الخميس ١ أيار (مايو) ٢٠٠٣
بقلم عادل سالم

المعتقلون السياسيون في السجون الاسرائيلية

الحلقة الاولى

الاعتقال ليس الأسلوب الوحيد الذي تستخدمه السلطات الإسرائيلية المحتلة لمواجهة المناضلين الفلسطينيين، أو كما يحلو لها أن تسميهم "بالإرهابيين" ولكنه أحد أساليب كثيرة تستخدمها السلطات المحتلة في صراعها الدائم ضد الحركة الوطنية الفلسطينية في محاولة مستميتة لإجهاضها وتفريغها من محتواها الوطني ، ولتحويلها الى حركة هامشية دون أية أهداف سياسية ذات طابع استقلالي.

والاعتقال أو الحبس رغم أنه أحد أساليب كثيرة إلا أنه الأسلوب الأكثر استخداماً والأكثر قمعاً ضد مناضلي شعبنا الفلسطيني.

قبل الدخول في الحديث عن طبيعة الاعتقال، وما يواجهه المعتقلون الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية لا بد من إلقاء نظرة خاطفة على أهم الأساليب القمعية التي تستخدمها إسرائيل ضد المناضلين الفلسطينيين.

1) الإبعاد عن أرض الوطن، وهو أسلوب قديم استخدمته إسرائيل بكثرة خصوصاً عام 1970 التي أبعد فيها وزير الدفاع موشي ديان آنذاك أكثر من ألف فلسطيني الى الأردن. والإبعاد نوعان: إبعاد دائم وإبعاد مؤقت أي لعدد محدد من السنوات يفرض على المواطن الفلسطيني.

2) الإقامة الجبرية: تفرض على نشطاء العمل الوطني الجماهيري ويحدد مكان إقامتهم حسب مكان سكنهم في المدينة أو القرية أو المخيم، ويمنع الخروج من المنطقة المحددة، ويجب إثبات وجود يومي أو أسبوعي، والتواجد في البيت من مغيب الشمس لشروقها _ سنكتب عن ذلك لاحقاً_.

3) منع الدخول لمناطق محددة، مثلاً منع سكان غزة من دخول الضفة أو العكس.

4) المنع من السفر، وثمة عشرات الآلاف منعوا من السفر وهو أسلوب يستخدم ضد الطلبة في الجامعات الخارجية بشكل خاص أثناء الدراسة، لمساومتهم ومحاولة إسقاطهم، كما أنه يستخدم ضد نشطاء المؤسسات الجماهيرية للحيلولة دون لقائهم مع مؤسسات دولية وللحد من لقاءاتهم مع أفراد من م.ت.ف. كما تدعي إسرائيل.

5) استدعاءات يومية للتحقيق: وتهدف الى تعطيل عمل المواطن الفلسطيني، ووضعه تحت الشبهة بسبب زيارته المتكررة لمراكز الاستدعاء، وتنصح الحركة الوطنية أعضاءها باستمرار الى عدم الاستجابة للاستدعاء، وإذا أرادت السلطات التحقيق معه فلتعتقله رسمياً.

6) زيارات المخابرات للشخص المعني للبيت أو العمل: وهي بهدف زرع الشبهة نحو الشخص الذي تتم زيارته والإيحاء أنه عميل لإسرائيل، وكثيراً ما يقوم أفراد المخابرات بزيارة مناضل فلسطيني في بيته، ويسألونه عن أحواله كأنهم يعرفونه من مائة سنة ويطلبون الشاي والقهوة كحسن ضيافة.. المواطن الفلسطيني عليه طردهم وعدم تقديم أي شيء لهم حتى لو تعرض لاعتداء، لأن استقباله لهم مرة أخرى يشجعهم للعودة مرات حتى إسقاطه للتعامل معهم.

7) تفتيش البيوت: وتتم معظم الأحيان بأسلوب استفزازي، حيث يقوم الجنود والمخابرات بالعبث بأدوات المنزل وتخريبها وتكسير بعض محتوياتها.

8) الاعتداء على مواطن معين بإرسال عملاء للاعتداء عليه، أو إطلاق النار لإرهابه.

9) تأخير معاملات رسمية للمواطن المذكور مثل تأخير شهادة الميلاد، تأخير إصدار بطاقة هوية، أو بطاقة عمل، رخصة قيادة.. الخ.
10) إطلاق النار على المواطن الفلسطيني وقتله، وهذه الظاهرة ظاهرة اغتيال المطلوبين للسلطات أو المطاردين كما يسميهم الفلسطينيون، برزت بشكل واضح خلال الانتفاضة، حيث اغتالت القوات الخاصة الإسرائيلية عدداً من نشطاء الانتفاضة والمطاردين، ولا زالت تقوم بهذه المهمة.

11) إغلاق البيوت وهدمها، وتقوم بها السلطات عندما يكون المعتقل متهماً بالقيام بأعمال عسكرية ضد أهداف إسرائيلية، وبشكل خاص إذا كان متهماً بقتل أحد اليهود.

هذا بالإضافة الى أساليب متنوعة أخرى تمارسها السلطات الإسرائيلية كما يحلو لها، وهي
باستمرار تخترع أساليب جديدة تهدف التضييق على المناضلين الفلسطينيين لإجبارهم التخلي عن أي نشاط أو انتماء لأي اتجاه سياسي.

المناضلون في غرف التحقيق

الاعتقال السياسي كما يسميه المناضلون الفلسطينيون أو الاعتقال الأمني كما تسميه إسرائيل أي اعتقال المناضلين الفلسطينيين الذين يناضلون من أجل تحرير بلادهم ودحر الاحتلال عنها لبناء الدولة الوطنية المستقلة، وهو ما تعتبره إسرائيل مساً بأمنها حتى لو كان المعتقل يعترف بحدود إسرائيل لعام 1967، هذا الاعتقال يمكن تقسيمه الى ثلاثة أنواع أو أشكال وهي كالتالي:

1) الاعتقال الاحترازي المؤقت،
حيث تلجأ السلطات الإسرائيلية الى اعتقال مناضل أو مناضلين محددين قبل مناسبات معينة مثل "يوم الأرض" ذكرى انطلاقة فصيل معين أو قبيل انعقاد مؤتمر أو مسيرة جماهيرية للحيلولة دون قيام هؤلاء النشطاء بأي دور محدد، وبالتالي التأثير على الحث نفسه، وغالباً ما يكون هذا الاعتقال لعدة أيام فقط ولا يصحبه تحقيقات جدية إلا ما ندر، وهذا يختلف عن الاعتقال العشوائي الذي يتم إثر انفجار قنبلة مثلاً.

2) الاعتقال الإداري،
وهو اعتقال يأمر به قائد المنطقة العسكري ويتراوح بين ستة شهور الى سنة قابلة للتجديد دون إنذار مسبق.

لا يقدم المعتقل الإداري الى محكمة عادية، وفي الماضي كانوا لا يقدمون الى المحاكم بتاتاً، وإنما تستمع الى أقوالهم لجنة اعتراضات عسكرية تكون مهمتها المصادقة على قرار قائد المنطقة، أما في السنوات الأخيرة فقد أمر وزير الدفاع بتقديم المتهم للمحاكمة دون منحه أو منح محاميه حق الإطلاع على أية أدلة للتهم الموجهة ضده، وبالتالي عدم إمكانية المحامي صياغة بنود مرافعته، وكانت المحاكم باستمرار تصادق على قرارات قائد المنطقة وتعطيها صفة "شرعية".. ويرزح في السجون اليوم آلاف المعتقلين يشكل الإداريون منهم نسبة كبيرة. وبشكل عام فإن أوامر الاعتقال الإداري تصدر ضد نشطاء الحركة الجماهيرية مثل النقابين، أو أعضاء الاتحادات الطلابية والمنظمات الجماهيرية والصحافيين.

وقد تعرض بعض المناضلين للاعتقال الإداري أكثر من مرة مثل قاسم القواسمي من الخليل، محمد اللبدي من أبو ديس، محمد العادودي من رام الله، كما قضى بعض المعتقلين الإداريين عدة سنوات في السجن دون محاكمة ، ويعتبر المعتقل الفلسطيني "علي الجمال" من جنين أكثر معتقل فلسطيني يقضي مدة حكم إداري متتالية، حيث قضى مدة سبع سنوات كاملة في السجن الإداري دون محاكمة لمجرد اشتباه السلطات أنه قتل ضابطاً إسرائيلياً، وقد أمضى وقتاً من مدة سجنه في الزنزانات الانفرادية.

وكثيراً ما كانت السلطات الإسرائيلية بعد اعتقال مواطن ما والتحقيق معه، ثم عجزها عن انتزاع المعلومات منه تقوم بتحويله الى معتقل إداري كي لا تقوم بالإفراج عنه. وقد شهدت الأراضي المحتلة عدة فترات اشتدت فيها حملات الاعتقال الإداري بشكل واسع، وهذا الفترات هي:

أ‌- فترة ضرب الجبهة الوطنية واعتقال قادتها في أواخر 1973 ومطلع 1974.

ب_ مطلع الثمانينات إثر النهوض الجماهيري للحركة الوطنية الفلسطينية وإحياء المؤسسة الجماهيرية، ومن ضمنها النقابات العمالية.

جـ- عام 1985 وقد شملت الحملة عشرات المعتقلين بشكل خاص من أنصار الجبهة الديموقراطية وقادتها المعروفين خصوصاً بعد انعقاد المؤتمر لإطارها العمالي كتلة الوحدة العمالية الذي لقي صدى إعلامياً واسعاً آنذاك.

د_ منذ مطلع الانتفاضة ولم تدخر السلطات جهداً في تطبيقه ضد أغلب النشطاء والمناضلين الفلسطينيين.

3) الاعتقال الثالث،
وهو عنوان موضوعنا وجوهره "اعتقال التحقيق" إن جازت التسمية، أي اعتقال المواطن الفلسطيني للتحقيق معه بتهمة "أمنية"، وغالباً ما تكون انتماء لتنظيم محدد والقيام بنشاطات "معادية" لإسرائيل سواء كانت هذه النشاطات عسكرية – جماهيرية مثل مظاهرات أو مسيرات أو أية أنشطة أخرى ويكفي أن يكون المواطن عضواً في تنظيم لتقديمه لمحكمة حتى لو لم يقم بأية أنشطة ضد دولة إسرائيل، كما يقدم للمحكمة أي شخص يقوم بأنشطة "معادية" لإسرائيل حتى لو لم يكن عضواً في أي تنظيم فلسطيني.

قرار الاعتقال
لا يصدر قرار الاعتقال د أي شخص فلسطيني من قبل قائد المنطقة الوسطى كما هو الحال بالاعتقال الإداري، ولكنه يصدر عن جهاز المخابرات الإسرائيلي وبشكل خاص عن قائد المدينة أو اللواء، ولا يعرف حقيقة تفاصيل أبعد من ذلك عن طبيعة تركيبة جهاز المخابرات وكيفية عملها، بعد صدور الأمر بالاعتقال تتوجه قوة من حرس الحدود برفقة عدد من أفراد المخابرات وتضم بشكل خاص مسؤول المنطقة الجغرافية المحددة _ حيث تقسم السلطات الإسرائيلية
المناطق الى أقاليم جغرافية صغيرة وتعين لكل منها مسؤولاً يعرفه المناضلون الفلسطينيون لأنه هو المكلف باستدعائهم بين الحين والآخر، ولكن لا يعرفون عنه سوى اسمه الحركي الذي غالباً جداً ما يكون عربياً للإيحاء بأن جهاز المخابرات غير معاد مثل الكابتن سليمان، أبو نهاد، أبو سامر، وأبو أحمد..الخ.

كما تضم القوة المكلفة بالاعتقال أحياناً مسؤول اللواء نفسه وبعض المساعدين.
وكما يروي المعتقلون الفلسطينيون فإن القوة المكلفة بالاعتقال لا تقوم بتنفيذ الأوامر المكلفة به إلا بالليل وتحديداً بعد منتصفه، ونادراً ما تقوم القوة العسكرية بتنفيذ الأمر نهاراً وسبب تحديد ساعة متأخرة من الليل للقيام بالمهمة لا يهدف فقط الى ضمان وجود المعتقل بالبيت وإنما يهدف أيضاً الى إرهاب المناضل الفلسطيني وجعله يعيش لحظات من الرعب والإرباك لنقله فوراً الى غرف التحقيق، وهذا ما يفسر إحضار قوة كبيرة من الجيش للقيام باعتقال أحد المناضلين والضجة الكبيرة التي يفتعلونها مثل تكسير زجاج الشبابيك والطرق المتكررة بشدة على الأبواب رغم وجود جرس على الباب _ ثم التفتيش الاستفزازي لمحتويات البيت دون مراعاة حرمة أو وجود أطفال نائمين، بعد ذلك يتم عصب عيني المعتقل الفلسطيني ونقله بسيارة الجيب الى مركز التحقيق في المنطقة، ويقوم أفراد حرس الحدود خلال نقل المعتقل بالتسلية عليه من خلال ضربه بالأحذية وطعنه بأعقاب البنادق كما يحلو لهم، ولا يعرف المعتقل المعصوب الأعين متى يتلقى الضربة ولا أين ستكون الضربة التالية.

الحلقة الاولى

الحلقة الثانية ستنشر في الاسبوع القادم


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى