هزائم جمال عبد الناصر..

، بقلم عمرو صابح

مع كل ذكرى لجمال عبد الناصر.. ميلاده.. يوم ثورته.. تأميم القناة.. حرب 1956.. حرب 1967.. وفاته.

تنتاب حالة من الارتكاريا المفرطة قطعان خصومه وكارهيه وهم تجمع بشرى فريد يضم إخوانجية على ليبرالجية على شماشرجية على ثورجية ولكن على أنفسهم فقط، مكانهم الطبيعى هو متحف للمخلفات الفكرية البشرية، وفى ظل غيظهم من الحفاوة بتاريخ جمال عبد الناصر، والمصحوب بعجزهم عن التغيير مثلما فعل، تجدهم فى كل مناسبة خاصة بالزعيم ينعقون وأحياناً ينبحون بالشتائم والسخرية منه.

من أطرف اتهامات قطيع الجهلاء مؤخراً لجمال عبد الناصر وصفهم إياه بأبو الهزائم والذى لم ينتصر فى معركة واحدة، لذا فلنراجع تاريخ هزائم جمال عبد الناصر:

- الثورة 1952.. نجحت خطة جمال عبد الناصر ورفاقه من الضباط الأحرار واستولوا على السلطة وطردوا الملك فاروق الأول والأخير، وأسقطوا حكم أسرة محمد على بعد 150 سنة من استيلاء تلك الأسرة على مصر.

- الصراع على السلطة 1954.. واجه جمال عبد الناصر وفريق من الضباط الأحرار تحالف ضخم ضم اللواء محمد نجيب والضباط الشيوعيون فى الثورة والوفديين والإخوان المسلمين والشيوعيين وبقايا النظام القديم، انتهى الصراع بانتصار ساحق لجمال عبد الناصر ورفاقه على تحالف خصومهم.

- الجلاء .. بعد 72 سنة من الاحتلال البريطانى وبعد فشل ثورة 1919 والانتفاضات الشعبية المستمرة ومعاهدة 1936 فى تحقيق مطلب الجلاء، استطاع جمال عبد الناصر توقيع اتفاقية الجلاء بعد عامين فقط من ثورته.

- مؤامرة الإخوان سنة 1954.. فى محاولة أخيرة من جماعة الإخوان بالتواطؤ مع اللواء محمد نجيب من أجل التخلص من جمال عبد الناصر بالاغتيال فى 26 أكتوبر 1954، فشلت المؤامرة ونجا جمال عبد الناصر وحطم جماعة الإخوان وألقى بمحمد نجيب إلى النسيان.

- كسر احتكار السلاح 1955.. بعد رفض الغرب تزويد مصر بالسلاح، كسر عبد الناصر الاحتكار الغربى لتسليح العرب، ووقع أول اتفاقية تسليح مع السوفيت تحت ستار تشيكوسلوفاكيا، ليقوم بدق أول مسمار فى جدار الستار الحديدى حول الاتحاد السوفيتى، ولينتقل السوفيت من مياههم الباردة لقلب العالم العربى وعمق قارة أفريقيا.

- تأميم القناة وحرب 1956.. بعد رفض أمريكا تمويل مشروع السد العالى ووصف وزير خارجيتها للاقتصاد المصرى بالمفلس، أمم عبد الناصر قناة السويس وهو غير آبه بمصير محمد مصدق وما حدث له بعد تأميم البترول الإيرانى، وعندما تحالفت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بتواطؤ أمريكى لاسترداد القناة والاطاحة بنظام جمال عبد الناصر، فشل العدوان بعد 11 يوم من المقاومة، وعادت القناة لمصر وانسحب المعتدون وخرج جمال عبد الناصر أقوى مما كان، وزعيم عربى وعالمى.

- التمصير 1957.. بعد تأميم القناة وجد عبد الناصر ان مصر يمتلكها 7 ألاف شخص معظمهم أجانب فقام باسترداد ثروات مصر وردها للمصريين.

- الوحدة المصرية السورية 1958، لأول ولأخر مرة فى التاريخ العربى الحديث تقام وحدة اندماجية بين دولتين عربيتين بناءً على إرادة شعبية جارفة، ويُنتخب جمال عبد الناصر رئيساً للدولة التى حملت اسم الجمهورية العربية المتحدة.

- تحطيم حلف بغداد 1958.. الحلف الغربى المتواطئ ضد مصر والمشارك فى مؤامرة 1956، تحطم بثورة 14 يوليو 1958 فى العراق بقيادة قاسم وعارف ورفاقهم، والذين تحركوا للاطاحة بالنظام الملكى العراقى بالتنسيق مع جمال عبد الناصر.

- القرارات الاشتراكية 1961.. استكمالاً لتأميم القناة وتمصير الاقتصاد قرر عبد الناصر وضع كل موارد الثروة فى يده وبناء اقتصاد مخطط يسير عبر خطط خمسية متتابعة، ونجح فى تحقيق معدل تنمية 6.7% سنوياً.

- تحرير الجزائر.. بعد 130 سنة من الاحتلال الفرنسى للجزائر ونشأة أجيال فرنسية من مواليد الجزائر المحتلة التى كانت تعتبر فرنسا جنوب المتوسط، وبعد 8 سنوات من حرب ضروس بين ثوار الجزائر يدعمهم عبد الناصر بالمال والسلاح والاعلام والدبلوماسية خرجت فرنسا مطرودة من الجزائر.

- حرب اليمن 1962.. بعد قرون من حكم الإمامة المتخلف الذى جعل اليمن فى القرن العشرين تعيش حياة القرون الوسطى، حطم ثوار اليمن بمساعدة الجيش المصرى عرش الإمام وأقاموا الجمهورية اليمنية وهددوا عروش باقى العملاء ولولا حرب 1967 لسقطت عروش أخرى، وتحرر العالم العربى كله.

- مؤامرة الإخوان سنة 1965.. بتمويل سعودى ودعم أمريكى حاول الإخوان مجدداً اغتيال عبد الناصر وقادة نظامه ونسف مرافق الدولة، وكالعادة فشل تخطيطهم وأحبط عملهم وعادوا للسجون.

- حرب 1967.. أول هزيمة عسكرية لجمال عبد الناصر ونظامه، كان انفصال الوحدة المصرية السورية فى عام 1961 هو أول هزائمه السياسية، قاد الانفصال للهزيمة التى جاءت رداً على النجاح وليس بسبب الفشل، تجاوز عبد الناصر الحد المسموح به لحاكم فى تلك المنطقة من العالم ، وأصبح تجربته الاشتراكية فى مصر ووجود جزء من جيشه فى اليمن خطر داهم على الاحتكارات الرأسمالية العالمية ومصالح شركات البترول والعروش التى يحميها الغرب، فتم جره لمعركة عسكرية انتهت بهزية ساحقة، وأفضل وصف لحرب 1967 ما قاله الرئيس الفرنسى شارل ديجول :

المعركة أمريكية والأداء إسرائيلى.

- ثورة ليبيا 1969.. فى 1 سبتمبر 1969 وبعد الهزيمة بعامين اندلعت ثورة جديدة فى أحد أكبر الدول البترولية فى العالم، ثورة ناصرية طردت القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية من ليبيا، وهى نفس القواعد التى انطلق منها الطيران البريطانى لضرب مصر فى حرب 1956، و20 طائرة أمريكية ضربت غرب مصر فى حرب 1967.

- حرب الاستنزاف 1967 – 1970.. الجيش المهزوم والمنسحب من سيناء فى حرب 5 يونيو 1967، تتم عملية غربلته من جديد، وإنشاءه على أسس علمية احترافية، لم تكن ممكنة لولا مئات الألوف من حملة المؤهلات العليا، والمتوسطة ،التى أتاحت لهم مجانية التعليم التى نفذها النظام الناصري فرص التعليم الجيد.

لولا مئات القادة العسكريون البارعون الذين تم إرسالهم فى بعثات علمية فى أفضل المعاهد العسكرية فى العالم خلال فترة حكم "عبد الناصر".

وإصلاحات النظام الناصري الاقتصادية والاجتماعية هى التى حافظت على استقرار المجتمع المصري داخلياً، مما أتاح للمصريين تحمل ظروف الحياة فى ظل الحرب، وشعبية "جمال عبد الناصر" الجارفة عربياً، هى التى وفرت لمصر الدعم المالى العربي بعد حرب 1967، وعلاقات "عبد الناصر" الوثيقة بالاتحاد السوفيتى، هى التى مكنت مصر من إعادة تسليح جيشها بعد النكسة، وخوض حرب الاستنزاف المجيدة، والتى كانت بمثابة بروفة حية لحرب أكتوبر 1973، والتى تم خلالها وضع خطط العبور والتدريب عليها ،وتوفير كل مستلزماتها، والتى انتهت ببناء جيش النصر ،وحائط الصواريخ المنيع على حافة الضفة الغربية لقناة السويس ،والذى بدونه ما كان ممكناً أبداً أن يتم العبور لسيناء.

من الجدير بالملاحظة ان شركات القطاع العام بالتعاون مع القوات المسلحة المصرية، هى التى اضطلعت ببناء هذا الحائط الضخم ، والذى كان وقتها أكبر حائط صواريخ فى العالم، مضافاً لكل ذلك إصرار "عبد الناصر" على وجود جبهة شرقية قوية ممثلة فى "سوريا"، للمشاركة مع مصر فى المعركة المقبلة، وقد تبين مدى أهمية تلك الجبهة عندما اندلعت المعركة بالفعل فى ظهيرة يوم 6 أكتوبر، فبفضل التنسيق المصري السورى خلال المعركة، كانت خسائر مصر أثناء عملية العبور هى 5 طائرات، و20 دبابة، و280 شهيد، كان ذلك بمثابة إعجاز بشري، وكان مستحيلاً أن يتم لولا الجبهة السورية، فقد ركز العدو الصهيونى 80% من قواته الجوية على جبهة الجولان يومها، والـ20% الباقين على الجبهة المصرية، لقرب الجبهة السورية من العمق الإسرائيلي، بينما تفصل صحراء سيناء الشاسعة القوات المصرية العابرة عن الحدود مع إسرائيل.

يكفى أن نعلم أنه كان متوقعاً أن تفقد مصر فى عملية العبور فقط 26 ألف شهيد، وهو ما تم تلافيه بفتح الجبهة الشرقية.

خلال حرب أكتوبر 1973 أغلقت البحرية المصرية مضيق باب المندب فى وجه الملاحة الإسرائيلية والغربية، لم يكن هذا ممكناً لولا حروب "عبد الناصر" ضد الاستعمار البريطانى فى شرق السويس، والتى انتهت بطرد البريطانيين من الخليج العربي كله ، ولولا مساندته لثورة اليمن عام 1962.

باعتراف كل قادة إسرائيل فى مذكراتهم كانت حرب الاستنزاف هى أول هزيمة عسكرية لإسرائيل وهى فاتحة العبور فى حرب 1973.

- العملية عصفور 1967 - 1971.. فى ديسمبر 1967 أمرالرئيس جمال عبد الناصر بزرع أجهزة تنصت واستماع داخل مبنى السفارة الأمريكية بالقاهرة، فى عملية إستخباراتية أطلق عليها أسم العملية (عصفور).

هذه العملية تعد من أنجح وأخطر عمليات التجسس فى تاريخ المخابرات فى العالم ولا تعادلها فى النجاح إلا العملية (ألترا ) عندما نجحت مخابرات الحلفاء فى حل الشفرة الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية مما جعل البريطانيين والأمريكيين على علم كامل بكافة التحركات و الخطط العسكرية و الإستخباراتية الألمانية قبل حدوثها.

كان يعلم بسر العملية (عصفور) حوالي عشرة أشخاص في مصر كلها، وأن نائب الرئيس عبد الناصر وقتها السيد أنور السادات لم يعلم بسر العملية (عصفور) بأوامر من الرئيس عبد الناصر ذاته..

وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر فى 28 /9 /1970 رفض السادة (على صبرى، شعراوى جمعة، سامى شرف ، والفريق محمد فوزى) أن يعرف الرئيس الجديد أنور السادات بسر العملية "عصفور" لخوفهم على العملية منه و لعدم ثقتهم فيه.

الأستاذ هيكل هو الذى أطلع الرئيس السادات على سر العملية (عصفور) فى يوليو 1971.

عملية ( عصفور ) ظلت تسير بنجاح وظل تدفق المعلومات جاريا منذ ديسمبر 1967 حتى يوليو 1971، عندما أفشى الرئيس أنور السادات سر العملية (عصفور) لصديقه كمال أدهم مدير المخابرات السعودية و صاحب العلاقات الوثيقة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية والذى نقل المعلومة فور علمه بها للأمريكيين مما أنهى العملية الناجحة وأغلق باب كنز المعلومات للأبد.

- العام الأخير من حياة جمال عبد الناصر..

خلال السنة الأخيرة من عمره ومن حكمه، استطاع عبد الناصر إتمام بناء مشروع السد العالى أحد أعظم المشاريع الهندسية والتنموية فى العالم، والذى يجسد عن حق مبادئ وأفكار عبد الناصر، وسياساته الاستقلالية ورؤيته لمستقبل مصر، حيث مثلت ملحمة بناء السد العالى ورشة عمل ضخمة أفرزت ألاف المهندسين والعمال وخبراء الرى المهرة، لتعكس تصور عبد الناصر لمصر كدولة صناعية زراعية تلحق العصر ولا تتخلف عن العلم.

فى ذات العام الأخير، وقبيل شهر واحد من رحيل عبد الناصر المباغت، تمكن رجال القوات المسلحة من إتمام بناء حائط الصواريخ المنيع، ووفر عبد الناصر لهم الغطاء السياسي والعسكرى بقبوله مبادرة روجرز، التى أتاحت للقوات المسلحة المصرية تحريك قواعد حائط الصواريخ حتى الحافة الغربية لقناة السويس ،وبهذا العمل الجبار الذى تم بتضحيات بشرية هائلة تم توفير الغطاء الصاروخى لإتمام عملية العبور وتحرير سيناء.

فى يوم وفاة الرئيس عبد الناصر، كان الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون متواجداً ا على حاملة الطائرات الأمريكية "سارا توجا" فى البحر المتوسط خارج المياه الإقليمية المصرية، ليشهد مناورة ضخمة للأسطول السادس الهدف منها هو أن يسمع عبد الناصر فى القاهرة أصوات المدافع الأمريكية للرد على إتمامه لبناء وتحريك حائط الصواريخ المصري حتى الحافة الغربية لقناة السويس، كان هدف المناورة طمأنة إسرائيل، وتوصيل رسالة لعبد الناصر إننا بالقرب منك، وعقب علم نيكسون بنبأ وفاة عبد الناصر أمر بإلغاء المناورة قائلاً "لقد مات الرجل المستهدف بإجرائها".

فى 18 سنة فقط خاض جمال عبد الناصر تلك المعارك، دخلها وعمره 34 سنة وخرج منها بموته وعمره 52 سنة، على أى مقياس تاريخى وعلمى، انتصارات جمال عبد الناصر تفوق هزائمه.

يُحسب لعبد الناصر انه ظل مقاوماً حتى أخر لحظات حياته، لم يستسلم ولم يتوقف عن محاربة أعداءه.

وصدق الرئيس عبد الناصر عندما قال فى خطابه يوم 23 نوفمبر 1967:

" وإن تقع رقعة من أرض الوطن أسيرة فى يد عدو زود بإمكانيات تفوق طاقته فهذه ليست الهزيمة الحقيقية، ولا هى النصر الحقيقى للعدو، وإن تقع إرادة الشعب أسيرة فى يد هذا العدو فهذه هى الهزيمة الحقيقية وهذا هو النصر الحقيقى للعدو."


عمرو صابح

كاتب مصري

من نفس المؤلف