الحلقة الثانية

ابن زيدون بتمامه

، بقلم كريم مرزة الأسدي

2 - ابن زيدون ورسائله بين ابن عبدوس والولّادة،الخاطفُ والمخطوف...!!

مهما يكن من أمر القطيعة الولّادية الموجعة لابن زيدون العاشق المولع المستهام، سيّان بسبب استماعه لغناء الجارية عتبة الولّادة، وتلذّذ واستمتع به وبها، فهدهدت إليه ولّادته ما ذكرنا من أبيات، ونعيدها للإمتاع ولمؤانسة:

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا
لم تهو جاريتي ولم تتخيّر
وتركت غصناً مثمراً بجمالـــــه
وجنحتَ للغصن الذي لم يثمر
ولقد علمت بأنّني بدر السمـــا
لكن دهيت لشقوتي بالمشتري

أم بسبب الدسائس والمؤامرات والأحقاد والتنافس غير الشريف من قبل أبي عبد الله بن القلاس الذي انسحب من المنافسة أخيراً بعد عدّة قصائد من الهجاء الموجع والسخر المقذع، وأبي عامر بن عبدوس الذي واصل المسيرة مع أعوانه وشلته حتى الإيقاع بصاحبنا، ورفيق مسيرتنا، وستأتيك الأخبار ما لم تزوّد، فحاول هذا العاشق الولهان أن يصحح ما وقع فيه لحظة غرور ونشوةٍ، أو كبوة جواد بعثرةٍ، ولكن لم يفلح، لا بتوسلاته إليها، ولا باعتذراته منها، إذ لم تستمع لأنّاته، ولم تستجب لنداءاته، والله غالب على أمره وأمرها!!!

ونجح هذا العبدوس وشلّته من الحفر الغادر لابن زيدون العاثر حتى أبعدوه عن البلاط وولّادته، بل قدّموه للمحاكمة فالسجن. والسجن وما أدراك ما السجن؟!!، وحبيب القلب مخطوف وملعوبُ، سكب الرجل كل وجدانه وأحلامه، وأحزانه وأشجانه في قصائد خالدة، وولّادته خامدة جامدة، لا تهش ولا تنش، تركته لحاله وباله، بل زادته الصاع صاعين!! اقرأ معي وتأمل في هذه القصيدة الخالدة التي نظمها في مغاني مدينة (الزهراء) الأندلسية، كيف مزج الرجل بين الطبيعة الخلّابه، وحبيته الجذّابة، الجمال هو الجمال، وحدة عضوية واحدة، غير قابل للتجزئة في إحساس الشاعر العبقري لحبيبته بوجدانه، وتخيّله لوجودها بجنانه، ما أروع ابن الرومي عبقرينا الخالد، وأحسبه أول من وحّد بين جمال الطبيعة وجمال المرأة، كما تراه يصف رياض بغداد:

تبرّجتْ بعد حياء وخفرْ
تبرّج الأنثى تصدتْ للذكرْ

وقد كررت هذا المعنى من قبل، وأنا أتمتع بظاهرة التعويض أو التكرار، للرؤى التي أحسبها رائعة خافية، ومن الضرورة بمكان إبرازها، نعم ربما يتخيل الفنان العبقري الملهم وجه الطبيعة، وسحر حلالها، وجه حبيبته، ودلع دلالها، فتتجسد أمامه وتتجسم، فيتلاقفها بسمعه ونظره ولمسه وشمّه، بل حتى بذوقه، وزد وجدان نفسه، فيتمازج الخيال بالواقع بلوحةٍ ولا أروع، وجمالٍ ولا أبدع!! بعدنا نتجول مع الفنان الملهم ابن الرومي:

تلاعبها أيد الرياح إذا جـــرت
تســـمو وتحنو تارة فتنكس
إذا ما أعارتها الصبا حركاتها
أفادت بها أنس الحياة فتونسُ

ويكرر المعنى معوضاً - وقد علّمني كما علّمه الله!! - كأنّه يجرّنا من أذرعنا، ويقول اقرأوا بربّكم ما قرضت عقداً:

ورياض تخايل الأرض فيها...
خيلاء الفتاة في الأبراد

ويزيدنا بيتين من قصيدة رثاء خالدة، قالها في حق عمر بن يحيى الطالبي ( استشهد 250هـ)، وكان عمر شاهدنا ابن الرومي 29 سنة هجرية:

بنفسي وإن فات الفداءُ بك الردى
محاسنك اللائي تمجُّ فتُنهجُ
لمن تستجد ُّ الأرضُ بعدك زينةً
فتصبحُ في أثــــــوابها تتبرجُ

نتوسم مما قال أن الطالبي الشهيد، كان حسناً وسيماً، فجعل الأرض المتبرجة له عروساً
لماذا إذن لا أتعاطف مع ابن زيدون العاشق الخالد؟!! وهو يصف الطبيعة الزهراوية، ويتخيل إلى جنبه ولّادته الملائكية، في لحظات اشتياقٍ بكائية، ما أقسى الزمان على شاعرً ملهمٍ، مرهف الحسِّ والإحساس يسيح جوالاً بين مغانٍ غنّاء زهراء، وقد خطفت حبيبته الحسناء!!:

إنّي ذكرْتُكِ، بالزّهراء، مشتاقا،
والأفقُ طلقٌ ومرْأى الأرض قد راقَا
وَللنّسيمِ اعْتِلالٌ، في أصائِلِـــــهِ
كأنهُ رَقّ لي، فاعْتَلّ إشْـــــــــفَاقَا
والرّوضُ، عن مائِه الفضّيّ، مبتسمٌ،
كما شقَقتَ، عنِ اللَّبّاتِ، أطواقَا
يَوْمٌ، كأيّامِ لَذّاتٍ لَنَا انصرَمــــــتْ،
بتْنَا لها، حينَ نامَ الدّهرُ، سرّاقَا
نلهُو بما يستميلُ العينَ من زهــــــرٍ
جالَ النّدَى فيهِ، حتى مالَ أعناقَا
كَأنّ أعْيُنَهُ، إذْ عايَنَـــــــتْ أرَقى،
بَكَتْ لِما بي، فجالَ الدّمعُ رَقَرَاقَا
وردٌ تألّقَ، في ضاحي منابتِهِ،
فازْدادَ منهُ الضّحى، في العينِ، إشراقَا
سرى ينافحُــهُ نيلوفرٌ عبـــــقٌ،
وَسْنَــانُ نَبّهَ مِنْهُ الصّبْحُ أحْدَاقَا
كلٌّ يهيجُ لنَا ذكرَى تشوّقِنَــــــــا
إليكِ، لم يعدُ عنها الصّدرُ أن ضاقَا
لا سكّنَ اللهُ قلباً عقّ ذكرَكُـــــــــمُ
فلم يطرْ، بجنـاحِ الشّـوقِ، خفّاقَا
لوْ شاء حَملي نَسيمُ الصّبحِ حينَ سرَى
وافاكُمُ بفتى ً أضناهُ ما لاقَى
لوْ كَانَ وَفّى المُنى، في جَمعِنَا بكــــــمُ،
لكانَ منْ أكرمِ الأيّامِ أخلاقَا
يا علقيَ الأخطرَ،الأسنى،الحبيبَ إلى
نَفسي،إذا ما اقتنَى الأحبابُ أعلاقَا
كان التَّجاري بمَحض الوُدّ، مذ زمَن،
ميدانَ أنسٍ، جريْنَا فيهِ أطلاقَا
فالآنَ، أحمـــــدَ ما كنّا لعهدِكُــــــمُ،
سلوْتُمُ، وبقينَـا نحـــنُ عشّاقَا

الألم النفسي أعمق وأحزّ على القلب والمشاعر والوجدان من الألم الجسدي والمادي، نعم:

كَأنّ أعْيُنَهُ، إذْ عايَنَـــــــتْ أرَقى،
بَكَتْ لِما بي، فجالَ الدّمعُ رَقَرَاقَا

لم يكتفِ الحاسدون له، والحاقدون عليه، والمتضايقون منه بهذا الفراق الأليم، والطلاق الأثيم، بل سعوا بسعايات للسلطان كي يقبعه بين الجدران، وقبع مسجوناً،واستطاع الشاعر الفذ المكلوم أن يهرب من سجنه المشؤوم، وعفا عنه الخليفة المعلوم، فحاول أن يعيد الماضي وأيامه،وحبيبته وأحلامه،ولكن أنّى له ذلك، وما لا يكون، لا يكون،يقول المعري:

أمس الذي مرّ على قربهِ
يعجز أهل الأرض عن ردّهِ

كل إنسان يحنّ العودة إلى الماضي، أو يتمنى رجوعه، كي يحقق ما فاتته من فرص لذيذة، والدنيا عسيرة، وما هي بيسيرة، حقيقتها ألم دائم، ولذاتها خداع خاطف زائل للترضية والتمويه!!!!

مهما يكن من أمر، حاول ابن زيدون جاهداً أن يستعيد حبّه الفائت، وعشيقه الخافت، ويُرجع بعض من يقول: إن سبب الخلاف القاتل،هو نقد قاله ابن زيدوننا الفاشل في بيت قالته ولّادته، وهو:

سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً
بكل سكوب هاطل الوبل مغدق

كلّ ما قاله شاعرنا لشاعرته: إن البيت أشبه بالدعاء على المحبوب من الدعاء له. بمعنى أنها رمت محبوبها بالبخل والشح والقحط، لذا طلبت من الله أن يسقي أرضه بكل سكوب هاطل، وما هي جزما أرادت ذلك، وإنما قالت: إن وجهك وجه الخير والعطاء والكرم، لذلك يرزقك الله على عملك الخير، فأنت سابق الخيرات.

لا أرى هذا النقد يحتاج لهذه القطيعة المؤلمة المريرة، وإن كانت الولادة تضخم شاعريتها، وتجلّ شخصيتها إجلالاً بتواضعٍ تام، وتعظّم نفسها دون تعالٍ أي إعظام، على أغلب ظني - وربما لم يسبقني أحد إلى هذا الظن - قد مسكته بالجرم المشهود مع عتبتها المعبود!!وإلا لما وصل المآل إلى هذا الحال،، ولم تجد قريناً لها من بعد، ولا ابن الحلال، والله الأعلم بالخفايا والسرائر والأحوال!!

نعم تطورت الأمور بينهما بشكل ملفت،ما كان لابن زيدون أن يلعبها مع لاعبة ماهرة، والحق لعبتهما أثرت الأدب العربي بتراث خالد، يا ليت كل اللاعبين كذاكا، طبعاً هذا شطر بيت ارتجلته الآن، وإلا لا يحق لي أن أقول (كذاكا)، بإشباع حركة الفتحة!!

رسائل ابن زيدون:

مهما يكن - يا قارئي الكريم -قلت لك ستأتيك الأخبار، ومن الأخبار لمّا استطاع الوزير ابن عبدوس أن ينال من غريمه الزيدون، ويسرق قلب حبيبته الغالية وولّادته، ولم تستمع الأخيرة لأي نداء من حبيبها الأول، ولم تقبل أي اعتذار منه - كما ذكرنا -، فأرسل العاشق الثاني - ابن عبدوس - إليها رسالة، يذكّرها فيها بعلو شأنه، وسمو مقامه، وذائع ذكره، مما حزّ في قلب ابن زيدون، فبعث إليها بـ (رسالة هزلية) جداً، يهزل فيها من العبدوس غريمه، وكتبها بلسان ولّادة نفسها، والولادة ما كانت تدري بما حاكه عشيقها السابق زيدون الظريف، فصبّت غضبها عليه، وسمحتْ به، فلا شفاعة له عندها، وإن وقع بالمصائب حتى أخمصيه، فوجدها العشيق اللاحق العبدوس الخيف فرصة، فألّب الأمير الحاكم عليه، ليزجّه بالسجن،اشتهرت هذه القصة برسالتها الهزلية فيما بعد،وبقت خالدة في التاريخ الأدبي،لأنها تبين بجلاء واضح مدى ثقافة ابن زيدون، ولما فيها من سخر لاذع، وشعر ذائع، ومشاعر متباينة من الحب العنيف الجارف لولّدته، والحقد والبغض لغريمه العبدوس، وقد شرحها (جمال الدين بن نباتة المصري) في كتابه: (سرح العيون)، كما شرحها (محمد بن البنا المصري) في كتابه: (العيون)، يمكنك الرجوع إليها، ونحن نشير إلى مقاطع موجزة منها:

" أما بعد،أيها المصاب بعقله، المورط بجهله،البيّن سقطه، الفاحش غلطه، العاثر في ذيل اغتراره، الاعمى عن شمس نهاره،الساقط سقوط الذباب على الشراب،المتهافت تهافت الفراش في الشهاب،فان العجب اكبر،ومعرفة المرء نفسه اصوب، وانك راسلتني مستهديا، من صلتي ما صفرت منه أيدي أمثالك، متصديا من خلّتي ما قُرعت دونه أنوف أشكالك، مرسلاً خليلتك مرتادة، مستعملاً عشيقتك قوادة، كاذبا نفسك أنك ستنزل عنها إلي، وتخلف بعدها علي، ولست باول ذي همة دعته لما ليس بالنائل ولا شك انها قلتك اذ لم تضن بك، وملتك اذ لم تغر عليك، فانها اعذرت في السفارة لك، وما قصرت في النيابة عنك،زاعمة ان المروءة لفظ انت معناه والنسانية اسم انت جسمه وهيولاه، قاطعة انك انفردت بالجمال، واستاثرت بالكمال، واستعليت في مراتب الجلال، واستوليت على محاسن الخلال،حتى خلت ان يوسف -عليه السلام - حاسنك فغضضت منه، وان امراة العزيز رأتك فسلت عنه، وأن قارون أصاب بعض ما كنزت، والنّطِفَ عثر على فضل ما ركزت، وكسرى حمل غاشيتك، وقيصر رعى ماشيتك،والسكندر قتل داراً في طاعتك، وأردشير جاهد ملوك الطوائف لخروجهم عن جماعتك، والضحاك استدعى مسالمتك، وجذيمة الابرش تمنى منادمتك، وشيرين قد نافست بوران فيك، وبلقيس غايرت الزباء عليك، وان مالك بن نويرة انما ردف لك،وعروة ابن جعفر انما رحل اليك، وكليب بن ربيعة إنما حمى المرعى بعزتك، وجساساً إنما قتله بأنفتك، ومهلهلاً إنما طلب ثأره بهمتك، والسموءل إنما وفى عن عهدك، والأحنف إنما احتبى في بردك، وحاتماً إنما جاد بوفرك، ولقى الاضياف ببشرك "
يواصل الزيدون رسالته الهزلية بسرد موجز مدهش لأحداث تاريخ العرب، والإشارة إلى رجالاتهم ورموزهم بمهارة فائقة، وسخرية لاذعة من عبدوسه الوزير المتماهي بولّادته العشيقة الجديدة، نواصل فقرة ثانية.

"وأن هرمس أعطي بلينوس ما أخذ منك، وأفلاطون أورد على ارسطاطاليس ما نقل عنك، وبطليموس سوّى الأسطرلاب بتدبيرك، وصور الكرة على تقديرك، وبقراط علم العلل والمراض بلط حسك، وجالينوس (....) وأنك نهجت لأبي معشر طريق القضاء، وأظهرت جابربن حيان على سر الكيمياء، وأعطيت النظّام أصلا أدرك به الحقائق، وجعلت للكندي رسماً استخرج به الدقائق، وأن صناعة الألحان اختراعك، وتاليف الاوتار والانقار توليدك وابتداعك، وان عبدالحميد بن يحيى بارى اقلامك، وسهل بن هارون مدون كلامك، وعمرو بن بحر مستمليك، ومالك بن أنس مستفتيك، وأنك الّذي أقام البراهين، ووضع القوانين، وحد الماهية، وبين الكيفية والكمية، وناظر في الجوهر والعَرَض، وميز الصحة من المرض، وفك المعمّى، وفصل بين الأسم والمسمى، وصرف وقسم، وعدل وقوّم وصف الاسماء والافعال، وبوب الظرف والحال، وبنى وأعرب، ونفى وتعجب،ووصل وقطع، وثنى وجمع وأظهر وأضمر، واستفهم وأخبر، وأهمل وقيد، وأرسل وأسند، وبحث ونظر، وتصفح الأديان "

لا أريد أن أكمل الرسالة الهزلية) كاملة، ولكن أوضح النقاط التالية:

1- نقلت المقاطع من موقع لم يهتم لوضع الهمزات فيمواقعها، صححت بعضها، وكتب الفاصلة بشكلها اللاتيني، وصححتها أيضاً بالفواصل العربية.

2 - الرسالة على عظمتها وبلاغتها، وجماليتها، فيها من التكلف والتصنع تقلل من قيمتها، لأن ليست عفوية، وإنما وضعت لرد اعتبار على انكساراته، واتكاساته أمام عشيقته الولّادة، وأمير دولته الجهورية، أبو الحزم بن جهور الذي أقاله من الوزارة، ونصّب ابن عبدوس المسخور منه بدلاً من الزيدون الساخر. ليرجع إليها من يشاء، وقدمت من شرحها ودوّنها سالفاً.

3 - وكتب ابن زيدون صاحب الوزارتين السابق القابع في سجنه بأمر من أمير دولته أبي الحزم بن جهور، وبتحريض من غريمه وخصمه اللدود ابن عبدوس الرِسالة الجِدية،وأرسلها مُستعطفاً أبا الوليد بن جَهور ولي العهد لعله يستشفع له عند والده أبي الحزم بن جَهور ليُطلق سراحة، وسُميت هذه الرسالة بالجِدية لتفريقها عن سابقتها، وجزما صاحبنا قد أفرط كثيراً بمدى تعلق أبي الحزم بثقافته العالية، السياسة والسلطة غير الثقافة والفن والأدب والمتعة!!، على كل حال ازدهر هذا الفن الرفيع من كتابة الرسائل في القرن الرابع الهجري، ولا ريب أنّ الرسالتين من أجود وأرفع وأرقى ما كتب بهذا الفن، وإليك مقدمتها:

"يامولايَ وسيّدي، الّذي ودادي له، ومَنْ أبقاه الله تعالى ماضِيَ حدّ العزم، واري زَند الأملِ، ثابتَ عهدِ النّعمه، أظمأتني إلى برودِ إسعافكَ، ونفضتَ بي كفَّ ِحياطَتك، وغضضتَ عني طرفَ حمايتك، بعدَ أن نظر الأعمى إلى تأميلي لكَ، وسَمِعَ الأصمُّ ثنائي عليك، وأحسّ الجماد بإستنادي إليكَ، فلا غرو: قد يغصُّ بالماءِ شاربهُ، ويقتلُ الدواء المستشفيَ به، وُيؤتى الحذرُ من مأمنه، وتكونَ منيّةُ المُتمني في أمنيتهِ والحين قد يسبقُ جَهدَ الحريصِ:

كل المصائبِ قد تمرُّ على الفتى
وتهونُ غير شماتـةِ الحُسّـاد ِ

وإنّي لأتجلدُ، وأُرِي الشامتينَ أنّي لريبِ الدَّهرِ لا أتضعضعُ، فأقول:

هل أنا إلا يد أدماها سُوارُها، وجبينٌ عضَّ به إكليلهُ، ومشرفيٌٌ ألصقهُ بالأرضِ صاقِلهُ، وسمهريٌّ عَرَضَه على النُار مثقفُه، وعبد ٌ ذهب به سيده مذهب الذي يقول:

فَقَسَا ليزدجروا ومن يك حازماً
فليقسُ أحيانا ً على من يرحـم

هذا العتبٌ محمود ٌعواقبه، وهذهِ النّبوةُ غمرةٌ ثم تنجلي، وهذه النكبةُ سحابةُ صيف ٍ عن قريبٍ تُقشّع، ولن يريبني من سيّدي أن أبطأ سَحَابُه، أو تأخر ـ غير ضنين ـ غَناؤه، فأبطأُ الدلاءِ فيضا ً أملؤُها، وأثقل السحائبِ مشيا ً أحفلُها، وأنفع الحيا ماصادف جدبا، وألذُّ الشَّرابِ ما أصابَ غليلا، ومع اليوم غد ٌ، ولكل أجل ٍ كتاب، له الحمد على اغتِنَامِهِ ولا عتب عليه في إغفاله.

فإن يكنِ الفعلُ الذي ساءَ واحدا
ًفأفعالهُ اللاتي سَرَرنَ ألـوف ُ"

تجد الرسالة الجدية في كتاب:" إظهار المكنون من الرسالة الجدية لابن زيدون" - تأليف مصطفى عناني، المطبعة الرحمانية بمصر - الطبعة الثالثة المنقحة - 1345 هـ / 1927 م.
يكيفنا هذا من هذا، وهذا قلمي يستميحكم العذر، لما بعد هذا من هذا...!!!