سمة "تطهير" في

رواية "سيرة حمار" لـ حسن أوريد

، بقلم البشير البقالي

«إن سيرة حمار عمليةٌ وليست نتاجا، مما جعلها سؤالا دراميا عميقا ومُربِكا أكثر منه تطهيرا آمنا»

«تمددت على ظهري كما يفعل الإنسان، استسلمت لراحة غريبة. أغمضت عيني، وشعرت كما لو أن أوساخا تنسلخ من جلدي من دون أن أدلكه. حركت قائمتي الأمامية اليمنى فإذا هي تطاوعني. استغربت الأمر. حركت قائمة الشمال فهي تسري في جسدي في يسر، أخرجتهما من الماء، فإذا هما يدان. اهتززت مرتاعا، فإذا أنا أقف على رجلي وإذا أنا إنسان جديد. حركت يدي من جديد لأتأكد، رفعتهما لوجهي، فإذا هو وجه إنسان. بحثت بين فخذيّ، فإذا عضوي ليس تلك الأداة الضخمة التي كانت ترهب خصومي. نظرت إلى جسدي فإذا هو يحمل ندوب مرحلتي الحمارية حين مبارزتي للأسد. إنسان أنا يولَد من جديد. إنسان أنا يولد ذاته من ذاته، من دون قابلة لأنه قابلة نفسه. لم أستطع قمع صرخة، صرخة استهلال. صرخت ثانية، فإذا هي صرخة إنسانية، رددت ما بنفسي، أنا أذربال، ثم همست بها، وأخيرا صرخت بها وانتهى صوتها إلى أذني دقيقا صافيا: أنا أذربال ولم يكن نهيقا.

كان نور الصبح قد أخذ ينتشر في الأرجاء. كنت أمشي في حضن الجبل عاريا، وخشيت أن ألتقي بواحد من بني الإنسان فيظن بي الظنون، فكرت في كهف الحكيم وقصدته للتو. وجدت إزارا له اشتملت به، ربطته بخلخال على شاكلة الأمازيغ».(1)

تتحرك الصورة على إيقاع الهدوء والتدرج والاستسلام والفجائية، وتلك هي المكونات الأساسية التي تقوم عليها. وقد وردت في سياق نهاية مغامرات أسنوس وعودته إلى أليلي بحثا عن إنسانيته، وكانت تتويجا للمعاناة التي عاشها والصراعات التي خاضها وكابدها على امتداد خمس مراحل. والصورة كما يبدو تبدأ بهدوء واستسلام لراحة غريبة، ثم تنخرط في حركة متدرجة من القائمة اليمنى إلى القائمة اليسرى اللتين تحولتا إلى يدين، ثم الوقوف على الرجلين، ثم تلمس الوجه باليدين، قبل أن يتحسس البطل قضيبه ليكتشف أنه عاد إلى طبيعته الإنسانية.

إن البطل الراوي يعلن عن ولادته، أو بالأحرى، عن توليد ذاته من ذاته، ويمعن في هذا المعنى إذ يطلق إثر ذلك صرخة استهلال. وقد سبق أن قلنا بأن التوليد الذاتي يوحي باغتراب وبإنهاء الاغتراب في الآن نفسه، بما يجعله تطهيرا من كل مشاعر الغربة الوجودية، وكذا من الهوى ومن وضعية الضياع في منطقة المابين. وقد تدرج الراوي كذلك في الصوت؛ من الترديد الداخلي، إلى الهمس بهويته الإنسانية، إلى الصراخ باسمه «أنا أذربال»، فعاد الصدى إلى أذنه صافيا، ولم يكن نهيقا.

ولكي نتبين معالم الصورة بشكل أوضح، لا بأس في أن نقابلها بصورة التحول الأولى، من أذربال إلى أسنوس، بعد أن شرب البطل شرابا على أمل أن يصير طائرا، نقرأ:

«نقعت من الشراب فإذا هو سائغ لذة للشارب، ثم نقعت ثانية وضممت إليّ ثيوزيس، فغلبتني نشوة لم أعرفها قط، بددت المخاوف كلها فاستصغرت كل جليل وهزأت بكل صعب، ثم أكببت على الشراب حتى أتممته، وطلبت قدحا آخر، ثم شملتني غشاوة وشعرت بأزرار سراويلي تنفجر، وإذا أيري يمزق قماش سروالي وقد انتصب انتصابا مذهلا أخجلني، وإذا حجمه يكبر بشكل مريع، وإذا هو أشبه ما يكون بعضو حمار، وقد لجت ثيوزيس في الضحك لهذا المنظر المريع، ثم فجأة انفجرت صارخة، فقد تمزقت ثبابي كلها، وتكلَّس جلدي، وتحولت يداي ورجلاي إلى قوائم، وكبرت أذناي، وإذا أنا حمار...».(2)

كلتا الصورتين تقومان على التدرج والفجائية والتصوير البانورامي المتصاعد، كأن الراوي يرسم صورة حية ماثلة تتحرك. غير أن الاختلاف واضح بينهما في اتجاه الحركة، فالتحول في هذه الصورة بدأ من الأير، أما في صورة التطهير التي انطلقنا منها فإن التحول بدأ من اليدين، وكان الأير آخر ما تحسسه البطل، بذلك تعلن الصورة تطهره من مرحلة الحيوانية إلى مرحلة الإدراك، على اعتبار أن اليدين وسيلة إدراك، وباليدين تحسس وجهه واكتشف ملامحه الإنسانية.
ولعل هذا الاختلاف في تدرج الحركة يوحي بأن التطهير لم يكن من حيث الشكل فقط، إنما في المحتوى الإنساني كذلك. لأن أبرز ما يميز الإنسان هو اليدان، حتى أن كلمة «أداة» لها علاقة اشتقاقية بكلمة «يد»، للدلالة على الوسيلة في بعدها الوظيفي الفاعل، هكذا فإن بداية التحول من اليدين يستبطن إشارة إلى الفاعلية الإنسانية بعد الولادة من جديد.

وقد حصل التحول إلى حمار على إثر شراب دخل إلى الذات وتفاعل داخلها وفتَّقَ جانبها الحماري، في المقابل فإن التطهير حصل إثر الاغتسال في الماء، حيث انسلخت قشرة الحمارية وتفتق الإنسان عاريا. وفي ذلك لمحة تدرج سياقي يوحي بالتفاعل في الذات، وبأن التطهير تم من الداخل إلى الخارج إثر سفر في الذات.

ثم إن في التحول الأول رآى البطل تحوله عبر مرآة، أما في صورة التطهير فقد تحسس جسمه وأعضاءه ووجهه بيديه، أي أنه كان حقيقة ماثلة، وليس مجرد انعكاس في المرآة.

وكان التحول إلى حمار في بداية الليل، أما التطهير فحصل قبيل الصبح، بحيث إن ضوء الصباح أدركه وهو عار في حضن الجبل، في إشارة إلى سواد الليل الذي عاشه البطل الراوي قبل بزوغ نور الحقيقة. وكان الشاهد في صورة التحول الأول هو الإنسان (ثيوزيس وحاتبوت)، بينما الشاهد في التطهير هو الطبيعة؛ الماء والجبل والكهف.

إن هذه المقابلة بين صورة التحول وصورة استرجاع الإنسانية، تؤكد مغزى التطهير، وهو تطهير يتعزز أكثر بالاتزار بإزار الحكيم، إذ يحمل إشارة إلى أن البطل استحق أن يلبس ثوب الحكمة، وأن يرِثَها بعد أن تطهر من أوضار الهوى، وبعد أن عاش المأساة وذاق العقاب في أقسى تجلياتهما.

لقد حرص الكاتب على تقديم تطهير البطل على أنه استحقاق، من خلال الحديث عن ندوب مرحلته الحمارية حين بارز الأسد وانتصر عليه ونال وشاح الحرية، وأُعلِنَ انعتاقه عن جدارة، وليس كالمرات السابقة التي كان يعتقد فيها أنه أفلت من أسره؛ فالبلدية باعته، ثم هرب من التاجر، وألقى به بنو ييس بعد أن قرروا أن لا جدوى من بقائه، ثم استرجعه التاجر من الشيخ وباعه للاعب سيرك. أما في السيرك فقد ناضل وواجه وصارع فتحرر.

ورغم أن سيرورة الحكاية توهمنا بأن التطهير واسترجاع البطل لسيرته الإنسانية جاء إثر الاستحمام في الماء الدافئ، فإن التأمل في السياق يكشف أن لا دخل للعين في التطهير، إنما هي فقط مبرر بنائي يحفظ تسلسل الأحداث وتناميها معللة سرديا، بدليل أن البطل أسنوس سبق له أن استحم في العين حيث التقى بالشيخ أول مرة، فلماذا لم تتحقق العودة آنذاك لو كان السر في العين؟ الأمر واضح، فالسفر في الذات لم يكن قد اكتمل بعد، والاستحقاق لم يتحقق، والوعي بالواقع كان ما يزال شعريا وأخلاقيا ولم يختمر بعد. لذلك لم تتحقق العودة آنذاك، وإذن فلا علاقة للعين الدافئة بالتطهير، كان لا بد من مِحَكّ، لتكتمل رسالة الحكاية.

من هنا نؤكد أن التطهير تحقق من خلال سفر البطل في ذاته، والنص يُلمح إلى ذلك، حيث نقرأ في نهاية الرواية على لسان حاتبوت في حوار مع أذربال:

«... كنت أريد من المدينة أن توقن بأنك مت، وبأني اختطفت لكي نستكمل سفرنا الذاتي. هي معتقداتنا نحن القبطيين، لكي يتخلص الإنسان من عنصره الحيواني عليه أن يقوم بسفر داخلي».(3)

معلوم أن السفر في الذات يعكس صراعا مع الذات نفسها ومع الآخر، وكذا مع الواقع. وقد كشفنا في محور سابق جبهات الصراع ومعتركاته وموضوعاته، ذلك الصراع بتناميه وتدرجه المأساوي، هو ما أثمر في النهاية الخلاص والتطهير.

ومعلوم كذلك أن السفر في الذات يهدف إلى كشف مآزق الذات، والتغريض بمآزق الآخر، أي جمهور المخاطبين والقراء، من هنا فإن بحث البطل عن طبيعته الإنسانية، كان في الآن نفسه، بحثا عن يمن الإنسان والحياة، ورغم أن الشكل كان أسطوريا وخارقا، فإنه يبدو طبيعيا، إذ يعكس بحث الإنسان عن طبيعته.

لقد كان البناء الدرامي في صورة الانطلاق، كما في صور كثيرة في النص، إكراهيا ومفروضا، وإذا تذكرنا التعاقدات التي توجه بها الراوي إلى القارئ، أدركنا أن القبول بتلك التعاقدات يعني، ضمنيا، أن القارئ يقبل بالحكاية بكل تجلياتها ومناوراتها السردية وإيقاعها الدرامي، بل وحتى الحلول التي تقدمها للعُقَد السردية، بما فيها صورة التطهير، أي الدخول إلى إلى الماء حمارا والخروج منه إنسانا. هذا البناء الدرامي الإكراهي جعل التطهير جماعيا، لأنه عملية مفروضة، فنيا، تفرض نفسها على جميع المتلقين، علما بأن المتلقي لا يرفضها، بل ينتشي بها، بوصفها خلاصا، ولا تهم الطريقة، خصوصا إذا فهمنا بأن الحكاية رمزية.

إن التريث والتأني في قراءة النص، يقودنا إلى أن التطهير والتخلص من الانفعالات تم في ضوء ما بَيَّنه أرسطو طاليس في كتابه «فن الشعر»، فالإيقاع الدرامي المأساوي الذي سبق أن رصدناه في بنية الحكاية في «سيرة حمار» يكشف أن البطل مأساوي، عاش مأساة وكابد معاناة وشقاء، في ضوء شروط أرسطو، حيث إن الشقاء الذي تردى فيه البطل لم يكن للؤم فيه ولا خساسة، بل كان لخطأ ارتكبه(4)، إذ خضع للهوى واغترف من لذة محرمة وحاول الانفصال عن واقعه، لكنه وقع في مهاوي الحيوانية وعاش وضعا مأساويا بكل المقاييس.

إنني لا أروم بهذا الكلام اعتبار «سيرة حمار» من صنف المآسي الإغريقية التي نظَّر لها أرسطو، فالجنس الأدبي مختلف، كما أن طبيعة الشخصيات مختلفة كذلك، حيث إن أرسطو جعل المأساة فعلا نبيلا، وقصرها على النبلاء، بينما بطل سيرة حمار من الطبقة المتوسطة. لذلك فإن الذي أريد قوله هو أن الطابع المأساوي واضح في الحكاية، على مستوى تركيب الأفعال المنجزة، وعلى مستوى ترتيب الأحداث، مما أفرز تأثيرا أشبه بتأثير المآسي، حيث نشعر، على امتداد النص، أن الراوي يثير مشاعر الرحمة، وبالتالي التطهير من الانفعالات التي تفرزها أطوار الحكاية وتمفصلاتها الصراعية وإيقاعها الدرامي.

وتعزز الإيقاع المأساوي في سيرة حمار بالشرط الثالث الذي أدخله أرسطو في المأساة، وهو الشعور بحب الإنسانية أو الشعور الإنساني(5). يبدو ذلك بجلاء في صور عديدة يصعب الإحاطة بها، تعكس مظاهر المظلومية ومشاعرها، منها صورة وصف ظلم التاجر للحمالين والحمير، وكذا صور المظلومية التي تعرض لها البطل السارد عند بني سنوس ثم بني ييس الذين هموا برجمه وظل يتساءل عن المنطق الذي سيواجه به الموقف، ومنها كذلك صور تعجبه من ظلم الإنسان بقوله: «ألا ما أظلم الإنسان»(6). إضافة إلى صور الظلم الذي طال الحكيم وغيرها.

الواقع أن الصور التي تثير المشاعر الإنسانية كانت حاضرة بغزارة في الرواية، وكانت مرحلة السيرك أكثر كثافة في ذلك وأبلغ دلالة وتأثيرا، لأنها ارتبطت بالفرجة والمَدَنيّة والسياسة والاستغلال، وكانت أقرب إلى واقع الإنسان، واقترنت بتفسيرات الراوي وتأويلاته وانفتاحه على الوجود الإنساني، على اعتبار أن وعيه صار أكبر وأعلى من الواقع، بعد أن زوده الحكيم برؤاه، على عكس ما كان عليه الأمر قبل ذلك، إذ كان الراوي يكتفي بالوصف والملاحظة في معظم الأحيان، ولا بأس في أن نذكر هنا بهذه الصورة التي تطفح بمشاعر إنسانية حين يكشف البطل السارد إفلاس الإنسانية ويدينها في سياق حديثه عن مبارزات كانت تقام بين الإنسان والأسد، حيث نقرأ:

«...فلقد كان بعض المساجين يُعرَضون لمنازلة سباع جائعة، والغريب في الأمر أن الجمهور ينسى أن من ينازل السبع إنسان، فيهتفون للنزال ويفرحون للمبارزة، وينسون ما يتخللها من آلام وجراح يلقى فيها الإنسان حتفه غالبا، وقد أيقنت من خلال تجربتي في السيرك أن لدى الإنسان شعورا عدوانيا مستترا...».(7)

لا يخفى ما تكتنزه هذه الصورة من شعور إنساني طافح، مقرون بجرح وجودي عميق لدى البطل الراوي، بسبب أن الناس يفرحون بمنازلة إنسان لسبع، ويهتفون لتمزيق الأشلاء البشرية، وهو إحساس مقرون بموقف وتأويل يدين الإنسان الذي أُفرِغ من إنسانيته وتلبسته العدوانية. نفس المعاني تتكرر في حديث الراوي عن دونا إذ يقول:

«وكانت ترى قسوة الإنسان على الإنسان، وقسوة الإنسان على الحيوان، كانت تشبه الحكيم في أشياء وتختلف عنه في أشياء».(8)

هذه الصورة وغيرها تنضاف إلى صور معاناة البطل في مرحلته الحمارية من ضرب وقسوة وأثقال وحرمان وتهديد بالخصي والرجم، وكذا تقديمه من قبل صاحب السيرك لينازل أسدا. وكلها صور كانت تستفز مشاعر الإنسان وتثير الرحمة والخوف، ما جعل التطهير أثرا نابعا من صميم الحبكة والإيقاع الدرامي المأساوي للحكاية.

ولقد تجلى التطهير، آنيا، في سياق النص في مظاهر متعددة، منها رد فعل جمهور السيرك بعد أن انتصر البطل أسنوس على الأسد، حيث مال إليه واهتز بالهتاف والصياح انتشاءً بنصره، هو نفس الجمهور الذي صفر عليه عند دخوله الحلبة وازدرى منظره.

ومن معالمه أيضا احتفال الحمير بانتصار أسنوس، حيث نقرأ:

«وطار خبر انتصاري إلى الحمير، وأرادت أن تقيم احتفالا كبيرا، وخرجت في مظاهرات صاخبة، ولكني رفضت المشاركة في أي حفل والسير في أي مظاهرة. كنت جريحا، جريح النفس والجسد...».(9)

وكان سبق للحمير، قبل ذلك، أن هزأت به وسخرت منه حين تزايد عليه حمار بالأكل والنزو، لكن ها هي تحتفل الآن بنصره وتخرج في مظاهرات، مما يوحي بالانتشاء، سواء لدى جمهور السيرك أو لدى الحمير.

على أن نفس مشاعر الانتشاء نستشعرها لدى البطل الراوي، لكنه انتشاء ممزوج بجرح وحسرة وغصَّة، في صورة انفجرت فيها مشاعر أسنوس في وجه صاحب السيرك، نلتقط منها هذا المقطع الصغير، يقول الراوي:

«... ها أنا ما زلت حيا يا صاحب السيرك، ها أنا حر يا صاحب السيرك.. حر رغم جراحي ورغم ندوبي».(10)

إن مشاعر الانتشاء التي وقفنا عليها لا يمكن تفسيرها إلا بالتطهير، سواء لدى البطل أو الجمهور أو الحمير، بل وحتى بالنسبة إلى القارئ. فقد تبين لنا في سمة «تعاقد» أن الراوي يبث سرا إلى القارئ ويلتمس منه ألا ينأى عنه. والواقع الإنساني يؤكد أن من ينصت لسرٍّ حميم وأليم من شخص ما، يجد نفسه ملوثا بنفس مشاعر التطهير التي استشعرها صاحب السر بعد أن يُفرِغ صدرَه. لذلك يشملهما نفس الشعور، قد تختلف التجربة، لكن مشاعر التطهير تبقى مشتركة.

لقد حافظ التطهير في النص على نفس المنحى الإيديولوجي الذي حدده فرنان، في كون البطل هو الضحية، والعقاب الذي يحل به هو خلاص مما هو استثنائي وطارئ على الجماعة، وبالتالي فإن التطهير الذي يحس به المتلقي يدعم انتماءه إلى الجماعة(11)، سواء أكانت هذه الجماعة جمهورا أم حميرا.

لقد أنجز البطل السارد سفرا في الذات، وفي الآن نفسه كان القارئ ينجز سفره الذاتي من خلال أطوار الحكاية، ويبحث عن ذاته وملامحه في ثناياها، حمَله الراوي على حين غرّة في رحلته، وجعله شريكا في السر، ودعاه إلى ألا ينأى عنه، وأطلعه على مرآة الحمارية، ووصف له حقيقة الوضع الإنساني المأساوي، في منعطفات ومواقف سردية كثيرة، حادة وسريعة، كأنّ الأمر أشبه بمطارَدة لا تقبل التأني، انسجاما مع كون الحكاية رحلة بحث عن الحقيقة. بذلك كان القارئ معنيا بما يُحكى ومقصودا فيما يُفسَّر ويُؤوَّل، ومشمولا كذلك بلوعة التطهير.

إن التطهير في التراجيديا الكلاسيكية الفرنسية وسيلة لتخفيف الأهواء ومسار العواطف، وقد أكدت على التفسير الأخلاقي للتطهير، وكذا على بعده التربوي، أي تعليم الفضيلة. ولعل سيرة حمار تحمل هذا البعد برفضها للأهواء وكشفها لحقيقة الوضع الإنساني وتصويرها للواقع المنحرف للإنسان في أبعاده كلها، وبهذه الخصائص تكون الرواية قد اعتمدت التفسير الأخلاقي وتَقصَّدت المغزى التربوي.

ولا بد أن أشير إلى أن الصورة التي تستبطن مغزى التطهير في النص، ليست هي التي انطلقنا منها في مستهل هذه السمة، بل هي التي تصور انتفاضة مشاعر البطل أمام صاحب السيرك بعد نيله وشاح الحرية وإعلان انعتاقه، وما تلاها من مشاعر الحزن والنكوص والتأمل الجريح. أما صورة الانطلاق فهي مجرد إجراء بنائي لتبرير عودة البطل إلى سيرته الإنسانية بشكل يربط المعلول بالعلة. ووقوفنا عليها جاء من باب الامتثال للخيارات الجمالية التي تبناها النص، وهي خيارات مقبولة، جماليا، إذ كان لا بد للبطل، بعد النصر والتحرر، من فترة نقاهة يهدأ فيها روعه وينضج فيها تفكيره ووعيه، ويدرك أطراف الحقيقة، قبل أن يولَد عاريا من جديد ويأتزر بإزار الحكمة.

هوامش:

(1)- حسن أوريد، سيرة حمار، منشورات دار الأمان، الرباط، الطبعة 3، 2015، ص: 119- 120.
(2)- سيرة حمار- ص: 20.
(3)- سيرة حمار، ص 126.
(4)- أرسطو طاليس، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمان بدوي، دار الثقافة، بيروت، ص 35.
(5)- نفسه، ص 34.
(6)- سيرة حمار، ص: 64 و ص: 90.
(7)- سيرة حمار، ص 88.
(8)- سيرة حمار، ص 107.
(9)- سيرة حمار، ص 104- 105.
(10)- سيرة حمار، ص 104.
(11)- أنظر: التطهير عند أرسطو، عبر محرك غوغل.


البشير البقالي

قاص وشاعر مغربي

من نفس المؤلف