الأحد ٣١ آذار (مارس) ٢٠١٩
بقلم سناء الشعلان

المدّ والجزر في «مقامات الاحتراق» للدكتورة سناء الشعلان

بقلم : د.ميسون حنا /الأردن
عندما يعمل الكاتب فكره ليستخلص ما فاضت عليه تجاربه الحياتية وثقافته من درر ومعان ، ويضع هذه الخلاصة في عمل فني جميل لجمال ما تفتّق عنه ذهن الكاتبة من أفكار مستدقة ،وأحاسيس ملهمة لتضع هذا كلّه في أقصوصات قصيرة تحت عنوان "مقامات الاحتراق" (1)
هو احتراق حقّاً، فإذا تمعنا بقراءة الأقصوصة لنجدها مع قصرها عميقة المغزى ، وحادة التّأثير حدّ الاحتراق.على سبيل المثال في مقام التمني ترفض الأنثى حبيباً وهي التي عرفت من الرّجال الأوغاد ما طاب لها، وعندما تلتقي بالحبيب الشّهم الشّريف تقرر قطع علاقتها به؛لأنّه أجمل من أن يكون حقيقة،وهي تكره الأكاذيب .

وهناك في أقصوصة أخرى بينما يتمنّى النّاسك الثمانيني أن يموت عطشان جوعان بردان، ولكن عندما يأخذ رشفة من رحيق شفتيها يموت شبعان تلفح عظامه حرارة العشق . وهلم جرى من نبضات تنبض بها قصص المقامات، ولا مجال لوصفها.
فأنا أرى أن قراءتها بلغة الكاتبة وتعبيرها هو الأهم ، فعندما توجز الحكاية، وتغلف بألف غلاف من حلو المعاني في سطور قليلة لهي أجدر أن تقرأ كما هي لينفذ معناها إلى العقل مباشرة ، ولتنبض الأحاسيس المحملة بها إلى القلب ، وهكذا تصل إلينا بسلاسة دون تعقيد ، فهي سهلة لأنها تدغدغ أحاسيسنا وتتناغم مع ملابسات حياتنا ومتناقضاتها وانسجامها ، وتنافرها ، وعجزها وقدرتها ، هي مدّ وجزر . إنها الحياة مرسومة في لوحات تسمّى قصص قصيرة .
الكتاب يضم في جوفه اثنتين وثلاثين قصة هي على التّوالي مقامات الاحتراق وتتألف من تسعة عشر مقاماً ، وهي التي نوهت عنها في مستهل حديثي ، والقصص الأخرى هي الحكاية البداية ، سفر الجنون ، مأتم الرصاص ، في القدس لا تشرق الشمس ، القبعة الزرقاء ، أمينة ، هدية الإله ، كائن ليلي ، صوت الصمت ، هلال المجرم ، المصعد القديم ، أصابع وقحة ، الكف ، السيدة أنوار ، خليفة الله ، عابد المستعجل ، عملية ناجحة ، الشيطان يعشق ، حادثة انتحار عصفوري حب ، السيدة نجمة ، سرير صغير ، الطفل الأعجوبة ، تمثال الحرية ، المطاردة ، لوحة جميلة ، مرايا ، رأس خنزير ، عدالة ، قوائم ثلاثة ، تواصل الكتروني ، أنت .
الحياة رجل وامرأة ، موجب وسالب ، قمة ومنحدر ، وهذان القطبان يعيشان معا ، وديمومتهما واستمرارهما يتجددان من مشاحناتهما فيتنافران حينا ، ويتجاذبان أحايين ، وهكذا يدور دولاب الزمن الذي لا يعرف له مستقر ، وعليه ألاّ يستقر ، فباستقراره تغدو الحياة تافهة ، لا محفز لها للاستمرار ، هذه الفكرة تهيمن على عدة أقاصيص في المجموعة منها هدية الإله ، ففي هذه القصة الرجل لا يستطيع أن يعيش مع المرأة التي أهداها له الإله الأسطوري في القصة ، فيردها له وبعد حين يكتشف أنه لا يستطيع العيش بدونها فيستردها ، ويتكرر الموقف فيردها ثم يستردها ، أخيرا يقول له الإله أنت لا تستطيع العيش معها ولا تستطيع العيش بدونها فتعلم كيف تعيش معها .
أمّا في قصة صوت الصمت فتقول الكاتبة ، كان من المحتمل أن تبقى فتحية صامتة إلى الأبد ، وهي تخدم أمها المقعدة ، وأخاها المعاق عقليا إلا أنها في ليلة ماطرة من ليالي الشتاء البارد ، استيقظ الحي على صوت سيارة إسعاف تنقلها إلى المستشفى ، ذهبت بصمت ثم عادت امرأة أخرى لا تعرف الصمت ، هذرت بكلام لا يتوقف ، حمّمت أخاها المعاق ، صفعته كثيرا ، ولعنت الدنيا وجدفت دون حياء ، ثم هربت من البيت دون رجعة وتركت أخا ميتا من الصفع والرّكل.
وأمّا ميتة إثر نوبة قلبية حادة . ومن جديد ساد الصمت في المكان ، إذن هو صمت أعقبه صوت حيث ثارت فتحية على واقعها البائس ، القصة قمة ومنحدر . أمّا في قصة السيدة أنوار وأي فحش كانت أنوار وهي ممثلة إباحية ، وعندما يطلب منها أن تؤدي دور العابدة لتتقمص شخصيتها وهنا يحصل التحول في شخصيتها حيث تعشق دورها الجديد وتلبسه لتتحول من الفجور والفسق إلى الطهر والعبادة ، إذن هي مدّ وجزر مرة أخرى . وفي قصة الشيطان يعشق فهناك تجاذب في شخصيته حيث أنه المنبوذ من السماء ، وهو قطب الشر ولكنه يقرر أن يخلع الغل من قلبه ، ليتنكر لأصله النّيراني الملعون ، وينطوي تحت رداء الصالحين والملائكة والأبرار ، فيكون له هذا ليقضي صريع عشقه لآدمية تصليها ناره عندما يقترب منها وهو الكائن النيراني فيبتعد عنها متبتلا ليقيد اسمه في سفر الأبرار في مقام العاشقين ، وهنا صراع بين النار والنور ، بين الفسق والصلاح ، هي مد وجزر أيضا . وفي قصة السرير الصغير ، يحلم الشاب بسرير كبير لينام فيه وحيدا وعندما يستجاب طلبه يكتشف أن سريره بارد فيطلب من الإله أن يكسر وحدته التي كان يعشقها ، فيطلب أن يهديه الشخص الذي يشاركه السرير ، إذن هي مد وجزر ، القصة هذه تتشابه مع قصة هدية الإله. في قصة تمثال الحرية حيث يمجدونها في بلادهم وهم في حقيقتهم أعداء لها ، هي قمة ومنحدر ، أما في قصة المطاردة ، فالشبل يطارد الظبية ، وعندما يقرران أن يتهادنا ويكفا عن العراك ، والمطاردة لا يستسيغان ذلك فتقترح الظبية أن يجددا المطاردة وهي ذاتها من اقترحت الهدنة . هي دورة الحياة ما بين مد وجزر .
المجموعة غنية بملابسات المد والجزر الذي يتكرر في معظم قصص المجموعة في قوالب متجددة في شكلها وبنيتها وتنوع أفكارها ، وليكن تعليقي هذا محفزا لقراءتها .

...........
(1) سناء الشعلان: مقامات الاحتراق،ط1،صادرة عن نادي الجسرة الثّقافيّ/قطر،2006.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى