الأربعاء ١١ أيلول (سبتمبر) ٢٠١٩

عبير الماضي

محمد محضار


عندما استيقظت هذا الصباح، اكتشفت أن تغييرات مثيرة قد طرأت على جسمي، فأنا لم أعد ذلك الكهل التخين، الذي يجد صعوبة في الحركة، ويواجه مشاكل جمة في التنفس،فقد وجدتني استعيد الكثير من نشاط الشباب، ورشاقة الأيام الخوالي، اندفعت نحو المرآة المنتصبة في بهو الشقة، وإذا بي أمام منظر غير قابل للتصديق،جسم رشيق ومتناسق، وشعر أسود فاحم ينسدل على جبيني المضيء، ومحيّا مشرقا يفيض حيويّةً،اِبتسمت، ثم تراجعت إلى الخلف،واستلقيت على إحدى الأرائك التي تتوسط الصالون، بحثُ في جيب جاكيتتي عن علبة سجائري الخاصة..كانت مفاجأتـي كبيرة حين وجدت غليونا وحُقّ تبغ مكانها، حشوت الغليون بالتبغ، ثم أشعلت النار بولاعة ذهبية كانت موضوعة فوق طاولة الأبنوس الموجودة أمامي، نفثُ ذخان الغليون بنشوة. قلت لنفسي: لعل شيئا مثيرا يحدث في هذا العالم الحزين؟،وتساءلت:

"ما سر العودة إلى مرحلة ظَننْتها انتهت إلى غير رجعة؟ وهل ما يحدث لي الآن معزول، أم أنه يمسُّ كل الناس؟"

اِتجهت صوبَ النَّافذة، فتحتُها، وقفتُ مشدوها لِمَا رأيتُ. المكان غَير المَكانِ، والزّمن خارج نطاق الاستيعاب.

أنا الآن أطل على فضاء غريب، شارع شِبه خال، وسيارات قديمة تذكرني بطفولتي، تُبتُ إلى نفسي وبحثُ عن هاتفي الخلوي فلم أجده، كذلك اختفت كل الأجهزة ألإلكترونية من قبيل جهاز التلفاز المسطح، وجهاز" الدي في دي "، وحل محلها جهاز راديو قديم بإطار خشبيّ، وفجأة وقعت عيني على يومية "بوعياد" مثبتة على الجدار، اقتربت منها ببطء وحدقت في التاريخ الذي تحمله ورقة اليوم: 10يوليوز 1971، هرولت إلى غرفة النوم أبحث عن زوجتي و اِبني فلم أجدهما، غرفة النوم نفسها كانت معالمها متغيرة، وليس فيها أي شيء من الأثاث الذي اِقتنيته صحبة زوجتي منذ شهور، في الغرفة المجاورة كانت تنتظرني مفاجأة غير متوقعة، فقد وجدت والدي ووالدتي يمسكان بمذياع صغير وهما ينصتان إلى إذاعة "لندن" قال والدي:"لقد فعلها العسكر..قتلوا العشرات من الأبرياء في قصر الصخيرات الملك مصيره غير معروف".وقاطعته أمي مولولة: "اللعنة على المذبوح وعبابو، وكل من تسبّب في هذه المجزرة، لقد نسوا أن الملك خليفة الله في أرضه"

تركتهما وعدتُ مبهورا إلى بهو الشقّة، اتجهت من جديد صوب النافذة، اكتشفت أن هناك سيارة عسكرية مدرعة تقف وسط الطريق..وفي تلك اللحظة سمعت صوت طائرة مروحية تحلق في الفضاء، وأزيز رصاص يحطم سكون المكان، شعرت برعب وخوف كبيرين، وسألت نفسي بإلحاح قوي: "ماذا أفعل أنا هنا؟؟وما سر هذه الأحداث التي أعيشها كحاضر قائم، بعد أن طواها الماضي، وأبي المّيت منذ عشرين سنة كيف يستيقظ من رقدته الأبدية،ويصبح من الأحياء؟ وأمي التي تعيش بالديار الإيطالية عند أختي، كيف تقطع كل هذه المسافات البعيدة،لتحضر إلى هذه الشقة الغريبة؟.

استعدت بعضا من هدوئي، ثم اقتربت من جهاز الرديو القديم،وأدرت زر التشغيل، انساب صوت عبد الوهاب الدكالي وهو يؤدي أغنيته الشهيرة "حبيب الجماهير"، وفجأة تم توقيف الأغنية وتدخل المذيع بصوت جهوري: "أيها المواطنون أيتها المواطنات، جميع الأخبار التي تردكم عن الملك لا أساس لها من الصحة..جلالة الملك بخير"

ودون وعي مني، اندفعت نحو الغرفة التي كان بها والديّ، وهتفت بهما:

- الملك بخير،إذاعة طنجة أعلنت الخبر

أسرع والدي، يدير زر البحث عن الأمواج الإذاعية، كرر المذيع الخبر، وتدخل عامل الإقليم ليقرأ بيانا يؤكد نجاة الملك، وفشل الانقلاب، أطلقت أمي زغرودة مدوية، وقال أبي بصوت متأثر، وعيناه تترقرقان بدموع الفرح:

- الحمد لله على موت الفتنة في مهدها، اللهم احفظ بلدنا من مكر المخربين.

لملمتُ نفسي، وقررت أن أترك هذه الشقة، علني أخرج من شرنقة الماضي السحيق، الذي وجدتني مشدودا إليه دون رغبة مني.

عندما أصبحت بالخارج، تنفست الصعداء، والتفت في كل الاتجاهات أستطلع ما يدور حولي،لكن ما أشبه الداخل بالخارج، فالزمن ثابت لا يتغير، والمنظر العام محاصر بعبق السبعينيات، سألت أحد المارة عن الحي الذي أتواجد به، فأخبرني وهو يسرع مبتعدا: "هذا حي المحيط " إذن أنا في الرباط.

اِنطلقتُ اَستحثُّ الخُطى عَلى غير هدى، أبحثُ عن نفسي، وذاتي في زمن لم اَختره، ومكان لم أعش قط بين ظهرانه. بعد طول سيرٍ وجدتني في حسان، قَطعت شارع الجَزائر، حتّى ساحة بيتري، اِشتريت باقةَ ورد من"مارشي النوار"، وفجأة لاحت لي دبابات، وسيارات مصفحة، تذكّرت أن صراعا داميا، قد دار بين الإنقلابيين، والقوات النظامية للجيش في محيط الإذاعة والتلفزة، اِنتهى بسحق التمرد،ومقتل عبابو. انقضى من الوقت ردحٌ، وأنا أقف على ناصية الشارع،غارقا في شرودي، وعلى حين غرة، دوى انفجار قوي بالقرب مني، تلته لعلعة رصاص من كل الجهات، فهرولت هاربا، لا ألوي على شيء، وكان أشخاص آخرون مفزوعون مثلي، يركضون طلبا للنجاة، وفي لحظة مُثقلة بالخوف خارت قواي، ولم أعد قادرا على التّحمُّل، فتهاويتُ أرضًا، ثُمّ فقدت الوعي تماما، لكن صوتا دافئا قادما من بعيد، رنَّ في أذني، ولمسة حنان من يد لَدنة، أعادت لي صلتي بالعَالم..كان الصوت لزوجتي وهي تقول:

- ماذا دهاك يا حمّادي؟؟يبدو أنّك تَهْدِي بكلامِ غير مفهوم فتحت عينيّ بصعوبة، نظرت حولي، كانت زوجتي تجلس تحت واقية الشمس، وكنت أنا ممددا فوق الرمل الساخن بلباس البحر، هتفت بزوجتي متسائلا:

-أين أنا؟؟

ردت زوجتي بصوت ساخر:

-أنت في شاطئ الصخيرات ويبدو أن ضربة شمس، قد نالت منك تخطيت ذهولي، وقمت من رقدتي، أزحت حبات الرمل العالقة بجسمي، ثم اِتجهت صوب البحر، وألقيت بجسدي في مياهه الدافئة، انتابتني رعشة لذيذة اِمتزجَ فيها عبق الماضي، بعبير الحاضر،وسرعان ما سرى تيارها في كل حواسي،وراح يتنامى حتى وصلت درجة مطلقة من الشعور بالذات.

محمد محضار

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى