المواقع الاجتماعية وعلاقتها بظاهرة

التشرميل في الأوساط الحضرية المغربية محمد أصبان

لمحة عامة

لعل أهم التيمات التي شغلت حيزا كبيرا - لا يستهان بحضورها حتى الآن - في الأماكن العامة لدى المواطنين المغاربة؛ هي عملية توثيق الأشكال السلوكية المنحرفة، التي تربك ذوات المواطنين لحظة الاشهار أو التهديد بالسلاح الأبيض. وفيها لعبت وسائط الإعلام المختلفة دورا مهما في بلورة وتقعيد ما ينعت بظاهرة "التشرميل"، كشكل من أشكال الإعتداء على الأخرين بالشارع العام، وصنف من صنوف العنف الحضري، الذي يأخذ دلالات إيكوسوسيوثقافية، واقتصادية، وسياسية متعددة الأشكال، والأبعاد المختلفة. إذ ما دفعنا الى اثارة هذا الموضوع اولا؛ أنه يدخل ضمن تخصصنا المعرفي الاكاديمي من جهة، ثم ثانيا؛ إلى ذلك الدور الذي يلعبه المثقفون في تناول مختلف القضايا الباطولوجية الحضرية المعاصرة. هذا ومن خلال ذلك، فإن هذا المقال، حاولنا من خلاله مقاربة هذه الظاهرة في علاقتها بالرغبة الاجتماعية الخفية في إحلال فكرة المدن الذكية محل التصوير الفوتوغرافي والمرئي بشكل واعي او غير واعي في المدن المغربية ؟، إضافة إلى ذلك، تعرضنا لتعريف إجرائي لعبارة المدينة الذكية، عن طريق إبراز مظاهرها المتشعبة في توقعاتها وأبعادها المستقبلية دون الخوض في تفاصيل ذلك، مع عنوان رئيسي سميناه بالسوكيات الإحتجاجية المضمرة تجاه الفعل الإجرامي. ثم في النهاية ضمّن هذا العمل بكتابة الخاتمة.

1. عبارة المدن الذكية أو المدن الإلكترونية

تقوم المدن الذكية على فكرة تأثيت المجالات المدينية، من خلال إدخال أحدث التطبيقات التي توصلت إليها تكنولوجية الإتصال والمعلومات إلى الأماكن العامة في المدينة، قصد تزويد جسم المدينة بعدسات المراقبة والحراسة عن بعد، إلى جانب تمديدها بشبكات ضخمة من الصبيب بشكل واسع يشمل كل مناحي الحياة اليومية للأفراد والجماعات. حيث تشمل كلا الإطارين: الإطار الفيزيقي والتنظيم الاجتماعي من جهة، ثم الجانب الذي يتعلق بثورة التكنولوجية في استخدام الحواسب والهواتف الذكية واللوحات الاشهارية الالكترونية الضخمة ونحوها، التي تسمح بالكشف عن خريطة المواقع والأماكن المتعددة داخل المدينة لمختلف الفاعلين مثل؛ استخدام الوسائل الالكترونية في الحدائق، وفي عملية التسويق، والولوج إلى المقاهي، والمرائب، وفي التعليم، والشغل، وغيرها.

2. السلوكيات الإحتجاجية المضمرة تجاه الفعل الإجرامي

إن الناظر في المنشورات التي تتناقلها مختلف المواقع الاجتماعية، تفرض علينا منذ البداية بالتزام تفكير موضوعي عميق وتأمل في الوقائع الاجتماعية اللأمعيارية بالوسط الحضري. وهو ما يستوجب علينا كذلك، التخلص من الأحكام المسبقة وخلق مسافة نقدية بين الباحث ووسائط الإعلام، ثم بين الباحث وفكرلوجية العامة العاديين؛ حتى يتسنى له تفكيك الظواهر المجتمعية أي كانت طبيعتها الكامنة، بدءا بخلخلة بنياتها ووظائفها من داخل النسق العام الذي يحتويها ويضم كل عناصرها الأساسية، وانتهاء ببناء واقع موضوعي يتناسق مع الواقع الاجتماعي الحالي.
وفي السياق المغربي، لا يخفى على الباحث ما يمكن أن يتكشفه للتو عن واقع مجتمعي مرفوض من طرف المواطنين على مستوى المدن الكبيرة على وجه الخصوص، والذي يتخد شكل سلوكيات احتجاجية مخفية. من ناحية، ففي تقديرنا وتأملاتنا للواقع الراهن، فهي تعبير عن رسالة وطنية قوية من طرف الأفراد في دعم المواطنين في قضاياهم المشتركة ما بين شخصية المواطن والآخر جنبا إلى جنب، وما بين شخصية المواطن ورجال مؤسسات الأمن العمومي. لكن، كيف لهذه الرسالة أو هذا التعبير أن يكون هو الاخر كَسيمولوجيتًا (علامة) لإعادة الاعتبار إلى الحضور الامني في الشارع العام المغربي؟

ففي ظل - عدم حصول - المدن الذكية أو الإلكترونية في الواقع الراهن، يحدث ما يحلو لنا أن نطلق عليه هنا بتسمية: "إعادة الاعتبار الأمني فوق سطح المجال العام المغربي"، وهي تسمية تضمر معاني احتجاج مخفي -كما سبق الإشارة إلى ذلك في أكثر من موضع في هذا المقال- يعقبه الدفاع الشرعي، في حالة ما إذا كانت المسألة تأتينا من جهة الضحية. وتكون خلاف ذلك، إذا كانت من تدخلات بعض أفراد المجتمع، حيث تدخلات المتعاطفين مع أحداث السرقة، نتيجة التعنيف، أو القذف وغيرها التي يتلقاها المنحرفون " المشرملون "، قد تأخذ مسارات اجتماعية معقدة فيما بعد إلى حد تصفية الحسابات، هذا إذا لم تتم التصفية في موقع الحادث ذاته.

فالسعي وراء الفضح وكشف الأفراد المنحرفين عن طريق التصوير، لا يعدو أن يكون إلا رد فعل يقلوب القواعد الاجتماعية اللامعيارية، ويضعها تتجاوز مستوى المشهد الوطني إلى أن تصل إلى المشهد العالمي بفضل سرعة المواقع الإجتماعية. وفي هذا السياق، ترى سونتاج (Susan Sontag) أن الصورة " هي خبرة تم التقاطها، والكاميرا هي الذراع المثالي للوعي في حالة الرغبة في التملك. أن تلتقط صورة لشيء يعني أنك تستولي عليه. إنه يعني وضع الذات في علاقة مُحددة مع العالم تشبه المعرفة.. ومن ثم؛ تشبه امتلاك القوة." (1). هذا التشبيه يعطيها مصدرا، ودليلا، وقوة في تبرير وإعدة بناء السيناريوهات الماضية للأحداث كما أننا عشناها، وإلى تجربة مادية يمكن رؤيتها ويمكن تحليل مضمونها في أي وقت مضى. لكن، يمكن أن تكون الصورة في بعض الأحيان سلبية إلى حد السلاح، وهذا ما عبرت عنه الباحثة في القول أن: " الكاميرا، مثل السيارة، تباع على أنها سلاح قاتل.. سلاح آلي قدر الإمكان، وجاهز لكي تُشهره. " (2).

وفي الختام، لا يسعنا إلا القول، بأن موضوع التشرميل كشبكة جماعية، هي قضية سياسية بامتياز؛ لأن إشكالية العنف الحضري، ليس موضوعا فارغا، ومعطى سهلا يمكن التعامل معه في ظل هذه الأنماط الإسكانية الهشة، وفي ظل انتشار ظهرة التفكك الأسري، وقلة فرص الشغل، وكذا التخلف الدراسي، وتسويق المخدرات وغيرها. لذلك يحدث أن يعتقد المواطن المغربي، بأنه يقدم خدمة سامية لمجمعه " خدمة وطنية " أثناء تصوير الوقائع - هذا إذا كان مجهول الهوية من طرف المنحرفين فهذا أمر مرغوب - ولكن حينما لا يستطيع المجتمع أن يضمن أو يقنن هذه العملية، فإن الضحية سيكون اللامعتادي عليه، ولكن يكون قد اعتدى على كرامة المنحرفين من جهة المنحرف حسب اعتقاده وقد يكون العكس صحيحا. وعلى الرغم مما سبق ذكره، يبقى هذا الموضوع مجالا مفتوحا على الدراسات والأبحاث من طرف الهيئات، والمؤسسات، والفئات المعرفية المختلفة. يبقى في النهاية أن نطرح فرضية تقوم على أن رد الفعل الاجتماعي للمغاربة يدعم تلك الرغبة في الوصول إلى فكرة المدن الذكية.

(1) أنظر: https://qira2at.com/2014/10/16/الاستهلاك-الجمالي-وعنف-التصوير-الفوت/

(2) نفس المرجع.