فياغرا

، بقلم جورج سلوم

انحنى قليلاً.. ونظر في وجهي.. خلع نظارته.. قال:

- مالكِ جامدةً كالتمثال.. باردة كقطعةٍ من حجرْ..؟

أمسكني من كتفي واقتادني إلى السّرير وخرج مسرعاً،وسمعتُ صوت زجاجاتٍ تُفتح وكؤوسٍ تُملأ فأحسستُ بقشعريرةٍ وبرودة تسري في أوصالي.

عاد وهو يصفّر بتكلّفٍ.. كان يحمل صينية عليها كأسان وشمعة ٌ حَمراءَ جديدة.

أطفأ النور ثم أشعل الشمعة ودنا إلي... قال:

- لماذا لا تجلسي و تستريحي؟

تسارعت ضرباتُ قلبي وبتّ أسمعُ لها دوياً وصدى،أمسك يدي وقرّبها إلى شفتيه وقبّلها...ثم شرب من الكأس.. ثم وضع يديّ على شفتيه وقبلهما قبلاتٍ عديدة ..وشرب أيضاً..ثم جذبني إليه وقبل كتفي ثم قبة قميصي وعنقي...

تراجع إلى الخلف ليرى كيف أصبحت..كانت عيناي مغمضتين ولم أجرؤ أن أرى أيّ شيء سوى لهيب الشمعة المتراقص أمامي بغير إيقاعٍ راسماً ظلالاً شيطانية على الجدار المقابلْ.

ضمّني إليه بقوة وأخذ يقبلني في شفتي وعنقي وتناثرت خصلات شعري على وجهي فأبعدها ...ثم عاد إلى الشرب...ومن ثم إليّ كطعامٍ مُدّ على مائدةٍ عامرة فيقضمني ويلوكني.... ويرتشف من ذلك الشراب ليبتلعني ...وبدأت أسمعه يهمهم كجوادٍ دخل مضمار السّباق..
قلت بصوتٍ هامس:

- لا ....أرجوك....لا.....لا....يكفي...

ولم يجبني سوى بهمهماته الكثيرة المتلاحقة...

تذكّرت أمي وأبي ...وأحسست بأني أنشطر إلى قسمين متنازعين بين الرّغبة والرّفض....وشيئاً فشيئاً رجحت كفة الرغبة ...وقررت أن أدخلَ التجربة.

وقد تناهتْ إلى مسمعي صيحاتُ أبي وآهات أمي وأصداءُ شجارهما الأزليّ الذي لا ينتهي.
استسلمتُ له كمصيرٍ محتوم ..وتمنيت أن ينزع عني ثيابي أو يمزقها..وتمنيت أن يتغلغل في جسدي ليطفئَ بركاناً بدأ يتفاعل في دمي وروحي.

تشبّثتُ به ...وغرزتُ أظافري في كتفيه كنباتٍ طفيليّ اشتاق إلى نسغِ الحياة...

التصقتُ به بعد أن آثرتُ أن أنخرطَ في موسيقاهُ الرائعة..وزادت أصابعي المطبقة على كتفيه تشنجاً، وأظافري في لحمه انغراساً.

وبعد هنيهةٍ...بدأت أحسّ به يرتخي ويضمحلّ،ويتضاءل كثورةٍ أُجهضت قبل أن تندلع وكصيحةٍ كُتمت في الصدر قبل أن تنقذف ...وشعرتُ أنه يتسرّب من بين أصابعي كما يتسرب الماء من الثقوب...وأما لهاثه الحار في وجهي فقد استُبدل بدموعٍ بائسة بللت وجهه وماتت في شاربيه.
ففتحت عينيّ متسائلة:

- أفلا يأتي الغيث بعد ذاك الرّعد القاصف والبرق اللامع؟

كان وجهه يتصبب عرقاً ...وبدأ يذوب أمامي كتمثالٍ من الشمع...ولم يجرؤ أن ينظر في وجهي...لكنه مالبثَ أن انتصب واقفاً...ومدّ يده في جيبه ليُخرجَ علبةً من الدواء ثم قذف بها من النافذة وصاح:

- دواءٌ وطنيّ تافه.

نظر إلي بغضبٍ ذليل..شتمني ..واتّهمني بالكفر والبرود والغباء والجهل وأشياء أخرى كثيرة....
عدتُ إلى البيت سيراً على الأقدام...وكان المطر الناعم يجلّل شعري ويغرقُ ثيابي ويغسل كبريائي...تجوّلت في الشوارع خفيفةً ...نظيفة..واشتقت إلى أمي أكثر من ذي قبل....كنتُ سعيدة ولم أشعر بالبرد...وحمدتُ الله الذي جعل لي مع التجربة مخرجاً.