همس الدمى وضجيج الحرب رحمن خضير عباس

في مسرحيته (همس الدمى)، يستعرض الكاتب زهير الخرّاز بعض ملامح تسعينات القرن الماضي، وما تحمله من أحداث وخيبات وانعكاسات على جيل كامل، هذا الجيل الذي يرى أن جغرافية حلمه الممتدة من آقصى الشرق حتى أقصى الغرب، قد أثقلتها سحب اليأس والخيبة والهزيمة. وزهير الخراز فنان تشكيلي مغربي، وكاتب قصة قصيرة. صدرت له مجموعتان قصصيتان وهما: (العصا) و (وصمة زعفران). ومازال يواصل مساره الإبداعي على أكثر من زاوية في ميادين الأدب والفن.

وقد كتب مسرحيته هذه منذ فترة ليست بالقصيرة، ولكنه لم يشأ أنْ يطبعها أو ينشرها، تحت وطأة عوامل مختلفة ومنها:

"إيقاع الأحداث السريعة والتي ما فتئت تتطور بشكل مقلق منذ تاريخ كتابة هذا النص"كما يقول في معرض توضيحه.

لقد عبّر من خلال الحدث المسرحي المُتَخيّل، وكأن الدمى تتحول إلى شهود عيان لواقع قلقٍ ومشحونٍ بالاحتمالات.

يَتَّخِذ الكاتبُ المقهى مكانا لأحداث مسرحيته. هذا المكان الذي يعبّرُعن حالة من عدم استشعار البعد الزمني. لأنها تمثّل حالة الفراغ التي يعيشها الآخرون، والذين يتحوّلون إلى مجرد دمى مكبلة بحالة سكونية، بانتظار مواقيت غير معروفة وغير مفهومة إو محددة.
لاسيما وأن هذه المقهى جزء من محطة السفر.

ويظهر لنا جمال كشخصية مؤثرة على مسار العمل. وهو فنان تشكيلي يتأبط أوراق الرسم، ويحاول أن يصنع عوالمه الفنية التي تنبثق من مخياله الإبداعي. ولكنه يعيش حالات من الاحباط، من خلال وجوده المتأرجح بين حافة الفاقة وحافة الحلم، فليس لديه سوى هذا المقعد في هذه المقهى. ولكن ذلك يُثير من غَيرة النادل علّال، الذي يخشى على زوجته الشابة الصغيرة صفية، من علاقة عاطفية محتملة مع هذا الفنان. زوجته التي تتعاطف مع جمال، وتصرّ على إن تكونَ موديلا لرسوماته. وهذا مايدفع زوجها علّال إلى إعلان كراهيته له ومحاولة الانتقام منه.

أمّا الشخصية الاخرى في المسرحية، فهو حسام، صديق جمال وطالب في الجامعة ولكنه يبدو متحمسا وَذَا سلوك متسرع، ويميل إلى افكار راديكالية.

أمّا الشخصية الثالثة فهو سليمان البائع المتجوّل، والذي لا يمتلك من حطام الدنيا سوى بضاعته الصغيرة، التي يكتسب من خلالها خبز يومه. ويتضحّ للمشاهد بأن سليمان كان قد جُنّد حينما كان شابا، مع الكثير من أبناء قريته، قسرا من قبل الإسبان، حيث تمّ تجنيد الكثير من المغاربة لصالح جيش فرانكو. ومن خلال حديثه، يُظهر لنا نظرة الاسبان الاستعلائية نحو المغاربة. حتى في حالة دفاع المغاربة عن إسبانيا! وكيف أنهم كانوا ستة من الجنود الإسبان في خندق واحد. وحينما تبادلوا سيجارة واحدة بينهم حرموا سليمان منها.باعتبار انه (مورو) وألقوا عقبها خارج الخندق. وحينما حاول الحصول على ما تبقى من السيجارة. تعرض الخندق الى قذيفة قضت على من فيه. وأبقت على سليمان جريحا. وهكذا بقي كل حياته متعلقا بتلك الأعقاب لانها أنقذت حياته. ولأنه اكتشف أيضا، أنّها توّفرُ له لذة روحية غير متناهية. وهكذا فالكاتب يلجأ الى ترميز بقايا الأشياء المرمية والتافهة لتصبح ذات مغزى. سليمان يمثل شريحة من الناس الذين فقدوا كل شيء من أجل لا شيء. فحينما يعود من الحرب لا يجد زوجته أو أطفاله فقد التهمتهم قسوة الحياة.

ثمة شخوص ثانوية، كصالحة التي تعمل منظفة في المقهى، وتتعاطف مع جمال. وصاحب المقهى الحاج حسين، الذي يحلو لها أنْ يتبادل أطراف الحديث مع سليمان. إضافة الى الصبي حنظلة،الذي يقوم بجمع أعقاب السجائر من الطرقات والمقاهي، وبيعها إلى سليمان.
كانت أجواء الحرب على العراق ومحاولة تدميره من قبل دول التحالف، تُطِلُّ على فضاء الحدث المسرحي وتأطره بالأسى والغضب. حيث أن الحوار بين أبطال المسرحية يتناول هذا الحدث بين الفينة والأخرى. إضافة الى الحوارات الساخنة أحيانا، التي تعكس مستوى الإحباط الذي يعيشه الناس.

كما أن المسرحية تتغلغل في النسيج الاجتماعي، وتلتقط بعض المظاهر السلبية التي تعشعش في مجتمعاتنا، كإرغام صفية الصغيرة على الزواج بعلال النادل، والتي لا تُحبه أو تنسجم معه، مما حدا به أن يقوم بسلوك انتقامي مشين تجاه حسام وجمال. مما جعل صفية تُصدم من فعلته، فتغضب وتطلب منه الطلاق. وهنا يتجلى الإحساس الإنساني لدى هذه الشابة التي عُرِفت بطيشها. ولكنها في هذه اللحظة أبدت عن جوهرها الإنساني.

كما طرحت المسرحية بشكل عرضي، ضحايا الحرب من المغاربة والذين جعلتهم اسبانيا حطبا لوقود حربها. وحينما استنفدت غاياتها. قذفتهم إلى الفقر والإهمال. وهاهو سليمان الذي فقد عائلته وجزءا من جسده حينما جُنّدَ للحرب. لم يبق لديه سوى أعقاب السجائر الرخيصة التي يتمتع بتدخينها.

لقد استطاع الكاتب، ان يجسد لنا مرحلة كاملة، من خلال أصوات معذبة وهامسة وكأنها الدمى التي تبوح بعذاباتها بصمت. وكان الكاتب قادرًا على مسك خيوط عمله المسرحي.

فجعله يبوح بالكثير من الأفكار والرؤى التي تتخاصم وتتصالح. فلكل شخص نكهته التي تجعله منفردا ومختلفا عن غيره. فهناك من يرتقي بإنسانيته عاليا، ومنهم من يهبط بوحل الحياة، ويتحول الى دمية مرعبة فارغة من القيم والمثل التي تعوّد عليها الناس البسطاء كما فعل النادل علّال، وهكذا فان الانتقام لايصنع إنسانا، بل يصنعُ وغدا.

لقد حاول الكاتب أن يؤسس بناءً دراميا، تتخلله الكثير من المفارقات التي انتزعها من المزاج الاجتماعي، الذي يعتبر الحرب على العراق اعتداءً يستهدف القيم الحضارية.

تلك القيم التي يؤمن بها جمال ايضا. وهو الفنان الذي يتعذب ويرى بغداد البعيدة وهي تئنّ من الحروب فيصرخ بحزن وهو يكلم صالحة:

"أنت لا تدرين ما تعنيه بغداد بالنسبة لي! بغداد هذه مهد الحضارات..فها هي الحرب تشتعل هناك، وأنا أشتعل هنا.."

لقد استطاع زهير الخراز أن يختصر من خلال بعض المشاهد من المسرحية ما يكنّه المغاربة عموما من ألم وحزن لما حدث ويحدث للعراق أثناء الحروب التي مزقته.