الأحد ١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٦
بقلم علاء عبد العزيز سليمان

بالأمس ماتت أختي الصغرى و فرحت

السادة سادة سادتنا....

أفتتح خطابي هذا راجياً لكم دوام الشقاء.

بالأمس ماتت أختي الصغرى و فرحت.

كاتب هذه الرسالة واحدٌ من أهل قريةٍ صغيرةٍ تتوسط قلبَ الدنيا النابض بالألم.

قالوا إن الشحاذ الأعمى مبصر، قالوا أيضاً إنه ليس بشحاذ.

إسم أبي تجدونه لديكم في كشوف الإعانات و في قوائم الممنوعين من السفر، و اسمي تجدونه منقوشاً على حائطٍ هو كل ما بقي من بيت جدي الذي كان.

أحب ابتسامة ابنة الجيران الشابة التي تساعد أمي في رعاية أختي الصغرى المريضة.

ظل أبي يبحث عن رجلٍ طيب يقرضه فلم يجد.

يمر في قريتنا نهران لكنا نصر على شرب الخوف الذي ترسلوه إلينا.

أخفى أبي المال تحت وسادته التي بللها بالدموع.

أحلم في الليل بكم تلقون إلينا بالعون فكرهت الليل. و في الصباح تلقانا الشوارع بوجهها العبوس.

تبولت في فراشي بسببكم.

لا يتلون وجه شوارع قريتنا بالأصباغ إلا حين تمر بها تلك السيارات التي تحمل شاراتكم.

سقط جدي ميتاً بعد يومين من دخول رجالكم قريتنا.

سرق أبي المال من أرملة صديقه.

نتعلم في مدارسنا أن الوطن عزيز و العالم جميل و صداقتكم أجمل ما في هذا العالم، لكني حين أسمع آخر أخبار الدنيا في آخر كل مساء أدرك زيف الدرس و كذب مدارسنا.

أغلق الطبيب الباب في وجه أبي، لوّح له أبي بالنقود فأخذها ثم قال إنكم لم ترسلوا الدواء بعد.

إستجاب الله لدعائي... ماتت أختي قبل أن تكبر و يغتصبها جنودكم مثلما فعلوا مع ابنة الجيران الشابة.

لا أعرف أحداً - ممن أعرف- أسعده الحظ بشيءٍ مما يجود به كرمكم علينا و لذا أستحلفكم بكل ما هو مقدسُ لديكم أن تدَعونا بلا عون.

قبل أن يختم صلاة الفجر كانوا الخمسة بالزي الرسمي يجرون أبي من شعره فوق الأرض و الشحاذ المبصر يقبل أيديهم و يساعدهم في ركلِ أبي.

أعرف أنه لا فائدة، لن أكتب يا أمي هذا الخطاب. لن يقرأوه، و حتى إن فعلوا فلن يتركوا أبي.

إبنة الجيران لم تعد تبتسم. إبنة الجيران لم تعد.

هذه الرسالة أكتبها متخفياً تحت سريري حتى لا تمنعني أمي.

سيتم إعدام أبي ظهر الغد بتهمة سب القادة.

على الأرض بعثر رجالكم ملابس أمي التي احتضنت أبي لمنعه من الحركة بينما رجالنا ينهرون أبي لمنعه من الكلام. كنت أنا أتظاهر باستغراقي في النوم مدركاً أن الوصول إلى حمام الدار أمرٌ مستحيل.

بعدما دفن أختي بكى أبي و سب زمان القوادين. إنفض الناس، لم يبق سوى الشحاذ و الطبيب يربتان على كتف أبي و يتبادلان الابتسام.

صحوت على صوت رجالنا يبلغون أبي إن رجالكم قد جاءوا لمجرد التفتيش.

بساقه اليمنى المبتورة كان من المستحيل على أبي أن يجد عملاً.

و أخيراً سادة سادتنا... تفضلوا بقبول وافر اللعنات.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى