق ومن خلال هذه الكلمات ليس محض خيال، إنه الواقع الذي نحياه حيث بات الواقع اليومي أشبه بفلم خيالي أو بحلم مقطع الأوصال.

د. كلارا سروجي باحثة في الأدب العربي، ولها فيه إنجازات هامة تضاف إلى بعض منجزاتنا الكبيرة، وهي صوت نسوي واع، تدخل اليوم عالمنا قاصة مسلحة بكل ما يحتاجه الأديب من تقنيّات، فرفدت حركتنا الأدبية بمجموعتين قصصيتين ناضجتين على نار هادئة تأكل اليابس من معتقداتنا. تعرض فيهما عيوبنا ونواقصنا بصراحة ووضوح دون مواربة أو تلميح. تحمل مرآتنا تدور بها، تلاحقنا حيثما ذهبنا حتى لا نفلت من عقال ملاحقتها لنا وتصميمها على كشف المستور: انظروا إلى عوراتكم لا كما خلقكم الله، بل كما خلقتموها أنتم، مخالفين شرع المنطق وشرع الحكمة حتى بدوتم عراة تبحثون عما يستر الجسد دون البحث عما يستر عورة الفكر.

سيجد القراء في هذه المجموعة القصصية، على اختلاف انتماءاتهم، واختلاف ميولهم، ما يشغلهم وما يلفت أنظارهم، لأن النصوص غنية بمواضيعها جذابة بطرحها مفتوحة على عالم نعيشه يوميا، نمر عليه مر الكرام، لكن الكاتبة أبت إلا أن تمسك بتلابيب القارئ ليتروى ويتأنى ويفكر.

يبدو أن شهرزاد ما زالت تروي حكاياتها لشهريار كي يكف عن وأد حكمتنا وأحلامنا وعصافيرنا الصغيرة، لكنها غيرت المكان والزمان وانتقلت إلى عالم آخر، مع ذلك هناك أمور لم تتغير، الرجل ما زال قابعا في كهف الرجولة لا يبحث عن مخرج، وشهرزاد ظلت في عينيه مجرد جسد جذاب، رغم انقشاع الغيوم عن عهود بائدة. أما سراج علاء الدين فقد خبا نوره وتوهجه. أما التوهج الوحيد فهو كل ما يكتب من أجل الحفاظ على جمال الكون خَلقا وخُلُقا. وكاتبتنا فتحت نوافذ وأبوابا تلج من خلالها لمعالجة بعض الأمراض المستشرية بقلمها الخاص وأسلوبها المميز الذي يمزج بين الجديد في عمقه الفلسفي والنفسي، وبين القديم في خياله المحلق ولغته الغنية.

مقدمة كتاب "ميلانخوليا الوجود"- كلارا سروجي الصادر سنة 2017


رياض كامل

الدكتور رياض كامل، ناقد وكاتب فلسطيني

من نفس المؤلف