صخر بين امرأته وأمه

، بقلم فاروق مواسي

سمع صخر بن عمرو الشَّريد امرأته تشكو مرضه، وذلك بعد أن أصيب في القتال، ولم يعد قادرًا على الحركة، فقال:

أَرى أمَّ صخرٍ لَا تمَلُّ عيادتي
ومَلَّتْ سُلَيمى مَضْجَعي ومَكانِي
وَما كنتُ أخشَى أَن أكونَ جِنَازَة
عليكِ وَمن يَغترُّ بالحَدَثان
أهُمُّ بِأَمْر الحزْم لَو أستطيعه
وَقد حيلَ بينَ العَـيرِ والنَّزَوان
لَعَمري لقد نَبَّهْتِ من كَانَ نَائِمًا
وأسمعتِ من كَانَت لَهُ أذُنان
ولَلموتُ خيرٌ من حَيَاة كَأَنَّهَا
مَحلّة يَعسوبٍ بِرَأْس سِنان
وأيُّ امْرِئ سَاوَى بأمٍّ حَلِيلَة
فَلَا عَاشَ إِلَّا فِي شقًا وهوان

جِنازة: إذا أثقل المريض على أهله يقال هو جنازة عليهم.

الحدثان- مصائب الدهر.

العَـيْر: الحمار.

النزَوان: الوثوب على أنثاه، والكناية عن عدم قدرته. وكذلك يضرب المثل لمن يريد أمرًا، ولكنه لا يجد له سبيلاً.

الحليلة :الزوجة

اليعسوب: السيد والرئيس
روي البيت قبل الأخير في لسان العرب (مادة "عسب"):

وما خير عيشٍ لا يزال كأنه
مَحِـلّةُ يعسوب برأس سنانِ

ومعناه أن الرئيس إذا قُتل جُعل رأسه على سنان، يعني أن العيش إذا كان هكذا، فهو الموت.
ورواية البيت في (وَفَيات الأعيان)لابن خَلِّكان- ج2، ص 84:

فللموتُ خير من حياة كأنها
مُعرَّسُ يعسوبٍ برأس سنان

وأما قوله :أهم بأمر الحزم لو أستطيعه- إشاره إلى عزمه بقتلها وعدم إطاقته حمل السيف.

قصة الأبيات

الرواية الأولى:

غزا صَخْر بن عمرو الشريد- أخو الخنساء بني أسد بن خُزَيْمَة، فَأَصَاب غَنَائِم وسبيًا، وَأخذ صَخْر يَوْمئِذٍ امْرَأَة اسمها بُدَيلة من بني أسد. وأصابته يَوْمئِذٍ طعنة طعنهُ بهَا رجل يُقَال لَهُ ربيعَة بن ثَوْر، ويكنى أَبَا ثَوْر، فَأدْخل جَوْفه حلقًا من الدِّرْع، فاندمل عَلَيْهِ حَتَّى شقّ عَلَيْهِ بعد سِنِين، وَكَانَ ذَلِك سَبَب مَوته.

رُوي أَن صخرًا مرض من تلك الطعنة قَرِيبًا من حَول حَتى ملّه أَهله، فَسمع صخرًا امْرَأَة تسْأَل امْرَأَته: كَيفَ بعلك؟

فَقَالَت: لَا حيٌ فيرجى، وَلَا ميت فيُنعى! (وفي رواية أخرى- فيُسلى، وفي أخرى: فيُنسى)، وَقد لَقينَا مِنْهُ الْأَمريْنِ، فَقَالَ صَخْر فِي ذَلِك الأبيات السابقة.

فَلمَا طَال عَلَيْهِ الْبلَاء وَقد نتأت قِطْعَة مثل الْيَد فِي جنبه من مَوضِع الطعنة فتدلت وَاسْتَرْخَتْ قَالُوا لَه: لَو قطعتها لرجونا أَن تَبرأ، فَقَالَ شَأْنكُمْ وَهِي!

فأشفق عَلَيْهِ بَعضهم، فنهاهم، فَأبى صَخْر، وَقَالَ:

الْمَوْت أَهْون على مِمَّا أَنا فِيهِ، فأحموا لَه شفرة، ثمَّ قطعوها، فيئس من نَفسه.

(الأصفهاني- الأغاني، ج 15، ص 75- دار الفكر.)

ويذكر الأصفهاني اسم الزوجة (بُدَيلة) على لسان راوٍ آخر:

ألا تلكمُ عِرِسي بُديلة أوجستْ
فِراقي وملّت مضجعي ومكاني

في رواية أخرى:

أنه لما طعن ودخلت حلق الدرع في جوفه ضجر منها زمانًا، ثم ملته امرأته وكان يكرمها ويعينها على أهله، فمر بها رجل وهي قائمة، وكانت ذات كَـفَل وأوراك، فقال لها:
أيباع هذا الكفَل؟ فقالت: عما قليل، وصخر يسمع ذلك، فقال: لئن استطعت لأقدمنك أمامي، ثم قال لها: ناوليني السيف أنظر هل تقلّه يدي، فدفعته إليه فإذا هو لا يقله، فعندها أنشد الأبيات السابقة، ثم لم يلبث أن مات، وكان أخوه معاوية قد قتل قبله، ورثته الخنساء أيضًا.
(العباسي، معاهد التنصيص على شواهد التلخيص، ج1، ص116).

وروي البيت الأول:
أرى أم صخر لا تجفّ دموعها...
(المبرد: الكامل، ج2، ص 373)، حيث يذكر أن صخرًا رأى أنها برمت به، وأن أمه حدبت عليه.

رواية أخرى:

"وكان صخر من أشجع العرب وأكرمهم وأجملهم، وكانت تحبه سلمى بنت عوف بن ربيعة بن حارث الرياحي، وصخر هذا هو أخو الخنساء المشهورة فيه بالشعر.

وكان عاهد سلمى على أن لا تتزوج بعده، وهو كذلك عاهدها، وكان يقول إذا نظر إليها لا أكره الموت إلا أنه يفرق بيني وبين هذه. فلما كان اليوم المشهور بيوم الكُلاب- وهو الذي تحارب فيه بنو عوف وبنو الحرث، التقى صخر مع ربيعة بن ثور العوفي الأسدي بعدما غلبت بنو الحرث على بني أسد ونهبتهم، فطعن ربيعة صخرًا، وكان رمح صخر قصيرًا، فأصاب ربيعة في بطنه حلقاً من الدرع فمرض صخر سنة بالطعنة، فكانت أمه تلاطفه، وقصّرت سلمى في خدمته، فسمع يومًا امرأة تقول لأمه كيف حال صخر؟ فقالت: "نحن بخير ما دمنا نرى وجهه"، وسألت امرأتَه أخرى، فقالت: "لا حي فيرجى، ولا ميت فينعى"، فغمّ لذلك، وأنشد:

فأي امرىء ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في عنًا وهوان وحكى في "النزهة" أنه جلس يومًا ليستريح، وقد رفع سجف البيت، فرأى سلمى واقفة تحدث رجلاً من بني عمها، وقد وضع يده على عجيزتها، فسمعه يقول لها: أيباع هذا الكفَل؟ فقالت عن قريب.

فقال صخر لأمه: علي بسيفي لأنظر هل صدىء أم لا؟ فأتته به، فجرده وهمّ بقتل سلمى، فلما دخلت رفع السيف فلم يستطع حمله، فبكى وأنشد الأبيات.
(الأنطاكي: تزيين الأسواق في أخبار العشاق، ج1، ص 315.)

صفوة القول إن الشعر يشير إلى حب الأم وإخلاصها ووفائها أكثر من غيرها، بل إن الذي يفضل حليلته على أمه يعيش في الشقاوة والهوان- كما يرى الشاعر.

الأم هي عماد في هذه الحياة: هى التعزية فى الحزن، الرجاء فى اليأس، والقوة فى الضعف، وحب الأم لا يشيخ أبدًا، ولا يضعف، وحتى ننصف: لا تنسَوا أن الزوجة غالبًا ما ستغدو أمًا.

أختم بطريفتين:

موافقة زوجين قبيح وحسناء

نظرت امرأة عِمْران بن حِطّان في المرآة، وكانت جميلة وزوجها قبيح،

فقالت له: أنا وأنت في الجنّة.

قال: ولم؟

قالت: لأنك رُزِقتني فشكرتَ، وأنا ابتُليت بك فصبرتُ، والصابر والشاكر في الجنّة.

انتصار زوج:

وقال رجل لامرأته: ما خُلِق أحبُّ إليّ منكِ.

فقالت: ولا أبغضُ إليّ منكَ.

فقال:

الحمد لله الذي أولاني ما أحب، وابتلاك بما تكرهين.


فاروق مواسي

بروفيسور، أديب، وأكاديمي فلسطيني، دكتوراة في الأدب العربي

من نفس المؤلف