الجمعة ٩ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠١١
بقلم نوزاد جعدان جعدان

خزانة ترابية

إنّها تثلجُ الآن في اسطنبول، كرات الثلج تنبعث من السماء كأنها فقاعات صابونية تنفثها فاه ولد صغير يلهو، يشتد الثلج كلما شعرتْ الأشجار بضعفه، فينزل على رؤوس الأحياء ليبلل شعرهم وعلى السقوف القرميدية لتعتمر المدينة قبعة بيضاء، وعلى رؤوس القبور ليتبلل التراب، لقد توحّل الموت!، الشوارع ما زالت تعج بالمارة فقد اعتادوا على المطر والثلج، البعض يحتفل وآخرون يشحذون والأهم أن الناس في الزقاق الذي أقطنه لا تنام، (تقسيم) [1] امرأة عاقر ثملة لا تنام، أما أنا ما زلت أتقلب و أتضرع من النوم الرحمة، فذاك الخوف الذي ولّّده فيني (نزار الصافي) منذ التقاطي له لأخر صورة لا يتركني.


رافدة السقف تقترب من رأسي وذاك المصباح الأصفر المعلق يهتز ليحولني إلى معتوه، ظلال غريبة تتشكل على الحائط و أصوات تصرخ على آذاني قادمة من الغرفة الثانية كأنها إذاعة مشوشة، هل هي محطة الموت؟!..غريب قصة المذياع ينطفئ ويشتغل من تلقاء نفسه، في البهو الفاصل بين الغرفتين هناك ظلال ترنو من تلك المرآة الحمقاء، كم أكره المرايا!..، صمت طويل يعتريني وصوت القطط في الخارج يؤرقني، ومما يزيد الطين بلة صورة الأشباح البيضاء وهي تنزل من السماء كلوحة للموت بدون إمضاء، أمسيتُ شديد القنوط فأدرتُ آلة التسجيل لأسمع أغنية لأحمد كايا [2] ، ومن حظي التعس انقطعتِ الكهرباء فجلستُ مع صمتي وظلامي وهواجسي حين قدم نزار لأول مرة إلى مكتبي.

كان طويل القامة، جسمه متناسق ووجه نحيل لكنه مرتعش وخائف، أجلسته قربي واحتسينا كوبين من الشاي، وجهه أصفر وعيناه رمشاها طويلان، لا أستطيع نسيان تلك العينين، فيها مشاهد عابرة ولقطات لا تصلها أية آلة تصوير من تلك التي أملكها.

قال لي: إني على حافة الجنون، لم أنم منذ ليالٍ طويلة، الأصوات تعبث في دماغي وقلبي يكاد يتوقف عن الوجيب، أؤكد لك إني أحادثهم، في ذلك اليوم في المقابر تحدثت مع جدي وجدتي كانوا في أبهى صورتيهما، ما هذا الكون الذي يحيط بي، كلما أتصوّر قرب قبر تظهر صورة الضريح ولا أبدو أنا، أرى ظلاماً يسكن في روحنا المظلمة وعقلنا الساكن في عباب السواد، هل أنا موجود يا صديقي؟!..

- طبعاً!..ما هذا الكلام، هدئ من روعك!..في هذه الصورة ستظهر حتماً ، ربما تخطئ في الإضاءة أو زاوية التصوير أو تلبس بذلة داكنة، إنك متعب عليك بالنوم والاسترخاء..

حمّضتُ الفيلم ولم تظهر صورة نزار بل صور للمقابر، سألته: ألم ترَ غير القبور كي تتصور قربها، يا أخي الناس تلتقط صوراً لها في حديقة أو طبيعة أو في قصر، وليس في مكان تفقد الحياة ذاكرتها.

لكزني على كتفي ونظر إلي برموشه التي لا ترف أبدا، نظرته ثابتة كمسرح لا يعرف الستارة -سيتعبك الجمهور - قائلا: في المقابر تجد المدينة الفاضلة الحياة فيها حياة، الطبقات تتلاشى والأموات ما أجملهم بهدوئهم ، وأنت المتطفل عليهم تشاركهم حينما تحلم ويشاركونك حينما تزورهم، أتعلم ربما جدي خرج من قبره الآن وأصبح الآن في الصين وربما أمي في أوربا مَن يدري؟..ربما يخرجون من قبورهم، وهم في مكان بعيد لا تستطيع أن تراهم، لكنهم أحياء ألا تتساءل عن تلك الشخصيات التي تراها عابرة في الشارع أو الحافلة أو القطار ربما خرجوا من قبورهم وهم آباء وأبناء لأشخاص آخرين من بلدان أخرى، هم الأموات الأحياء، إن الحديث عن الموت يلغي الحياة يا صديقي ماذا لو نفينا الموت، لولا النتائج لما فكرنا بالأسباب، أنا أتمنى الموت فقد فشلت في كل شيء، في الحب مغفل فاشل، في الصداقة لم تبقَ لي سوى علبة سجائري صديقة وحيدة تتركني إن لم أملك المال، في العمل فشلت لأني لم أفكر في الطرق الملتوية، بقيت بمبادئي سحقني القدر آه من روحي بحر فقد أضلاعه، لذا صادقت القبور، أردت التصور فرب كل قبر في العالم، تربطني صداقات حميمة مع الموتى أتكلم معهم إنهم حولي وأنا حولهم، هم أحياء أعرف إنك عير موقن بذلك، كل قبر يفتح لي أسرار مغلقة، أفكر كيف عاش هذا الشخص ما كانت آماله، كيف كانت حياته، كيف استيقظ من موته، هل كان عاشقاً أم معشوقاً من الجميلات، أفكر في مارلين مونرو الحسناء ماذا حلّ بها كم كانت آمال الرجال معلقة في مصباحها، كانوا يقفون في طابور طويل ليلقوا نظرة عليها، ما هذا السخف الآن أمست تراباً أمعقول !.. تخيّل لو تظهر الآن ستتبول في سروالك، ما لا يفنى يعيش يا صديقي وحين يضيع كل شيء ستجد الروح طريقها حتماً، هل نقبر آمالنا في الحياة ونحيا في المقابر، أهي مسرح هذه الحياة، نتحرك فيه كالدمى والساكنون في الأسفل يشاهدوننا ويسخرون منا، ترى أي الأضرحة مباركة تلك التي تغزوها الأعشاب أم العارية، أتعلم مرة زرت قبرا لفتاة مقتولة بجريمة شرف، وجدت أجمل أنواع الورد على ضريحها، خمّنتُ أن لها قلباً بكل ألوان الزهور، الروح صافية يفسدها العقل البشري، ما ذنبها كي تقتل، هل الخالق قاتلها لا، هل يحيا الموت بالصلاة وتفنى الحياة باليقين؟!.. آه من الإنسان ذلك السر المحفوظ في خزانة ترابية!..

أومأتُ له بابتسامة ملتوية وشعرت بحديثه ينتقل بين المنطق والجنون، وترعبني جفونه كأنها ملتصقة بعينيه بلاصق من أعلى، شفاهه بالكاد تتحرك والصوت يخرج من لجة الروح، ناولته الصور التي حمضتها ولم يتعجب من عدم ظهوره مبررا لي بتعوده على الأمر فهي ليست المرة الأولى، أمسكتُ آلة التصوير والتقطتُ له صورة بمحاذاة صورة لفيرجينا وولف معلقة في فناء المكتب عندي، وعلى الفور حمضتُ الصورة التي كانت صدمة لي حين بدت فيرجينا وحيدة في الصورة بملامحها الحزينة ووجهها البائس.

بعد زيارته بفترة علمت أنه في مصح عقلي يتعالج وبعد مدة مات بسكتة قلبية، وقد قالتْ لي الممرضة أن نظرته كانت ثابتة بعينين واسعتين تنظران باتجاه النافذة المفتوحة والستائر التي تتراقص عليها الريح، وقد دفنوه قرب قبر أمه و جده في ضاحية المدينة، ترى أين تحوم روحك يا نزار؟!..فكرتُ لماذا لا أذهب و أتصور قرب قبره هل ستظهر صورتي ؟!...

كانت تمطر بغزارة، لبستُ كنزة صوفية سميكة واعتمرت قبعة وانتعلت حذاء طويلا وأخذت مظلتي معي..

كان مطرا مجنوناً ودموع السماء تصدر موسيقى على مظلتي كأنها قرع طبول الموت، لا أعرف لمَ اخترتُ الليل كي أتصور فيه ربما عشقي لهذا الجلباب الأسود والسر الذي يخفيه ليل الدنيا وليل العقل البشري وربما لأنه يذكرني بفتيات حلب بمعطفهم الأسود الطويل..
الليل حالك وأضواء الرصيف تشكل رتلا يتضاءل ليصل لباب المقبرة ، يختتم اللحن هناك، أما باب المقبرة فكان بوابة قديمة حديدية تعزف صريراً مزعجاً، الأشجار تتمايل وتعزف الرياح عليها زفيفاً هادئا، كأنها تنقل الرسائل بهمس خفيف لسر يباح، أسرار الموتى مرعبة، هناك مقاعد فاغرة الأفواه تتعارك عليها الظلال، أشعلت لفافة تبغ وتقدمت، شاهدات القبور تقف كبطاقة تعريف للموتى وكإشارة مرور حمراء لا يجوز تجاوزها، الشاهدات كثيرة وأنا أسير كحافلة بين المارة، كراكب حافلة صرتُ وهو يتأمل المارة وراء زجاج دمه ثقيل، فتشتُ عن ضريح نزار مستعينا بعود الثقاب فادني التدخين هذه المرة، كلما أشعل عود ثقاب تغزوني الظلال ويرعبني الصوت الخارج من الكبريت، وأخيرا رأيت قبر نزار وقفتُ -وأنا المنطلق في أسرار الحياة، منذ طفولتي أبحث عن أسرار الكون- صدرَتْ حركة خفيفة من قبر جار نزار، التفتُ ورائي لم أجد شيئا، العقل الواعي ما زال عندي في أوج حالاته والصور الذهنية التي أراها ربما تخلقها هواجسي في هذا العقل الباطن الساذج.

وضعتُ الكاميرا في وضع التصوير الليلي بفلاش ساطع ثم عيّرتها كي تصورني من تلقاء نفسها قرب قبر نزار، التقطت عدة صور ثم قرأت الفاتحة على قبره وهممتُ للرجوع، توحّلت قدماي وسمعتُ قهقهات و بكاء وصرخات مزعجة، هل أخطأتُ بإزعاجي للموتى الحلوين ذي الأسنان البالية والعظام المفحمة والأكفان الممزقة بأخر الليل الوقت غير مناسب للزيارات،

سمعتُ أصوات أقدام ورائي فحسبتُ أن شخصاً يلاحقني ، أسرعتُ من خطواتي وازداد رعبي إلى أن خرجت من بوابة المقبرة، وصلتُ إلى المنزل وأنرتُ كل أضواء البيت، لم أستطع تحميض الفيلم فأجلته لليوم التالي فغرفة التحميض مظلة، وأنا هارب من ظلامين، في صباح اليوم التالي انتهيت من التحميض ، فرحتُ لأني وجدت صورتي وقبر نزار إذن أنا طبيعي، وكاد أن يغمى علي حين وجدت شخصاً يقف ورائي في كل الصور، بطول نزار وعرضه ونفس ملامح وجهه لكن البياض عليه أكثف من ضوء آلة تصويري.

ما زال الثلج يهطل في اسطنبول والكهرباء مقطوعة وغرفتي تكبر فيها الظلال، ووجه نزار يرسو أمامي في الغرفة برموشه الطويلة وجفونه الثابتة كما رنا في أخر صورة صوّرته إياها.


[1تقسيم اسم منطقة في اسطنبول

[2أحمد كايا مطرب تركي عانى من مرارة السجون فمات شابا


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى