الثلاثاء ١٥ حزيران (يونيو) ٢٠١٠
بقلم رابح خدوســي

تذكرة إلى كأس الألم

توضيح:

(ما أشبه اليوم بالبارحة..... منذ ثلاثة عقود تقربيا كتبت هذه القصة في أجواء نهائيات كأس العالم في كرة القدم بإسبانيا، واليوم أنظارنا صوب جنوب إفريقيا متجهة، وأهل الثقافة صاروا بعضا من جمهور الرياضة.... هذه تذكرة مهداة للراغبين في العودة إلى رحاب الوعي الحضاري بعيدا عن التهييج و التهريج.)

القصة:

رغم كل شيء، رغم ما حدث فالحياة تسير بانتظام، كأن شيئا لم يقع على وجه هذه الأرض، الربيع يعقب الشتاء كما ألفناه وأزهاره المختلفة الألوان تموت عند مقدم الصيف.

الناس تأوون إلى بيوتهم كما يأوي النمل ويختبئ في مغارته، كلّما هبّت الريح الحبلى بالسحب، ينتظر ابتسامة سليمان وجنوده...

ذات مرّة نشرت جريدة خبرا يقول إن سمكا ملونا سقط من السماء أثناء عاصفة هوجاء مرّت على بلد أروبي، وذكرت أيضا أن كتلا من اللحم هوت من السماء على أرض لبنان، فشبعت القطط الحمراء من الحمائم البيضاء لحما ودما وو....وهزّني الخبر، فوجدت نفسي أسرع الخطى إلى مدرّسي أسأله تفسيرا لذلك:

هل حقيقة توجد دواب تعيش في السماء؟!

نهرني مدرسي بلطف غامض:

اهتم بدروسك ولا شأن لك بما في الأرض أو في السماء أيها النجيب الأحمق.
دفنت ذلك السؤال في أعماقي، لكن ذاكرتي كانت تبعثه كلما مرّ على مسمعي اسم لبنان أو اسم ذلك البلد الأروبي، فأحاول أن أقارن ما ذكرته تلك الجريدة بالمقولة الشهيرة للفاروق"إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة".

طوّقتني الحيرة بأفكارها المتناقضة حتى كدت أجني على أعصابي المرهفة بداء لم يصب به أحد من قبل...

قطع النزيل معي في الغرفة بالفندق حبل تفكيري قائلا وكأنه أدرك مايجول بخاطري:

لا ترهق نفسك بالتذكر والحديث عن متاهات الماضي.

فرأيت أن أحاوره لانتشل تفكيري من بحيرة الهواجس والوساوس، قلت له:

قد لا أوافقك إلى حد ما، سيما إذا كنت تعرف مبادئ النحو، فالماضي فعل مبني على الفتح غالبا، و فتح الماضي وتصفح سجلاته يعيد الثقة لنفسي.

حتى إذا كان أسود، وجذوره ميّتة؟!

الأشجار تموت واقفة مهما امتدت جذورها، والجذور الجافة تصلح للزينة عادة...
قاطعني مستفسرا:

هل بقي من ماضينا ما يزيّن حاضرنا؟

قلت له مستفسرا:

لم يستوعب فكري قصدك، أرجو التوضيح أكثر.

أجابني بعد صمت قليل بزفرة طويلة، صدرت عنه، سكت بعدها هنيهة ثم قال موضحا:

ليس لنا حاضر كي نزينه رغم أننا نملك الصحاري والجواري...(إن الزمان الذي كان بالأمس يضحكنا صار اليوم يبكينا)، هل قرأت ما قالته الألمانية (هونكا) عن شمسنا التي سطعت على أروبا؟!.

لكن ما السّر في ذلك؟

الجواب واضح جدا، أننا فقدنا أدوات التزيين.

قلت له مازحا:

دع عنك الوصف فلو سمعتك فتيات إسبانيا لقلن أنه بائع (ماكياج).
رد في هدوء:

هن لسن في حاجة إلى ما تسميه (ماكياج) يكفيهن حسنا الدم الأندلسي الساري في أوصالهن.

انه نفس الشعور الذي يساورني، إن الكثير من السكان هنا ينتمون إلى شجرة أجدادنا، أليس كذلك؟

لا أستطيع الإجابة عن استفسارك، لأن طارق بن زياد لم يترك لنا بطاقة تعريف...
قاطعني للمرة الثالثة:

ربما نسيها في إحدى سفن جنده، فاحترقت عندما أضرم النار في مراكبه.
لا،لا يا عزيزي، لو تجولت في مدينة غرناطة لرأيت ألف بطاقة لطارق.
لا تجعلني أقف باكيا من ذكرى حبيب ومنزل وقل لي: ما اسمك؟
اسمي رشيد.

تشرفنا.
.........................

كان رشيد في نهاية العقد الثالث من العمر، بعد أيام وبضعة شهور سيتم الثلاثين من العمر، كثير التفكير والتأمل، أنهى دراسته الجامعية عند عتبة الماجستير في الحقوق، رغم الظروف القاسية التي تعرضت دربه، تحدى الخوف بكل أنواعه، سقط عدة مرات لكنه لم ينهزم، يقوم من السقوط وهو أكثر عزيمة وإيمانا بأن الحياة لا تعني الأكل والشرب والنوم فقط بل إنها شيء أهم من ذلك ،وراح يبحث جاهدا عن هذا الشيء الأهم الذي يعيش من أجله...

حلّ بأسبانيا ونزل فندقا متواضعا في الجزء الشرقي من العاصمة، لم يجد به سوى غرفة ذات أربعة أسرة، احتجز إحداها ليستريح من عناء السفر، قائلا في نفسه:

صباح الغد أطلب من صاحب الفندق تخصيص غرفة لي وحدي ،تحتوي على سرير واحد فقط.

سرح بتفكيره مليا يتأمل الغرفة الواسعة ذات الجدران الزرقاء والنوافذ البنيّة، تعلّق بصره بلوحة جميلة كانت مثبتة في الجدار المواجه لسرير، شعر بالراحة تسري في رئتيه وهو يتأمل الحديقة المرسومة في اللوحة، وكأنه يستنشق عبير ورودها.

................................

- ألا يُستحب التعارف بيننا، ونحن تحت سقف واحد؟!

ردّ عليه رشيد وبصره مركز على اللوحة:

- المريض والضيف وعابر السبيل لا يسألون عن بطاقة تعريفهم، وأنت كالضيف نزلت الغرفة، فلم تطاوعني نفسي لأسألك.

- الترفع عن الفضولية من شيم الأباة.

- قولك صائب لكن في غير هذا الزمان.

- الاسم مفتاح ذهبي للدخول إلى نفسية أي كائن، أو ما رأيك رشيد؟

ليس لي رأي غير الرغبة في الاستراحة الآن.
استسلم رشيد لسلطان الكرى الذي راود أهدابه الذابلة، بينما فتح الآخر حقيبة أخرج منها مذكرة وقلما وبدأ يكتب بخط رقيق جدا كلمات لا يريد أن يقرأها غيره.

............................

تسلّلت أشعة الشمس عبر شقوق النوافذ مخترقة الستائر في خيوط ذهبية سحرية دغدغت أهداب رشيد ففتح عينيه على اللوحة بقصرها وحديقته الغناء،، فرّك عينيه وقام من فراشه صوب اللوحة يبحث عن إمضاء راسمها، فلم يجد له أثرا، قال في نفسه:

على كل حال فان هذا الرسام لا ينتمي إلى مدرسة بيكاسو،،،
التفت إلى فراش النزيل الذي حدّثه ليلة البارحة، فلم يجده.

استرعت انتباهه وريقة صغيرة على الفراش فتلمسها وشرع في قراءتها:

اسمي جعفر....(إن عز في الدنيا اللقاء ففي يوم الحشر نلقاكم ويكفينا)إلى اللقاء...
ابتسم رشيد في غبطة سرعان ما تحولت إلى حيرة:

من يكون جعفر هذا؟! إنه شخص غريب الأطوار حقا!! (بدأ يتذكر) نعم، لقد رأيته على الطائرة التي أقلتني مع المسافرين إلى هذا البلد.
...........................

صباح الخير سيدي.

عمت صباحا.

هل كان نومك مريحا؟ ألا تشعر بالبرودة في هذا الشهر الغاضب؟

سأل صاحب الفندق ويداه على المحول الهاتفي تحرك مفاتيحه في لباقة ومهارة.

ردّ عليه رشيد في هدوء:

إنه ليس غضبا فحسب بل ثورة يفجرها نوفمبر في الطبيعة كل عام،ومع ذلك فإن عواصفه تبعث موسيقى يستلذها النائمون.

رفع صاحب الفندق رأسه المشتعل شيبا وقال لرشيد:

يسّرني أن أراك تتحدث لغتنا بطلاقة، هل عشت كثيرا في أسبانيا؟

ليلة واحدة فقط (ثم أردف رشيد قائلا في نفسه بحسرة مكبوتة):

- أنا هنا من القرن الثامن الميلادي.

..........................

من المرافق التي كان يتردد عليها نزلاء الفندق نادي الموسيقى ،الذي تقدّم فيه وجبة الفطور الصباحية.

وفيه جلس رشيد في زاوية يتناول فطوره بينما جلست في الطاولة المقابلة له عائلة أسبانية تتكون من الأب وزوجته وابن لا يتجاوز العاشرة من العمر.

انهمك الأب في تصفح جريدة الصباح، بينما طلبت الزوجة سماع موسيقى معينة، وأنشغل الطفل بحلّ الكلمات المتقاطعة في دفتر صغير.

أنسابت موسيقى (الفلامنكو) في مسمعي رشيد وحرّكت أوتار قلبه، فشعر بعاطفة جياشة تحمله لتنفيذ وصية أمه التي تركها في بلدته تسعى في تنظيف مدرجات العمارة للحصول على لقمة العيش:

- أخوك علي، الطفل الذي عرفت به معنى العاطفة السامية لأول مرة، يعجز اللسان عن وصف أمومة الابن البكر.،،،(وتضيف الأم التاعسة قائلة):

لقد وّعته على باب باخرة أسبانيا، أبحث عنه يا رشيد هناك ستجده،، إني في انتظاركما.
توقف عن تناول الحليب والفطائر وصار يحوم ببصره حول العائلة الجالسة قبالته، يختلس بنظرات متتالية بعض الصور من ملامحهم قائلا في نفسه:

ليس غريبا أن يكون هذا الرجل هو أخي علي، الذي جاء إلى هنا وعمري خمسة أعوام،
نظر صوبهم جيدا، كانوا محلقين في جو التأمل، كل في عالمه، فخشي أن يزعجهم بسؤاله وهو نفسه لم يجد صيغة للسؤال يمكن أن تبرّر موقفه أمامهم (قال في نفسه):

قد تكون تلك المرأة زوجته اقترن بها هنا فأنجبا هذا الطفل الوسيم، هل يعرف نطق كلمة عمّي؟!

مرّ به صاحب الفندق سائلا:

هل تقيم هنا ليلة لأخرى ياسيدي؟

أجابه رشيد دون تردد:

نعم، نعم وفي غرفة لوحدي من فضلك؟

قال صاحب الفندق متصنعا التأسف:

الغرف ذات السرير الواحد محجوزة طوال السنة.
....................

كتب جعفر في برقية عاجلة إلى رئيسه بأرض الوطن:

(رشيد يحتك بعائلة أجنبية..زار في يومه الأول سفارة أجنبية وفي اليوم الثاني إحدى الجامعات وفي اليوم الثالث رحل إلى أقصى الجنوب ودخل إذاعة (ملاقا)...اتصالات مشبوهة لا يمكن حصرها....انتهى).

السماء عبوسة تطل على الأرض بثوب أسود نسجه المحيط الأطلسي، الذي يطلق من حين لآخر زفرات باردة ترتعش لها الأبدان، بينما كانت الأرض في شغل عن ذلك كله، الوديان تسبح والوهاد والسفوح توسد في اختيال الجبال التي كانت تستعد لتلبس أعلى قممها التاج الأبيض من الثلج. الشوارع تكاد تخلو من المارة في كنف النهار عدا بعض الأماكن العمومية بروادها حيث يتجمعون ويتبادلون الآراء حول مواضيع شتى، وبعضهم يتوجه إلى ميدان مصارعة الثيران لقضاء أوقات مسلية بعد الزوال، يستمدون منها راحة النفس التي أعياها عناء الحياة اليومية المعقّدة، كما يستمدون من المشاهد المثيرة للمصارع وهو يغامر بنفسه من وراء حجاب أحمر يثير صبر الثيران، حرارة وجدانية تتحدى البرد الشديد، الذي ينتظر عناقهم خارج المحلات العمومية وميادين التسلية واللهو.

أسبوع بارد ونفسية مضطربة تعيش في غربة بعد أن تعوّدت على الإخوان والخلان،،

هل يبحث رشيد عن جعفر ليؤنسه، لكن ما يدريه لعلّه ترك هذه المدينة ،وسافر إلى مدينة أخرى.

تذكّر ما قاله جعفر في الغرفة:

(أبناء عمومتك من الأعراب يتخلصون من جلدتهم في أول يوم يجدون فيه أنفسهم في الخارج...

ماذا تعني؟

ويقهقه جعفر:

حذار أن تقع في الشباك الذي يستولي على دراهمك،،،،، بل يصطاد صحتك بمرض (السيدا)

لكن هذا المرض لم يصب أثرياء وأمراء وطننا الكبير رغم أنهم ينامون في مخادع(موناكو)و(بالما) أكثر من نومهم في فراش بيوتهم....

السبب أن المخادع هناك معقمة وروادها محترفون،،، والأمر هنا غير الأمر هناك...))

في تقوى المؤمن ورهبانية القديس كان رشيد ينفر منهن نفورا شديدا ،كأنه يبحث عن ظل في يوم لا ظل فيه لغير الرحمان...

الشعور بالقيء ينتابه كلما صادفته رائحة الفجور الممزوجة برائحة الخمر التي تفوح منهن إلى مسافة بعيدة،، فتثير في نفسه الاشمئزاز.

قال في نفسه:

- على شواطئ هذه البلاد أحرقت تذاكري كما أحرق طارق سفنه، في هذه الديار سكن أجدادي قرونا وأبحث اليوم عن غرفة تأويني فلا أعثر عليها... لا بد أن أقيم مع الآخرين، من أي جنس، هكذا تريد الحياة، الغربة في كل زمان، و مكان، في غرناطة وخيخون، ما أشبه الأمس باليوم...أين المفر الألمان أمامكم والنمسا وراءكم والكرة بينكم.. ؟

التفت رشيد خلفه على حين غرة فرأى في لمح البصر شخصا بعيدا كان يرقبه، وقف ليلتفت مرة ثانية ثم يتأمل ذلك الشخص الذي صار يتبعه...

انه ذلك الشاب؟ نعم، جعفر،

حاول جعفر أن يفلت من نظرات رشيد التي كانت تحاصره لكن أعمدة القصر المتراصفة حالت دون ذلك فأكمل سيره في اتجاه رشيد الذي وقف ينتظره، إلى أن وصل:

أنت هنا؟!

السلام والرحمة يا جعفر.

صدفة عجيبة!

بل قل خطة عجيبة أن نلتقي هنا بعد فراق في مدريد.

هيا لنشرب كأسا نخب لقائنا.

ذلك ما يفعله....، أما نحن فلم نتعرف على بعضنا بعد.

قال جعفر وهو يقود رشيد إلى موزع المشروبات:

أما أنا فأعرفك جيدا

أنتاب رشيد شيء من القلق والحيرة في أمر هذا الشاب الذي يتبعه كظله، فقال في نفسه:

- انه يسجل تحركاتي ولا شك، يجب أن أصارحه في الأمر ليريح نفسه من عناء الترصد والمراقبة،،

وقال لجعفر:

إن اسمك يذكرني بوزير لهارون الرشيد.

جعفر البرمكي، لا تخش علي مهما كانت نهايتي فلن تبلغ مستوى مأساته.
قال رشيد في نفسه:

"يا له من ذكي" (ثم قال له): لماذا؟

أجاب جعفر مبتسما:

لست طامعا في حكم أو في وصال...ثانية، فالقصر مملوء بالجواري كما ترى..
أجاب رشيد في كلمات مملوءة بالحسرة:

ذكر الجواري، تزييف حشره المغالطون في تاريخنا المشرق.

أنت درست الحقوق أما التاريخ فله من يختص به.

قال له رشيد:

فعلا، انك تعرف عني أشياء كثيرة!!

ألم أقل لك؟

لكن عندما يريد المرء أن ينبش قبور الذاكرة فليحافظ على رميم العظام.

ماذا تعني يا رشيد؟!

هارون الرشيد كان يحج عاما ويغزو عاما آخر.. ولم تشغله الجواري والقيان التي أضافتها الأقلام الغازية إلى أيامه الذهبية، ثم ألا ترى أن حكامنا اليوم يحجون إلى موسكو واشنطن عاما ويسفكون دم إخوانهم عاما آخر؟!، أتمنى أن تكتب هذا الكلام في مذكرتك يا جعفر.

وضع جعفر قلمه في جيبه بعدما أخرجه ليرسم به بعض معالم قصر الحمراء:

كلامك خطير يا رشيد!

ماذا تقصد؟

أنت خطر، أفكارك...

قاطعه رشيد في غضب ممزوج بالسخرية وقد أيقن أن جعفر من رجال المخابرات:

إذن أكتب أيضا: هذا الحيوان الناطق خطر، استعملوا المبيد المناسب له كما هو الحال مع الحشرات والفئران.

وراح جعفر يستنطقه بطريقة غير مباشرة:

كلامك غريب يا رشيد.

أليس غريبا أن نقتل النحل في الأزهار، أن نغتال الأمل في الأفكار...؟!!

طلب جعفر فنجان قهوة فجاء به النادل في الحين، حمله إلى شفتيه وأحتسى جرعة منه ثم قال لرشيد:

إني أستعين بجرعات القهوة لأنشط أعصابي كي تستوعب كلامك (ثم أردف بعد حين) ومع ذلك فإنها عجزت عن تفسير كلامك.

وقف رشيد كأنه يريد الانصراف ثم استدرك قائلا:

ولو شربت بحرا من القهوة لما وجدت له تفسيرا، ما دامت أفكارك مقيدة.

تساءل جعفر في شيء من الاضطراب:

من يقيدها؟!

السلطة التي تعبدها، التي تأمرك فتطيع دون مناقشة.

قال جعفر وقد عاد إليه هدوءه:

اجلس لنتفاهم ولا تترك الحماقة تقيّدك.

عاد رشيد إلى مكانه وهو يعدل من هندامه، كان يلبس بذلة رمادية اللون ورباط عنق بني، بينما لفّ جعفر جسمه بمعطف جلدي أسود اللون وسروال في زرقة السماء من نوع (دي لافي).

وأنت أي سلطة تعبدها؟!

رد رشيد في خشوع وسكينة:

إن حياتي ملك لخالقها، إنها زيتونة لا شرقية ولا غربية.

مرّت لحظات صمت وتأمل، كان كل منهما يستنطق

ملامح الآخر، ثم أردف رشيد قائلا:

هل يشرفك أن تحمل على جسمك اسم (تل أفيف) وأنت تنطق لغة القرآن؟
ماذا تعني؟

اسم سروالك!

ضحك جعفر ضحكات متتالية ثم صفق بيديه، استغرب رشيد هذا الرد من جعفر، ولقد كان يظن أنه يقوم في الحين يشتري سروالا جديدا يلبسه بعد أن يلقي بالأول بعيدا، ثم قال في كلام خافت:

- صدقت يا شيخ محفوظ، شباب ضائع في متاهات الغزو الفكري بلا شعور أو..........

قاطعه جعفر وقد خطف سمعه شيئا مما كان يقول:

- لكن الشيخ الغزالي رفع الالتباس حول هذه النقطة.

- كيف؟

- قال: إن المواد المصنوعة في العالم: تعتبر علما لا وطن له.

قال رشيد في ابتهاج:

- لقد صدق الداعية، لكن الأسماء لا تنتمي إلى علم الصناعة.

- باغته جعفر قائلا:

- لقد رأيتك تتردّد على الشيخين ناصر وعبد القادر، فما السر في ذلك؟

فوجئ رشيد بهذا الكلام وحاول أن يخفي دهشته وهو يجيب في تلعثم:

- اطمئن لا تخش على منصبك، إنهم رجال دعوة وليس طلاب دولة.

- أنك لم تجب عن سؤالي بعد.

كان رشيد يُتابع حركات يدي جعفر، كأنه يخشى القبض عليه، وفي الحين تذكر أشياء كثيرة فاستحضر عظمة الله وخشيته وقال في جد صادق:

- السرّ الوحيد هو أن المذكرين يتكلمان من نورالله وليسو كالبعض من زملائهم الذين يساهمون في تخدير الأمة إلى حد كبير...

صمت الاثنان بعد اقتراب فريق الجوق الموسيقي الذي كان يحوم حول الجالسين جماعات جماعات، يحمل بعض أفراده آلات موسيقية بأنغام شتى من موسيقى (الفلامنكو) ويخاطبون رواد القصر بأغانيهم الرقيقة الكلمات، القوية المعاني،، الكلمات العاطفية الحساسة التي تثير في نفوس الحاضرين بهجة هذا القصر، عندما كان الأندلس كالحديقة الغناء الحافلة بالأزهار التي ترسل شذى رائحتها الزكية في كل الاتجاهات، فيشمّ سكان ضفة المحيط الهادي نسيم المحيط الأطلسي المصحوب بروائح الأندلس الحضارية. كانت الفرقة الموسيقية تعيد بألحانها ذلك الماضي في صورة حزينة فتخفق أفئدة الحاضرين وتمتد أيديهم إلى جيوبهم لتخرج قطعا نقدية تقدمها لأعضاء الفرقة تشجيعا وطلبا المزيد من الألحان العذبة والكلمات الشفافة.

- إن حيرتك تثير الريب يا رشيد.

قال وعيناه معلقتان على التمثال الذي يخرج منه الماء:

- إنما يحيرني أنك تتبعني كالظل.

قال جعفر معلقا:

وهزلك يثير الجد أيضا.

غادرت فرقة الموسيقى المكان فشيعها الاثنان بنظرات تحمل معان كثيرة ثم قاما في الحين يسيران في اتجاه المدينة الجديدة، مكثا مع بعضهما ثلاثة أيام كل منهما يترصد خطوات الآخر ويحاول أن يجد مبررا لتصرفات وأقوال رفيقه.

اجتمعا مرة على مائدة العشاء فقال رشيد بعدما فرغا من الأكل:

- رأيتك تزور المقابر، هل لك أقارب في الديار؟

أجاب جعفر في حسرة:

- إذا ضاقت بك الأمور عليك بزيارة القبور.

- هل أنت في ضيق؟

- لا، أبدا لكن هناك ما يقلقني.

- قل وسرك في بئر.

- أخشى العودة دون نتيجة.

قال رشيد ممازحا:

- على كل إن رحلتك لم تكن إلى الفضاء، إنها لم تكلّفك إلاّ قليلا (ثم أردف مستدركا وقد ارتاب في الأمر، ظانا أن النتيجة التي يريدها جعفر هي القبض عليه).

إذا كنت تريد شيئا مني فأنا أمامك، اقبض واسترح.
ابتسم جعفر وغنى في صوت متواصل كلمات من موشح: "قم ترى براعم اللوز..."

توقف عن الغناء وتوجه بعدئذ نحو رشيد:

اطمئن، فاني أبحث عن شخص غادر الدنيا (قال وهو يخرج وثيقة) انظر ماذا ترى فيها، اقرأ المهمة التي كلفت بها.
تأملها رشيد قائلا:

سبحان الله، كلنا في مجال البحث ساع!!
على من تبحث أنت؟
عن أخي علي، وأنت ما اسم فقيدك؟
قال جعفر مجيبا في تفاؤل:

وأنا أبحث عن قبر شهيد يدعى الضابط سي
مصطفى استشهد أثناء القيام بمهمة في هذه الديار.

رحم الله الشهداء.
فلنتعاون يا رشيد.
كيف ذلك وأحدنا يبحث في المقابر والآخر يفتش عن أخيه في وجوه الأحياء.
الشهداء ليسوا أمواتا.
"بل أحياء عند ربهم يرزقون".
اتفق الاثنان في البحث عن المفقودين، دون أن يسألا بعضهما عن قصة كل مفقود، ثم حدّدا مكانا للقاء بعد أسبوعين وبدأ رشيد في تنقلاته من مدينة إلى أخرى يبحث في الدفاتر والسجلات بدور البلديات ويتفرس قوائم العمال ووجوههم بالمعامل والشركات علّه يعثر على أخيه علي أو من يدله عليه.

وكان جعفر يتنقل بين مقابر غرناطة واشبيلية وقرطبة وغيرها من المدن يبحث في سجلات الوفيات وفي الأسماء المكتوبة على شواهد قبور المسلمين.

التقى ببعضهما بعد أسبوعين في المكان المحدد بقصر الحمراء ولم يعثرا على أثر أو يجدا رأس خيط يمكنهما من الوصل إلى أحد المفقودين، اتهم كل واحد منهم الآخر بالتقصير في البحث عن ضالته ثم أقسما يمينا بأنهما يبحثان عن المفقودين معا في كل مكان يمران به، قال جعفر قبل أن يفترقا لكتابة الرسائل إلى الأهل.

لقد وعدني رئيسي برحلة لحضور المونديال، في بلاد العجائب إن وجدت رفاة الشهيد.
قال رشيد في أسف لما سمع ذلك لقد سبقك إليها (كولومبس). هيا دعنا من المغريات ومن كأس العالم وحدثني عن كأس الألم وجولتك بين قبور الموتى.

لقد كانت دهشتي كبيرة وأنا أشاهد قبور العظماء، أبطالا وعلماء أسهموا في الحضارة الإسلامية، و آلاف القبور لمسلمي الأندلس، نعم إنها أيام خلت بعزها ومجدها ولله در الشاعر الذي قال:
"خفف الوطء فما أظن أديم**الأرض إلا من هذه الأجساد".

لقد كانت جولتي مثيرة بين أطلال الأجداد، وكيف كانت جولتك؟

أجاب رشيد في شيء من الاعتزاز حتى امتلأت عيناه بفيض من دمعها:

- رغم أني لم أعثر على أخي فإنني وجدت إخوانا كثيرين في الأسماء والصفات، وفي الدماء التي تسري في أوصالهم ورغم أنهم يتنفسون هواء هذا البلد ويحملون جنسيته وينطقون لغته فانك تقرأ في ملامحهم آيات الاغتراب والحنين إلى الأصالة.

حان وقت الغذاء فاتجه الاثنان بطلب من رشيد إلى أقرب مطعم، بعد الانتهاء قال:

يؤسفني أن أعود خائبا وقد وعدت أمي بالعودة مع أخي علي مهما كان الأمر.
ستعفو عنك، قلب الأم مسامح، يا ليت قلب رئيسي كقلبها، إذا لم أعد بأخبار الشهيد، سأحرم من حضور ألعاب كأس العالم.
دفع رشيد ثمن الأكل وخرجا يتفسحان قرب القصر، راقتهما الحديقة الواسعة ذات الأرض المعشوشبة والأشجار المثمرة وأخذ حديثهما يتشعب في كل اتجاه تشعب السواقي الرقراقة بمياهها بين الأعشاب ومن حين لآخر يسكتون للتمتع بزقزقة العصافير التي كانت تسبّح للرحمان وتحمده على هذا النعيم.

قال جعفر معترفا لرشيد:

كنا نظن أنك تبحث عن....(صمت قليلا فاستعجله رشيد في مواصلة الحديث) فاستأنف جعفر:
اعتقدنا أنك مسافر لمبايعة خليفة هنا، فكلّفت بمراقبتك في الأسبوع الأول من قدومك.
قال رشيد في ابتسام:

سامحكم الله(ثم استدرك قائلا) ليتنا نجد من نبايعه قبل أن نندثر ونصبح في خبر كان كقوم عاد وثمود. (وأردف بعد صمت حزين):

- كم لك من مهمة في هذه البلاد؟!

كان جعفر منشغلا عنه في تأمل كتابات على باب قديم متآكل:

يبدو أنه باب مقبرة.
اقتربا منه، فتأكدا من ذلك دخلا بعد إزاحة الباب بصعوبة:

السلام عليكم، أنتم السابقون ونحن اللاحقون.
فتش معي يا رشيد، كفانا من الشعر فقد ارتوينا، حفظنا القوافي جهارا فنسينا.

طاف جعفر ورشيد بين القبور ينزعان الحشائش عن أحجارها وبناءاتها الرخامية المزخرفة بنقوش تعود إلى أيام عبد الرحمان... الداخل، تبدى الفن المعماري الإسلامي في أروع صوره المتقنة.

سأذهب اليوم إلى دار الإذاعة وإلى مقرات الصحف لنشر بلاغ للبحث عن أخي علي، هذه آخر فكرة يتغذى منها أملي في لقائه.
خمسة وعشرون سنة ونيف مرت على غيابه؟!
ألا ترى بأنه يكون قد سافر إلى بلدان أخرى؟ على كل سأرافقك إلى وسائل الإعلام.
ماذا أقول لأمي التي تنتظر في شوق ملتهب على أحر من الجمر.
أنظر يا رشيد هناك، تأمل جيدا، نعم إنه رسم نجمة وهلال على بناء ذلك القبر، يا رب وليكن قبر الشهيد الذي أبحث عنه، هيا نقترب منه.

استقبلهم بردائه الأخضر الذي لبسته التربة الثرية بقطرات الندى، يظهر منه كومة مرتفعة من التراب مغطاة بأنواع مختلفة من الحشائش والزهور البرية، كأنها تاج على رأس ملك نائم على سجادة خضراء والأشجار حوله كالحرس الساهرين.

أبعد جعفر ذرات التراب اللاصقة على قالب الرخام الذي كان يحمل كلمات شاهدة على صاحب القبر مع مرور الزمن.

بدأت الحروف تبرز من خلف التراب ثم أصبحت كلمات، فارتعشت الأيدي واضطربت الشفاه وخفقت الأفئدة في ضربات عنيفة متتالية وامتلأت العيون بالدموع!!!

قرأ رشيد وجعفر الحروف في تهجية وتعلثم:

(هنا ينام الشهيد علي الميسراوي المدعو سي مصطفى).

توقفا عن القراءة ينظران إلى بعضهما في بلاهة، لا يصدقان أبصارهما، أعادا القراءة بأعصاب منفعلة وجوارح مرتجفة، قال جعفر:

- هو... انه سي مصطفى الذي أبحث عنه، هل هو أخوك يا رشيد؟.. لم نكن ندري بأن له أهل على قيد الحياة،،

تساءل رشيد في استغراب وبهجة:

هل صحيح يا أمي أن أخي علي شهيد؟
أتشك في ذلك يا رشيد؟
الله أكبر.
لقد قيل لنا بأن عائلة سي مصطفى مزقتها الشظايا...
هنيئا لك الرحلة إلى ....
- ليتها كانت تذكرة إلى الجنة يا رشيد، ما أروع وسام الشهادة.

- لقد غيرتك المواقف يا جعفر.

ضحك جعفر طويلا ثم توقف فجأة:

- أرأيت كيف تسخر منا الأقدار، كنا في اختلاف كبير مع أن تاريخنا واحد وهدفنا واحد.

تعانقا في حرارة لا مثيل لها وهنأ كل منهما الآخر ثم شرعا يفكران في العودة والوحدة تشملهم والأخوة تولد في روحيهما من جديد.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى