الأربعاء ١٥ أيار (مايو) ٢٠١٩
بقلم عمرو صابح

دور الأستاذ هيكل فى انقلاب السادات

ظل الأستاذ محمد حسنين هيكل حتى وفاته يفتخر بدوره فى أحداث مايو 1971، ويؤكد انه أتخذ الموقف الصحيح عندما وقف بجانب الرئيس أنور السادات، وطوال الفترة من 28 سبتمبر1970 حتى 7 نوفمبر 1973- تاريخ لقاء الرئيس السادات بوزير الخارجية الأمريكي هنرى كيسنجر فى قصر الطاهرة بالقاهرة-كان الأستاذ هيكل مؤيداً ومدافعاً عن الرئيس السادات وسياساته.

ولكن بعد أقل من شهرين من لقاء السادات بكيسنجر، قرر السادات التخلص من هيكل، فأطاح به من عرشه فى الأهرام فى 1 فبراير 1974،وقام بتعيين عبد القادر حاتم رئيساً لمجلس إدارة الأهرام، وعلى أمين رئيساً لتحرير الأهرام، كما أصدر الرئيس السادات قراراً بالإفراج الصحي عن مصطفى أمين المدان بالتجسس للأمريكيين، وأعاده للعمل بدار أخبار اليوم.

بعد خروج الأستاذ هيكل من الدائرة المغلقة للرئيس السادات، تفرغ الأستاذ هيكل لمعارضة سياسات السادات، والدفاع عن سياسات جمال عبد الناصر حتى قادته معارضته للسادات إلى المعتقل فى اعتقالات سبتمبر 1981، وعقب اغتيال السادات، أفرج الرئيس مبارك عن معتقلى سبتمبر 1981.

خلال عهد مبارك روج الأستاذ هيكل فى كل كتبه وحواراته ولقاءاته الصحفية لرواية مفادها أنه لم يكن يعلم بنوايا السادات حتى نهاية عام 1973، وان خلافه مع السادات حدث بسبب الطريقة التى أدار بها السادات سياسياً حرب أكتوبر 1973، ثم النهج السياسي والاقتصادى الذى سار فيه الرئيس السادات منذ عام 1974 منقلباً على كل سياسات سلفه الرئيس عبد الناصر.

حتى أتى يوم 3 يناير 2014، وخلال أحد حوارات الأستاذ هيكل مع الإعلامية "لميس الحديدى" على فضائية سي بي سي، تحدث الأستاذ هيكل للمرة الأولى عن اجتماع جرى فى استراحة القناطر الخيرية، جمع بينه وبين الرئيس الراحل السادات والسيدة حرمه بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من تولى السادات حكم مصر.

وكما روى الأستاذ هيكل فى حديثه، فإن الرئيس السادات فى هذا الاجتماع، صرح بأنه ينوى التخلى عن سياسات سلفه الرئيس عبد الناصر، وأنه سيتوجه لأمريكا التى ستخرج منتصرة من الحرب الباردة، وان سياساته سترتكز على حلول مصر محل إسرائيل والسعودية فى خدمة المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط، ولذلك لابد من التصالح مع تنظيم الإخوان المسلمين لوضع الإسلام فى حالة عداء ضد الشيوعية، وقد استعان السادات فى خطته للصلح مع الإخوان بالمهندس عثمان أحمد عثمان، ومرشد الإخوان الخفى وقتها "عبد المجيد حلمى"، فى إطار أن يحارب الإخوان المسلمون مع نظام السادات ضد الناصريين والشيوعيين فى الداخل لخدمة بقاء نظام السادات، وضد الشيوعية فى الخارج لخدمة مصالح أمريكا، فى إطار رؤية السادات لتحويل مصر لأهم بلد لأمريكا فى الشرق الأوسط.

وبنص كلام الأستاذ هيكل فقد قال الرئيس السادات:

"لقد ناكف جمال عبد الناصر الأمريكان زيادة عن اللزوم، وعلينا تقديم حسن النية لأمريكا لكى نحل محل إسرائيل ونجعل أمريكا غير محتاجة لها".

كانت تلك هى المرة الأولى التى يعترف فيها الأستاذ هيكل بنوايا السادات فى تحويل سياسات مصر لاتجاه معاكس تماماً لسياسات الرئيس عبد الناصر، كما ان تلك النوايا كانت حسب شهادته بعد شهرين أو ثلاثة من تولى السادات الرئاسة أى فى ديسمبر 1970 أو يناير 1971، قبل انقلاب مايو 1971 بأربع أو خمسة أشهر.

هكذا وبنص حديث الأستاذ هيكل لم تكن نوايا الرئيس السادات خافية عنه منذ البداية، ولم تكن أفعال الرئيس السادات بعد حرب 1973 مفاجئة له كما أدعى قبل تلك الشهادة.

الغريب ان الأستاذ هيكل على فضائية الجزيرة وفى برنامجه "مع هيكل"، فى سلسلة حلقات (الطريق إلى أكتوبر) التى أذيعت فى عام 2009، وتناول فيها الفترة التى أعقبت هزيمة 1967، قام بالتركيز على تحليل الصراعات داخل النظام السياسى المصرى فى السنوات الأخيرة من حكم الرئيس جمال عبد الناصر، و أصر الأستاذ هيكل على تقسيم رجال الرئيس عبد الناصر إلى معسكرين، معسكر يدعو إلى الحرية ورفع القيود وتخفيف قبضة النظام الأمنية وتحييد الولايات المتحدة الأمريكية على رأسه أنور السادات ومحمد حسنين هيكل، ومعسكر يدعو إلى التشدد والثورة الشاملة وعدم التهادن مع أعداء الثورة فى الداخل وفى الخارج وتوثيق العلاقات مع السوفيت على رأسه على صبرى وشعراوى جمعة وسامى شرف.

واستطرد الأستاذ هيكل فى تلك الحلقات لتبيان كيفية تصديه لمخططات معسكر التشدد وذلك عبر تأثيره على أفكار وقرارات الرئيس جمال عبد الناصر!!.

كما كشف الأستاذ هيكل فى نفس الحلقات تفاصيل العملية المخابراتية "عصفور"،عندما أمر الرئيس جمال عبد الناصر بزرع أجهزة تنصت واستماع داخل مبنى السفارة الأمريكية بالقاهرة فى ديسمبر 1967.

وقال الأستاذ هيكل أن هذه العملية تعد من أنجح وأخطر عمليات التجسس فى تاريخ المخابرات فى العالم، ولا تعادلها فى النجاح إلا عملية (ألترا)، عندما نجحت مخابرات الحلفاء فى حل الشفرة الألمانية أثناء الحرب العالمية الثانية، مما جعل الإنجليز والأمريكان على علم كامل بكافة التحركات و الخطط العسكرية و المخابراتية الألمانية قبل حدوثها.

وأضاف هيكل، كان يعلم بسر العملية (عصفور) حوالي عشرة أشخاص في مصر كلها، وانه كان من ضمنهم، بينما لم يكن أنور السادات يعلم بسر العملية (عصفور) بناء ً على أوامر من الرئيس عبد الناصر.

وقال الأستاذ محمد حسنين هيكل، أن علي صبري، وشعراوي جمعة، والفريق أول محمد فوزي، وسامي شرف رفضوا بعد وفاة الرئيس عبد الناصر أن يعرف الرئيس الجديد أنور السادات بسر العملية عصفور لعدم ثقتهم فيه، ولأن بعض ما وصلهم عبر تلك العملية عن اتصالات الرئيس السادات بالأمريكيين يدينه ويستوجب محاكمته!!.

وأضاف الأستاذ هيكل ان معرفة الرئيس السادات بسر العملية (عصفور) حدثت قبيل انقلاب مايو عام 1971، وكان الأستاذ هيكل هو الذي أطلع السادات على السر.

وقال الأستاذ هيكل أن عملية (عصفور) ظلت تسير بنجاح وظل تدفق المعلومات جاريا منذ ديسمبر 1967 حتى يوليو 1971، عندما أفشى الرئيس أنور السادات سر العملية عصفور لصديقه كمال أدهم مدير المخابرات السعودية وصاحب العلاقات الوثيقة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والذى نقل المعلومة فور علمه بها للأمريكيين مما أنهى العملية الناجحة وأغلق باب كنز المعلومات للأبد.

الطريف ان الأستاذ هيكل استنكر إخفاء مجموعة مايو لسر العملية عصفور عن الرئيس السادات، بينما لم يلفت انتباهه ان إخفاءهم للسر كان بالفعل لصالح استمرار العملية، وان إفشاءه للسر أدى لتوقف عملية مخابراتية وصفها بنفسه بكونها من أعظم عمليات التجسس فى تاريخ المخابرات.

من الأسرار التى كشفتها عملية عصفور عن أحداث مايو 1971، شهادة شعراوي جمعه وزير الداخلية الأسبق وأحد أقطاب مجموعة مايو، والتى ذكرها محمود رياض وزير خارجية مصر وأمين عام جامعة الدول العربية الأسبق، فى صفحتى 118 - 119 من الجزء الثالث من مذكراته والتى صدرت بعنوان (أمريكا و العرب) عن دار المستقبل العربى – الطبعة الأولى عام 1986.
كتب السيد/ محمود رياض:

وقد اطلعت مؤخرا على التحقيقات التى تمت مع السيد شعراوى جمعة وزير الداخلية الأسبق بواسطة النيابة العامة فى يونيو 1971، وقد ورد فيها أن شعراوى جمعة أثناء اجتماعه مع أعضاء التنظيم الطليعى للاتحاد الاشتراكى ذكر ما يلى:

اننى نقلت إلى الموجودين بعض ما علمته مما دار بين بيرجس (القائم على شئون المصالح الأمريكية فى مصر) وجوزيف سيسكو (مساعد وزير الخارجية الأمريكى) وما دار فيه من حديث يتصل بأمور كثيرة منها ما يمس سلامة البلاد أرجو إعفائى من ذكرها.

ثم يقول السيد/محمود رياض.. أن السيد / شعراوى جمعة قرر أن يطلعه بعد خمسة عشر كاملة على الحديث الذى دار بين سيسكو و بيرجس مساء يوم 9 مايو 1971، وهو الحديث الذى رفض الإفصاح عنه أثناء تحقيقات النيابة العامة معه فى قضية مايو 1971.

ويضيف السيد / محمود رياض أن السيد / شعراوى جمعه أخبره أن مباحث الداخلية استطاعت أن تضع أجهزة تصنت فى منزل بيرجس القائم على رعاية المصالح الأمريكية فى مصر، وأمكن تسجيل الحديث الذى أدلى به سيسكو لبيرجس حول ما سمعه من السادات أثناء مقابلته له بعد ظهر ذلك اليوم – 9 مايو 1971 – فقد أبلغ السادات سيسكو أنه سيقوم بتغيير وزير الخارجية محمود رياض ووزير الدفاع محمد فوزى لأنهما يضغطان عليه من أجل بدء معركة التحرير، هذا علاوة على إصرار وزير الخارجية على الحل الشامل، كما ذكر السادات لسيسكو أيضا أنه قرر فصل حوالى مائة وخمسين عضوا من الاتحاد الاشتراكى وهم الذين عارضوه فى اللجنة المركزية عندما طرح مشروع الاتحاد بين مصر وسوريا وليبيا.

بعد قراءة شهادة المرحوم شعراوى جمعه عن نوايا السادات المستقبلية التى تؤكد انقلاب السادات على النهج السياسي لعبد الناصر، كما تكشف نواياه بالنسبة لأقطاب مجموعة مايو أنفسهم، فليست سياسات عبد الناصر فقط هى التى تواجه التهديد، بل هم أيضا يواجهون خطر فقدان رؤوسهم ومناصبهم، ولكن رغم علمهم المسبق بنوايا السادات، لم يتحركوا إلا عقب قرار الرئيس السادات فى 13 مايو 1971 بإقالة السيد / شعراوى جمعة من منصبه، وجاء تحركهم فى صورة تقديم استقالة جماعية للسادات الذى قبل استقالاتهم ثم أمر بالقبض عليهم، وحاكمهم بتهمة محاولة الانقلاب على الشرعية!!.

الفارق بين مجموعة مايو وبين الأستاذ هيكل، ان علم هيكل بنوايا السادات كان أسبق منهم بما يقرب من 5 أشهر، وان هيكل ظل مع السادات حتى قرر السادات التخلص منه، بينما مجموعة مايو سمعوا نوايا السادات بأذانهم قبيل اطاحته بهم بأربع أيام، ورغم امتلاكهم لكل أدوات ووسائل السلطة، قرروا الاستقالة والاستسلام أمام انقلاب السادات.

تثير تلك الشهادات للأستاذ هيكل عن أحداث مايو 1971، العديد من الأسئلة عن سر انحيازه للرئيس السادات خلال الصراع على السلطة.

الحقيقة ان الأستاذ هيكل كانت لديه خلافات ممتدة وقديمة مع الاتحاد الاشتراكى ومنظمة الشباب منذ عهد عبد الناصر، وقد لعب الأستاذ هيكل دورا خطيرا فى الهجوم على الاتحاد الاشتراكى وإبراز سلبياته والتهوين من شأنه، وبعد وفاة الرئيس عبد الناصر، توجس الأستاذ هيكل من قيام قادة الاتحاد الاشتراكى وعلى رأسهم على صبرى بتصفية حساباتهم معه، وكان ذلك أحد أسباب تحالفه مع الرئيس السادات الذى كان يشاركه نفس الأفكار بخصوص الاتحاد الاشتراكى، كما كانت علاقة الأستاذ هيكل بالفريق أول محمد فوزى سيئة منذ كتابته لمقال " تحية للرجال " فى 12 مارس 1971، والذى أوضح هيكل فيه وجهة نظره حول الصعوبات التى ستواجهها القوات المسلحة المصرية أثناء عملية عبور قناة السويس بما يوحى لقراء المقال أن عملية العبور مستحيلة، وقد أثار مقال هيكل ردود فعل عنيفة داخل القوات المسلحة، ولكى يمتص الفريق فوزى مشاعر غضب القادة العسكريين، قال فى احد اجتماعاته مع كبار القادة: (سيبوا لى هيكل، أنا هتصرف معاه)، ونقل الفريق محمد صادق رئيس الأركان وقائع هذا للاجتماع للأستاذ هيكل بطريقة استفزت هيكل وجعلته يتخوف من نوايا الفريق فوزى ضده.

كذلك كان الأستاذ هيكل يشارك الرئيس السادات نفس الأفكار حول ضرورة تحييد أمريكا، وتحجيم العلاقة مع السوفيت، والمعركة العسكرية المحدودة التى تنتج نتائج سياسية غير محدودة، وبخصوص الديمقراطية كان الأستاذ هيكل هو الذى اعترف أنه أخترع حكاية أن الصراع على السلطة فى مايو 1971، كان صراعاً بين الديمقراطية التى يمثلها الرئيس السادات والديكتاتورية التى يمثلها خصومه، وذلك لكى يضفى مسحة شعبية على الرئيس السادات، ويبرر للشعب أسباب إلقاء كبار قيادات الدولة وأخلص المعاونين للرئيس عبد الناصر فى السجون، بينما كان الرئيس السادات يريد أن يقول للشعب أنه ألقى القبض على رجال عبد الناصر لأنهم أرادوا منعه من لقاء وزير الخارجية الأمريكى وليم روجرز!!.

كان الصراع فى مايو 1971 يدور بين فريقين فى قمة السلطة، الفريق الأول يرى ضرورة الحفاظ على سياسات عبد الناصر داخليا وخارجيا، ويصر على الحل الشامل للصراع العربى الإسرائيلى، والفريق الثانى يرى أنه حان الوقت للتراجع عن سياسات عبد الناصر داخليا وخارجيا، ولا يصر على الحل الشامل للصراع العربى الإسرائيلى، وفى هذا الصراع انتصر الفريق الثانى الذى كان الأستاذ هيكل الرجل الثانى فيه بعد الرئيس السادات.

كان الأستاذ هيكل يعلم مبكراً الخطط المستقبلية للرئيس السادات..

وهى خطط نفذها السادات بالفعل.

لو خرج الأستاذ من دائرة السلطة عقب علمه بنوايا السادات، كان سيصبح متسقاً مع أراءه، ولكنه خاض معركة الانقلاب على سياسات عبد الناصر مع السادات طوال الفترة من 28 ديسمبر 1970 حتى قرر السادات إخراجه من الأهرام فى 1 فبراير 1974، عندما استنفذ أغراضه منه، ولم يعد بحاجة إليه.

لقد تخلص الرئيس السادات من كل معاونيه فى انقلاب مايو..

محمد حسنين هيكل.. محمد احمد صادق.. الليثى ناصف.. محمد عبد السلام الزيات.. محمود فوزى.. عزيز صدقى.

كما فعل مع كل خصومه من رجال عبد الناصر فى مايو 1971 الذين جعلوه رئيسا، وأجلسوه على كرسى جمال عبد الناصر.

بل ولم يسلم الرئيس جمال عبد الناصر ذاته من السادات الذى قاد حملة عاتية لتشويه عهده واغتيال شخصيته معنويا وإلصاق كل الموبقات به.

والأن يتبقى أن نقرأ مقتطفات من كتابات الأستاذ هيكل بعد انتصار الرئيس السادات على خصومه فى قمة السلطة فى أحداث مايو 1971، لكى نلاحظ مدى التناقض بين المكتوب لتمجيد انقلاب السادات وبين الحقيقة التى كان يعلمها الأستاذ هيكل عن حقيقة الانقلاب منذ نهاية عام 1970.

"واستطرد الرئيس أنور السادات:

هل تذكر مرة أخرى تحدثت إليك بالتليفون فى بيتك، وأنا أعلم أن تليفونك وتليفونى تحت الرقابة، وقلت لك وقصدت أن يسمعوا وأن يعرفوا وأن يتدبروا:

- إن آخر وصية تركها لى جمال عبد الناصر هى قوله مرة قبل رحيله بأسابيع قليلة وكان قوله مفاجأة لم أتوقعها:

أنور... كل ما أخشاه أن يجىء بعدى من يذل هذا الشعب، إن هناك تركيزاً فى السلطة فرضته ظروف الحرب وظروف التطور، وكان أملى بعد بيان 30 مارس أن تتغير الأوضاع..

إننا لسنا أمام بداية جديدة وإنما نحن على طريق الاستمرار - وإلا وجدنا أنفسنا نقع فى شرك ينصبه أعداء الثورة السياسية والثورة الاجتماعية.

إن الاستمرار القادر هو ذلك الذى يستطيع دواماً تصحيح المسار وتجاوز أى انحرافات عليه وتقويم كل اعوجاج.

إن ما حدث فى الأسبوع الماضى ليس أول قصة من نوعها فى تاريخ مصر.

للقصة سوابق فى تاريخ مصر.. حتى منذ قرون، ولقد قلت ذلك لأنور السادات.

قلت له:

لقد رحل فجأة أمير عظيم أعطى وطنه أملاً وكرامة، وبعد رحيله فإن بعض حجاب القصر الذين كانت فى يدهم مفاتيح الأبواب تصوروا لبعض الوقت أنهم ورثته وتصرفوا على هذا الأساس".

من مقال بصراحة بعنوان " ماذا أقول " للأستاذ هيكل بتاريخ 25 مايو 1971.

" كيف نستطيع أن نخلق الظروف التى يمكن أن تحول دون تكرار الكابوس المخيف الذى رزح على كاهل مصر طوال الشهور الأخيرة الماضية، حتى استفاق منه شعبها وقلبه يدق بعنف وأنور السادات يهزه برفق ليقول له:

- لقد سقط سلاطين الظلام، وتبددت أشباح الخوف، ونحن الآن على الطريق، وعلى المسيرة، وأمامنا المعركة، والبناء الاجتماعى والاقتصادى، والأمل، والنصر".

كانت بعد ذلك شجاعة رجل فى موقع المسئولية الأولى تصرف بجرأة نادرة فى لحظات خطر محيق.

ليكن...

وليكن أن مصر هى كنانة الله يحميها من كل سوء.

ولكن السؤال:

- كيف نستطيع نحن أيضاً أن نحمى مصر؟.. كيف تستطيع جماهير مصر أن تحمى مصر باعتبارها صاحبة مصر؟

هذا هو السؤال.

ولقد أجاب عليه أنور السادات بإشارات هامة إلى: بناء الدولة الحديثة، بمؤسساتها السياسية والدستورية والعلمية والفكرية، بسلطة تحالف قوى الشعب العامل، بالحوار المفتوح على أساس كل القيم العظيمة التى تتمثل فى وثائق الثورة الأساسية.. وهى ميثاق سنة 1962 وبيان 30 مارس 1968، وبجهد كل الرجال والنساء والشباب وحتى الأطفال فى هذا الوطن الذى يقف اليوم على الخط الأول لجبهة أمته العربية فى مشهد من المشاهد الحاسمة فى التاريخ.

هذا هو التحدى.. بعد السؤال".

من مقال بصراحة بعنوان " السؤال الأول والأكبر " للأستاذ هيكل بتاريخ 28 مايو 1971.

" لا يستطيع أى مراقب منصف يتابع التطورات الجارية فى هذا الوطن إلا أن يزداد إيماناً بطاقة شعبه وقدرته...

طاقة مدهشة على استيعاب الصدمات وامتصاصها مهما كانت عنيفة ومرة...
وقدرة أكثر مدعاة للدهشة على الاستمرار، وعلى مواصلة المقاومة ضد كل الظروف والتحديات.

وليست هذه صيحة مواطن يذوب فى هوى بلده، ولكنها - وبقدر ما يمكن إنسانياً - محصلة دراسة وتحليل لواقع تجرى حوادثه تحت السمع والبصر.

يكفى فى ذلك أن نعود إلى الأمس وأمس الأول، دون الحاجة لرجوع أبعد من ذلك فى ماضى السنين.

يكفى أن نستذكر تجربة يومى 9 و10 يونيو 1967.

ثم أن نستذكر بعدها تجربة يومى 14 و15 مايو 1971.

- كانت التجربة الأولى فى أعقاب هزيمة مروعة استفاق الوطن بعدها فإذا بجزء من أرضه تحت وطأة الاحتلال، وإذا بباقى هذه الأرض مكشوف تحت رحمة العدوان.

وتحرك شعب مصر بسرعة...

استوعب الصدمة بكل ما فيها من عنف، وامتصها بكل ما احتوت عليه من المرارة، وكان هو الذى فرض الصمود فى ظرف بدا فيه الصمود ضرباً من المعجزات!

- وكانت التجربة الثانية فى جو جهل وظلام أطبق على مصر فجأة فى لحظة حزينة من مساء يوم 28 سبتمبر 1970...

وفى جلال منقطع النظير تقدم الشعب المصرى فأعطى ثقته الشرعية لأنور السادات، تأكيداً لمسيرة جمال عبد الناصر.

لكن مراكز القوى التى قفزت إلى مواقع السلطة فى الفراغ الذى أحدثه غياب جمال عبد الناصر، أرادت أن تصنع لأنور السادات -ولشعب مصر معه- قميصاً من حديد يقيد كل حركة.
وحين رفض أنور السادات قميص الحديد الذى صنع له - ولشعبه - لم يجد نفسه وحيداً، وإنما مرة أخرى تحرك شعب مصر بسرعة.

استوعب الصدمة بكل ما فيها من غلاظة، وامتصها بكل ما تركز فيها من ملوحة...

وأكد أنور السادات حقه الشرعى فى الحركة، وأكد شعب مصر حقه الطبيعى فى الحرية، وكان ذلك ضرورياً فى أيام تحمل على أكفها مسئولية السلام والحرب".

من مقال بصراحة بعنوان " طاقة مدهشة " للأستاذ هيكل بتاريخ 11 يونيو 1971.

" وكنت فى ذلك الوقت 1971 أدعو بشدة فى مقالاتى فى الأهرام، وفى لقاءاتى مع الساسة إلى حاجة مصر إلى العمل على تحييد الولايات المتحدة، باعتبار ذلك ضرورة أساسية للمعركة، وان نحاول اللعب على فجوة بين المصالح الإسرائيلية والأمريكية لدفع أمريكا للضغط على إسرائيل، وان سبيلنا لتحقيق ذلك هو شن حرب محدودة مع استمرار علم السوفيت بنوايانا، وسلاح البترول وتضامن الدول العربية الأخرى".

من كتاب " الطريق إلى رمضان ".. للأستاذ محمد حسنين هيكل.. طبعة دار النهار.. بيروت 1975.

تحييد أمريكا !!.. اللعب على التناقضات بين أمريكا وإسرائيل!!.. الحرب المحدودة !!

نفس الأفكار التى طبقها الرئيس أنور السادات.

كان الأستاذ هيكل عبقرية فذة، لذا استطاع بمهارة عبر معارضته لنظام (السادات-مبارك) بكتبه ومقالاته وأحاديثه التليفزيونية، أن يحول استغناء الرئيس السادات عن خدماته إلى بطولة تحسب له، وأن يطمس حقيقة دوره فى التنظير للانقلاب على نظام جمال عبد الناصر وشرعنة النظام النقيض لكل ما يمثله عبد الناصر.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى