لغز الأنبوب

، بقلم جورج سلوم

- الشهر الأول

على أوراقي المصفرّة أزهرتُ ربيعاً..وفوقَ عودي اليابس نبتَ بُرعم الحياة..ومن أرضيَ الجدباء المكسوّة بالأخاديد أفرعَ غصنٌ نضير..

رحِمي....يا من نزفتَ ثلاثين حولاً..آنَ لك أن تنغلقَ على مضغةٍ ما...فيكبُرُ في حناياكَ جنينُ الغد..
رحمي...يا من مللتَ النّطاف الفارغة...تُحقن فيك كلّ مساء..كُرهاً كان أم حبّاً..ثم تزدردها بقرف..ولا تلبث أن تلفظها قيئاً وبيلاً.

رحمي...آن الآوان لتدبّ فيك روحٌ جديدة..تسكنُ فيّ..وتعشّش بين أحشائي وتنام على دفء حناني وتغفو على نبض قلبي.

زوجي...عبثاً كنت أحاورهُ وأداوره..ليرضى بأن نزرعَ طفلاً في رحمي ولو كان أنبوباً...لكنه لم يقتنعْ يوماً بتطوّر الطبّ وكان يقول:

(أبداً...لن أكون أباً !)

يعشقُ الطبّ الشعبيّ...ولم يتركْ وصفةً تعتبُ عليه..عشباً..أم منقوعاً..أم حجاباً...أم رقية.. بدون جدوى.

وأخيراً وتحت ضغط ٍمني..وافق على العقاقير الحديثة أو الحقن الدوائية...ولكنه كان يردّد دائما:
(أبداً...لا لن أكون أباً )!

(لقد كبرتِ يا امرأة..وبعمركِ يصبح الإنجابُ صعباً..) هكذا قال.
وفي النهاية وإشفاقاً منه على أمومتي المتسرّبة بين أيامي الفارغة..رضخ للأمر..وكانت معجزة الأنبوب.

(انظرْ يا أبا سليمان...ها أنا حُبلى...وسيأتيك سليمان بعد أشهر بإذن الله...تخيّل ذلك)
لم ينطقْ أبداً ولم يبتسمْ وأطرق أرضاً وأظنّه قال:

(أبداً..لا ولمّا ولن أصبح أبا)

الشهر الرابع

حملي يكبر قطرة قطرة..وبطني يزداد نتوءاً وبروزاً...وفرحي يكبُر وكذلك أحلامي.

ابني يحترك في داخلي...وقلبه ينبض كما قال الطبيب...

عدتُ إلى بيتي مزهوّة بما أحمل في جعبتي وما أحمل من بشرى...

لكنّ زوجي استقبلني ببرود..وخرج دون أن ينبسَ ببنت شفة.

كان يجرّ قدميه جرّاً..تحت ظهره المحدودب..تحت رأسه المثقل بالهموم ووجهه الشاحب.

- الشهر الثامن-

كلّ شيئ على ما يرام...واستعداداتي لاستقبال المولود العظيم غدت كاملة.
لكنّ زوجي الذي أرخى لحيته منذ شهرين...قد بدا عجوزاً وما زال يزداد كآبة ووجوماً.
أصبح يُهاجمني عندما أسمّيه (أبا سليمان )وظلّ يردّد:

(لا..ثم لا..لن أكون أباً..أبداً )

- تمام الحمل-

قال لي قبل أن أذهب إلى المشفى:

(اليوم سيأتينا ابن الحرام!؟)

وأردف بصوتٍ عال:

(لقد ارتكبنا معصية بهذا الأنبوب...هذا الذي في بطنك..ليس مني..أنا أبداً لم ولن أنجب..أنا لست أباً لأحد....ابنُ الحرامِ هذا قد يكون ابن الطبيب..أو من صُلب أحد المتبرّعين..لا أدري كيف طاوعتكِ ورضيتُ بهذا الجُرم..هل تظنّين أنني سأسمح بأن يترعرع هذا اللقيط في كنفي)؟

وعندما رأى دموعي...قال:

(من خوفي عليكِ..أقول ذلك..لقد عرّضتِ نفسكِ للخطر بهذا الأنبوب ثم الجراحة..إنه ابنكِ على كلّ حال..أقصد ابننا..هيا بنا إلى المشفى..وليفعلِ الله ما يُريد)

المخاض القاتل

جاء سليمانُ الصغير إلى الحياة..وداعبَ أذني وقلبي بصوت بكائه..وحمدتُ ربّي على كرمه.
لكنْ لم أجدْ زوجي بجانبي..كنت أودّ أن أراه ُ أباً..يحمل ابنه.. ويربّت على كتفيّ كأم.

لكنْ صعقني الخبر...بأنه مات في المشفى بنفسِ وقت ولادتي...وقالت الممرضة:

(أصيب بجلطةٍ قلبية من فرحته أو خوفهِ عليكِ..)

تلعثمتُ..وتسمّرت عيوني في وجهها..وتذكرت قوله:

(لا..ولم ولمّا ولن أكون...أباً..أبداً )