الأربعاء ٢٧ شباط (فبراير) ٢٠١٩
بقلم جورج سلوم

العيش تحت خط الخبز

سأشتري منكِ واحدة أخرى يا سيدتي

طيّبةٌ.. فيها عرقُ يديكِ المالح.. ويتنقّط عرق جبينك فوق العجين وما من يمسحه سوى أطراف أكمامك اللانظيفة..وهذا هو سرّ النكهة العجيبة في الخبز اليدوي

افرشي لذائذ صنعتكِ في عجينك المرقوق.. زعتراً أم جبناً أم لحماً مفروماً..ودعيني أنتظر فأنا لست مستعجلاً

رائحة شطائركِ طيّبة.. مثيرة للشهية..وتُسيل اللعاب

ما أشهى تناولَها وأنا أرمُقكِ كإحدى المقبّلات والمشهّيات.. أقشّر أوراق الجريدة التي تلفّ عجينتك الساخنة.. ألتهمكِ برفق.. أمضغكِ.. وتقف لقيماتي في حلقيَ الجاف.. أزدردها فتأبى الولوج..فأتنحنح وأسعل.. فتناولينني كأساً من الماء موجوداً بجانبك.. والكأس واحدٌ ومتاحٌ للجميع وتعاودين ملأه من صنبورٍ خلفكِ بيدٍ تبقى آثارالعجين عليها..

وقد تعزف نفسكَ عن الشّرب من كأسٍ عليه بقايا عجينٍ ملتصق فتعيده لها..
عندها ستقول لك بلا تردّد:

- إن أردت شراء العصير أو الكولا فمن الدّكان المجاور

يومها ما كنت من سكان دمشق.. كنت غريباً أشبه بالسائح في وطنه ، وأقضي فترة تدريبية في أحد المستشفيات لثلاثة أشهر.. وبرنامج التدريب مملّ ومكرّر.. لذا كنت أخرج وأتمشى في حاراتها القديمة في الوقت الضائع.. ولكلّ زقاقٍ قصّة وفي زحمة الخلق تتفتّق أفكارك ويتجسّد ملهموك

كانت تعجبني ولا أعرف لماذا..قد تكون بساطتها وهي ليست بسيطة.. حركاتها السريعة ونشاطها.. جمالها البكر.. خجلها.. لست أدري.. كما يُعجَب الزبون بخادمةٍ في مطعم فيتردّد إليه لا ليأكل بل ليزور خادمته.

وهكذا صرْتُ أتوقّف عندها كاستراحةِ كلّ يوم..وأغيّر طريقي من أجلها.. وحذفت فطوري الصباحي في المشفى فأنا موعودٌ بفطائرها.. تبتسم لي وكأنها لا تبتسم وتبدأ بإعداد منقوشة الزّعتر قبل أن أطلبها

والآخرون وليسوا كثُر يأتون ويروحون حاملين طلباتهم.. ما خلا بعض الرجال الدّبقين يتفرّجون عليها.. ويتدّخلون في صنعتها كنوعٍ من إطالة الوقت.. الملح أكثر يا سيدتي.. وأريد المنقوشة محروقة أطرافها.. أعيديها إلى النار قليلاً.. البارحة كانت أطيب.. عجينُك اليوم غيرُ مختمرٍ جيداً.. هذه الصنعة للرجال ويضحكون.. ولا ترفع رأسها لتتفحّص زبوناً مع أنّ الجميع يتفحّصونها.. ويمضغون على عتبتها..بل ويدخّنون ويفتحون أحاديثاً لا تردّ عليها إلا فيما يخصّ الزعتر والجبنة وإضافة بعض التوابل

وابنها الصغير يتحرّك على باب محلها الصغير، فيلملم بقايا أوراق الجرائد الممزقة وأعقاب السجائر من على الأرض.. أعطيته زجاجة من عصير فأخذها.. لكن أمّه التي ترى كلّ شيء كالقطة تراقب ابنها.. صاحت به آمرة بأن يُعيدها لي.. وابتسَمْتُ وقلت:

- لابأس.. دعيه يبرّد حلقه في هذا الحر.. خذها يا بني وتعال معي لأشتري لك قطعة من الحلوى
والفتى راقت له الفكرة.. لولا أمه التي اندفعت كاللبؤة لتمسكه من كتفه.. عندها نظرَتْ إليّ وقالت بحزم:

- نحن هنا لنبيع خبزاً شريفاً

فاجأتني بصدودها وأشعرتني بأنني مكشوف وأصيد بالماء العكر.. وأنني أستعمل الولد كطعم لاصطياد السمكة الكبيرة..

بعدها كان لابدّ لي أن أهرب.. حملتُ شطائري المُشتراة وهربت.. رفعت يدي لأول سيارة أجرة صفراء تعبر الطريق.. لم أجب عندما سأل عن وجهتي بل أشرتُ له بأصبعي بأن يسير إلى الأمام..أريد أن أهرب من نظرات التأنيب..

قال لي:

- تلك المرأة زوجُها شهيدٌ في الحرب..وأعطوها هذا المحل لتعمل به وتعيل أولادها.. ماشاء الله صارت تكسب جيداً.. إنها أخت الرجال ولم تستسلم للأزمة.. وراتب الشهيد لا يكفي كما تعلم في هذا الغلاء الذي صنعوه تجار الحرب

وكان ينتظر مني جواباً..ولم أجب.. فتابع القول:

- لم تقل لي إلى أين ؟.. الحرب دمّرت البشر والحجر.. ولا توجد عائلة إلا فقدت عزيزاً أو تهجّرت من بيتها.. الكلّ يجب أن يعمل لتأمين خبزه فأنا موظف وأعمل كسائق أجرة.. لقمة معجونة بالعرق وقد تكون مغموسة بالدم

وكانت السيارة تنهب الطريق.. وسائق التاكسي أعاد السؤال بصوت أعلى:

- إلى أين يا أستاذ؟

لكن الأستاذ لا يجيب.. أشرْتُ له نحو اليمين فامتثل لأمري وسار طويلاً.. وعندما أعاد السؤال وجّهتُه نحو اليسار بطرف إصبعي..

أصبح ممتعضاً..وقال بنبرةٍ حادة:

- حرامٌ أن يكون أستاذٌ أنيقٌ مثلك.. أخرساً أو أطرشاً.. حتى السلام تراه كثيراً علينا.. وتستكبر أن تقول لي أين وجهتك ؟.. لا تفتح معي حديثاً.. عرفت استكبارك من معجّناتك الساخنة التي قتلتني رائحتها الزكية.. وأنت تتبارد عن أكلها.. وقد تنساها على مقعدي.. لأن البعض لا يعرف قيمة الخبز

نحن سائقو الأجرة.. كالحمير يركبوننا نحن وسياراتنا.. ننوء بأثقالنا.. ونسير ذات اليمين وذات الشمال.. بلكزةٍ من عصا الراكب.. أو نكزةٍ من مهماز رِكابه.. ونبتسم لعنجهيّتهم وفوقيّتهم.. نريد أن نأكل خبزاً ورائحة الخبز تجعلنا أذلاء.. كالحيوانات الجائعة تجري وراء الفتات فيتم ترويضها بكسرة خبز.

ويتابع مبتسماً..وبعض السخرية تركبه أيضاً:

الخبز هو لحم الفقراء وفاكهتهم..اللهم أعطنا خبزنا كفافنا.

ضحكتُ وقلت:

- جميلةٌ محاضرتكَ في الأخلاق يا معلّم.. لكنني أفضل أن تبقى ساكتاً ما دُمت ستقبض مني في النهاية ما تريد.. أما وجهتي التي تسأل عنها فهي مجهولة بالنسبة لي.. ملخّص القول.. أنا متعبٌ وأريد أن أرتاح وأنسى.. خذني إلى مكان ينسيني همومي فأنا غريب عن هذه الناحية

- دواؤك عندي يا محترم..ما دمت فوق مستوى خبز العيش.. سأحملك إلى مكانٍ ترتاح فيه وتنسى كلّ همومك..نحن السائقون العموميون كأطباء النفس نعرف هموم المدينة.. ونعرف علاجاتها.. سآخذك إلى مكانٍ تسترخي فيه وتستمتع وهو قريب.. فقد أصبحنا في أطراف المدينة.. لن تدفع كثيراً اطمئن فالأسعار هنا شعبية وكل شيء رخيص حتى البشر!

عندما نزلت عن سرج دابّته الآلية..وقفت أتأمّل السكن العشوائي الذي نقلني إليه..طرق الباب وتحدّث مع من في الداخل بدون أن أرى أحداً منهم..لكنه أشار إليّ بأن أدخل بلا حرج..تردّدت طبعاً كغريبٍ يبحث عن موطئِ قدمه قبل أن يخطو..تركني وصاح بي من النافذة:
- ألم أقل لك بأنك ستنسى شطائرك على مقعدي..فالخبز لا يعني لكم شيئاً..أنتم يا من تعيشون فوق خط الخبز

في البيت الفقير استقبلتني سيدة تبتسم ولا تبتسم.. حاولَتْ ترتيب المكان الذي سأجلس عليه وسحبت من تحتي ثياباً معروكة..قالت:

- تفضّل يا أستاذ.. البيتُ بيتك.. سأعود بعد قليل.. هذه منفضة إن كنت تريد أن تدخّن
سمعتُ بكاءَ طفلٍ من الداخل..وسمِعْتها تنهره بألا يحاول الخروج من الغرفة..فالزائر إرهابيٌّ ملثّم ولديه عصاً مدببة.. (هكذا قالت لتمنعه من الخروج إليها ).. أو قد يكون طبيباً ولديه إبرة واخزة..ولا تحاول يا بنيّ أن تنظر من ثقب الباب كي لا يغضب الضيف..هكذا قالت.. وإن كنت شطّوراً ولعبت بألعابك سأجلب لك واحدة جديدة..وإن جعت فالخبز بجانبك!

ماهذا الخبز الذي يلحقني أنّى اتجهت؟..

حرمانه ترهيب.. وإتاحته ترغيب

عادت وكانت تبتسم ولا تبتسم..رائحة عطرها فاقعة إذ وضعتها لتوّها.. وساعداها سمراوان ولو وضعت الآن عليهما دهوناً مبيّضة.. فبدت بشرتها كخريطةٍ مُختلَفٍ على حدودها.. جذبَت أكمامها العريضة أعلى ما يمكن في استعراض يختلط فيه الفقر بجمالٍ مُهْمَل.. وبدأت بتحرير بعض المناطق المحرّمة

تذكّرَتْ ثقب الباب حيث حبَسَتْ ابنها.. وتأكّدت أن المفتاح يسدُّ منافذ القفل فلن يرى شيئاً.. قالت:

- ما عندي مشروبات باردة.. لكن قهوتي ستعجبُك.. وإن أردت طعاماً سأطلب لك بالهاتف وسيأتي سريعاً

قلت..وقد انتقلت عيوني نحو الباب المقفل:

- أريد خبزاً فقط..من ذاك الذي يأكله ابنك المحبوس في الداخل.. وسأدفع ثمنه كما تريدين..فأنا أريد الحبَّ فعلاً.. وأريده مقدّساً.. طاهراً كالخبز..

قد أكون باحثاً عن الحب.. مشتتاً..ضائعاً.. لكنني أريد أن آكل عندكِ خبزاً فقط.. نتقاسمه بالثمن الذي تريدين

وما أعجبها كلامي.. وبهتت إذ سمعت زبوناً سيثرثر والثرثرة لا تطعم خبزاً.. وسيطيل الوقت ولا طائل وراءه..

وتابعتُ محاضرتي لطالبةٍ لا تريد أن تسمع.. وقالت في نفسها.. قد يكون هذا الزبون مرشداً نفسياً أو مصلحاً اجتماعياً.. أو من بوليس الآداب.. أو رجل دين مستحدث، حليق الذقن ببنطال من الجينز.. وقد يطلب منها أن تأكل خبزها حلالاً من عرق جبينها بدل أن تبيع جسدها.. لذا بدأت تعتدل في جلستها وتغطي مناطقها المحرّمة كأنها شعرت بالبرد لأن ثمن الخبز لن يأتيها اليوم كما يبدو من زبون كهذا!

أما أنا فتابعت محاضرتي بلا جمهور وقلت:

- أعرف أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان... لكنه الطعام الوحيد الذي يُعتبر مقدّساً.. والطعام الوحيد الذي يعتبر رميه في القمامة كفراً في كل مجتمعات الأرض..لأنَّ الخبزَ هو خط سواء العيش.. فمن اعتلاه كان غنياً.. ومن كان دون الخبز أو كان تأمين الخبز همّه الوحيد.. كان فقيراً

وفلسفتي جعلتها تقطّب حاجبيها وبدأت قدمها تهتزّ بعصبية.. واستهجنت زبونها الفقير على ما يبدو.. وهذا الكلام الجميل تعرفه وقد يعرفه ابنها الصغير.. والكلام لا يطعم خبزاً.. وصارت ميّالة لأن تفتح لي باب الخروج كضيفٍ غير مرحّبٍ به

وقفتُ وظنّت أنني أهمُّ بالخروج لكنها فوجئت أنني توجّهت للداخل نحو الغرفة المقفولة

لم أبالِ باعتراضاتها عندما فتحتُ الباب على الصبيّ الخائف.. وحاولَتْ أن تمنعني بلا جدوى..والطفل فوجئ بالضيف.. كأنه أحسَّ بالخجل..

فهي المرة الأولى التي يواجهان فيها ضيفاً -أو زبوناً - يريد أن يرى الطفل متجاهلاً أمه.. مهما رفعت عن ذراعيها وشمّرت عن ساقيها..وهذا الطفل – على براءته - يعرف كيف تحصّل أمه ثمن خبزه.. ولكن لا حول له ولا قوة..

وهو لن ينسى الثمن الذي تدفعه أمّه لقاء الخبز كعائلة مرفوضة من ضحايا الحرب.. ولذلك سيعتبر الخبز ثميناً جداً ما عاش وما كُتب له من العيش.. وسيكتب في ذاكرته أنّ أمّه اشترت له الخبز الشريف.. بشرفها.. ولذلك سيحلف به ويضعه على رأسه عزيزاً

حاول أن يستحي..أن يحتمي بدفن رأسه بين أشيائه الفوضوية.. كالنعامة تدفن رأسها لإخفاء جسمها المكشوف

أما أنا..ففتحت كيس الخبز اليابس المرميّ بجانبه..وأخذت كسرة منه..قبّلتها ووضعتها على رأسي.. وقلت:

- مهما كبرتُ واستكبرتُ.. فسأبقى تحت مستوى (خط الخبز)..مثلك يا صغيري.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى