الخميس ٢٠ حزيران (يونيو) ٢٠١٩
بقلم كفاح الزهاوي

لقاء القمر


في غمرة التلهف للقاء القمر بعد أن غاب عن الظهور دهراً من المحن. يتصاعد شوقي متناغما مع القلق كلما تسربت خطوط ضوء القمر عبر تناثر الغيوم المتفرقة في سماء عاتية نحو تلك الحدود المسيجة بأسوار الشجن تصبح الصورة واضحة المعالم في دجى الليل. كنت أشعر بأن حياتي قد ابتدأت وان ذكرياتي المدفونة والمتحررة من قيود الخوف قد أُحيّت وصعد عطرها الى عالم الشغف و رياحين الأمل . ما إنْ تلاشت كابوس الظلام حتى باتت جذوة الحياة تلتقط أنفاسها و ترسل بدفئها رسائل السكينة بعد أن كانت على وشك الانطفاء . بدأت بوادر رياح الفرح تهب عليَّ . لحظات توحي بالهدوء والاسترخاء و يتناهى إلى السمع احيانا صفير الريح يخترق الطرقات المتعبة و ينساب بين الأشجار الصامتة ويحسس أغصانها فتسمع حفيف أوراق الشجر القادم من براثن الظلام فتهتز بفعل هذه الزوبعة و تسقط إحداها هاوية لتستوطن مثواها الأخير. كنت اتخيل نفسي وسط زحمة الطيور المتألفة في احدى ساحات روما وهي تتظاهر حولي وتلتقط الحبوب المتجمعة في باطن كف يديَّ. ونسيم ندي يلمس بشرة خدي ليترك لمسات حمراء هادئة خلفه. كانت الليلة حزينة بعد أن كانت سماؤها ترفل بكل النجوم الساطعة وتمتعت بهدوئها المعهود. السعادة الحقيقية تكمن في غسل الذات من آلام الضمير وان تشعر بقيمة ما تقدمه من إبداعات نابعة من أعماق وجدانك. أن تبقى حرا طليقا دون قيود. تتسارع الخطى نحو الشواطيء البعيدة المغطاة بالرمال الساخنة وقد خفت حرارتها وقت الغروب حيث منبع الراحة والتأمل . ما اجمل وجه الحياة عندما تنطلق اعاصير النظر نحو الأفق البعيد لترى مركب الصيد وهو يبحر باتجاه الشمس الهائمة في وداعها اليومي وتختبئ لبرهة في قاع البحر، فتلتقي الغسق والبحر في عناق احمر لتغطي زرقة السماء قبل أن تهبط الظلمة بثقلها على أنفاس الطبيعة .هناك اشياء كثيرة تعني لنا الكثير مهما ابتعدنا عنها فهي راسخة في جذورنا بكل تفاصيلها، لا تمحيها رغوات الأمواج الهائجة. فهي تشكل أفق الحياة لأنها متماسكة و متفقة لطموحاتنا . الدمار الوقتي لايعني اليأس والاحباط وانما هي مرحلة تعيسة في نهر الحياة . لا نجعل من الزمن الخطر المحدق يكتم الانفاس ,فالخط الفاصل بين اليأس والأمل ليس سوى جدار شفاف يمر عبره شاحنات الاصرار وقوة الارادة والصمود الحتمي أمام المطبات. أن لا نجعل من ايامنا اقنعة مرعبة توسع دائرة اليأس ونترك القارب وسط إعصار هوجاء ونغمض عيوننا عن راسية الميناء الهادئ. فالحياة ليست سوى مرآة تعكس مواقفنا وسير أدوارنا، أن نتمسك بمضامين الحياة وأن لا نفرط أبجدياتها، لأن التخلف عن ركابها تعني التفريط بالزمن وزواله، نعم نحن البشر نسعى بقدراتنا وادراكنا الحسي الى رسم لوحة الحياة لكي نرى القمر يتبختر بنوره وسط النجوم المنتشرة بأضوائها المتلألئة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى