الاثنين ١ كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٣
بقلم أشرف شهاب

محمد على "عازف إيقاع أغانى لقلب نظام الحكم"

هذا الحوار ليس عاديا، لأنه يكاد يكون شهادة على قصة ميلاد أشهر ثنائى فنى فى تاريخ الغناء العربى المعاصر. كان ضيفنا محمد على يشكل مع الملحن والمطرب الشيخ إمام و الشاعر أحمد فؤاد نجم ثالوث الثورة والمقاومة. وبعد أن انفرط عقد الثلاثة رحل الشيخ إمام إلى مثواه الأخير، ورحل نجم إلى المقطم ليعيش قى منفاه الاختيارى وحيدا. وبقى محمد على مع لوحاته.. أشرف محمود مراسل ديوان العرب فى القاهرة التقى محمد على وأجرى معه هذا الحوار:

- ديوان العرب: هل يمكن أن تقدم نفسك للقراء فى كلمات بسيطة؟

- محمد على: اسمى محمد على وأنا واحد من الثلاثى الفنى الذى كان يضم الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم. من مواليد 1930، وأبلغ من العمر حاليا 74 سنة. من سكان درب المقشات خلف مسجد الصالح طلائع بمنطقة تحت الربع بالحسين.

- 
ديوان العرب: متى بدأ تعارفك مع الشيخ إمام؟ وأحمد فؤاد نجم؟
- 
محمد على: تعرفت على الشيخ إمام قبل أن يتعرف على أحمد فؤاد نجم بفترة طويلة. وقد بدا ذلك التعارف منذ طفولتى حيث كان قد جاء للإقامة عندنا فى منزلنا. وقمنا بتسكينه بعد أن كان ينام فى صحن الجامع الأزهر. ففى مرة من المرات كان واحد من سكان المنزل الذى نعيش فيه قد وجه الدعوة للشيخ إمام للطعام. وبعد أن أكل قام بقراءة بعض آيات من القران الكريم. وشعر الحاضرون بانبساط منه، وسألوه عن مكان إقامته حتى يذهبوا إليه عندما يحتاجونه. فقال لهم إنه ينام فى صحن الجامع الأزهر. وكانت والدتى رحمها الله اكبر سيدة موجودة بالمنزل. فجمعت السيدات الموجودات بالمنزل وطلبت منهن إخلاء غرفة العجين (الغرفة المخصصة لعجن الدقيق، وكانت البيوت المصرية عادة لا تخلو من غرفة للعجين وفرن لكى يتم خبز العيش فيها وكعك المناسبات حيث كان من العيب قديما أن يشترى أحد الخبز من المخابز العامة إلا لمن هم من البهوات، وكان لدينا فرن أيضا فى حوش المنزل). المهم قالت لهن نترك له الغرفة، ونفرشها له بدلا من أن ينام على الرصيف. وفعلا حدث ذلك. وكان الشيخ إمام يتمشى فى نفسى الحى، وهو حى "حوش قدم" خلف جامع السلطان الغورى بمنطقة الحسين الفاطمية القاهرية القديمة. وصار الشيخ إمام يتمشى فى الحى ليلتقط رزقه من هنا وهناك عن طريق قراءة القرآن. سواء فى الشوارع أو المآتم. ولم يكن يؤذن فى الجوامع إلا عندما اشتهر حيث صار فيما بعد مؤذنا لجامع الشيخ الفكهانى. وكان يقرأ القرآن فى الحوانيت أو البيوت.

- 
ديوان العرب: ومتى حدث أول لقاء بينكم كثلاثى؟
- 
محمد على: سأكمل لك الحكاية. كان هناك منزل تابع لأحد تجار الأحذية، كان يدعو العباقرة ليسهروا عنده كل يوم مثل الشيخ على محمود والشيخ محمد رفعت، وكبار الملحنين مثل الشيخ زكريا أحمد والشيخ مرسى جميل عزيز. وكانوا فى بعض الأحيان يغنون فى نفس المنزل. وكان الشيخ إمام كلما مر بهذا المنزل يسمع الغناء، فيقف للاستماع. وبعد تكرار هذه العادة لاحظه صاحب المنزل فدعاه للدخول بدلا من الوقوف فى الشارع. (وكان الشيخ زكريا احمد يقوم بالتلحين للسيدة أم كلثوم فى هذا المنزل أو فى ذلك الشارع حيث كان يظل يدخن الحشيش حتى ينتهى من اللحن المطلوب منه للسيدة أم كلثوم). وعندما دخل الشيخ إمام بدأ يردد معهم هذه الألحان. ولاحظوا أن صوته جيد. فاقترح عليه الشيخ زكريا احمد أن يتعلم العود. فقال له ليس معى ما يكفى لشراء العود فأعطاه خمسين قرشا، وطلب منه شراء عود. وبالفعل ذهب إمام لشراء العود. وتعلمه على يد أحد الحلاقين المقيمين بالمنطقة. وساعد على تفوق الشيخ فى العزف بسرعة أنه كان يقرأ القرآن. وقال للمعلم: "ورينى بس المقامات على العود لأننى أقرأ القرآن، والقرآن كله مقامات". وبالفعل تعلم الشيخ إمام العود. وفى نفس الوقت كان هناك شيخ يسكن فى نفس البيت اسمه عبد السميع بيومى. وكان واحدا من الذين ينشدون التواشيح الدينية فى بدايات الشهور العربية فى المساجد الكبيرة كالحسين والسيدة زينب. وكان الشيخ إمام والفنان سيد مكاوى يعملان كورس مع هذا الرجل. الاثنين مع عبد السميع بيومى يرددان خلفه التواشيح الدينية. ولكن الشيخ إمام كان وقتها متميزا عن سيد مكاوى لأنه كان يجيد العزف على العود. وقد قام الشيخ إمام بتعليم سيد مكاوى العود فيما بعد.

المهم، بعد وفاة والدتى انتقلت للسكن فى منزل مجاور للمنزل الذى كان يسهر فيه هؤلاء. واستأجرت شقة. وأنا طالع على سلم البيت لكى استأجر شقة سمعت صوت أحدهم ينادينى ويقول "مين اللى تحت"؟ فقلت أنا محمد على.. وكانت الصوت هو صوت الشيخ إمام. واكتشفت أن صاحب العمارة الأول قد اشترط على المالك الجديد أن يترك للشيخ إمام الإقامة فى الغرفة الموجودة على السطوح مجانا مدى الحياة.

ونزل الشيخ إمام من غرفته. وقال لى: كويس إننا اتجمعنا. هل ستسكن فى هذا المنزل فقلت له نعم. سوف استأجر شقة. وكانت هذه منفعة للشيخ إمام لأن الغرفة التى كان يسكنها لم يكن بها دورة مياه ولا حتى حنفية. وبالتالى كان الشيخ إمام يضطر للذهاب لقضاء حاجته فى المسجد القريب. ولكن بعد سكنى توافر له الحمام والمياه. وانبسط وعشنا سويا. وفى آخر كل ليلة يصعد الشيخ إمام إلى غرفته لينام ويصحوا مبكرا ليقيم معى فى شقتى. وكان الكلام هذا تقريبا فى 1960 أو 1961.

- 
ديوان العرب: ومتى انضم إليكم أحمد فؤاد نجم؟
- 
محمد على: فى سنة 1962 تقريبا جاءنا أحمد فؤاد نجم. وتم التعارف عن طريق واحد اسمه سعد الموجى، وهو من عائلة الموجى المعروفة. وكان الشيخ إمام أيامها يغنى من أعمال الشيخ زكريا أحمد. وقال له أحمد فؤاد نجم.. نريد أن نسمع منك شيئا فأمسك الشيخ إمام بالعود، وغنى من أغانى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. فسأله نجم.. لماذا لا تغنى لنفسك شيئا؟ فرد عليه نجم قائلا: مش لاقى كلام حلو.. فقال له اسمع القصيدة دى.. وبالفعل كانت أول قصيدة يغنيها الشيخ من أشعار أحمد فؤاد نجم. وكان اسمها "أنا أتوب عن حبك أنا". وبعد أن لحنها الشيخ إمام عرض اللحن على أحمد فؤاد نجم الذى أعجب به. فنظر لى وقال لى الشقة دى بتاعة مين؟ فقلت له بتاعتى أنا. فقال لى نجم.. ممكن أقعد معاكم هنا؟ فقلت له ممكن. فأخرج من جيبه مفتاح الغرفة التى كان يسكن بها ورماه من الشباك إلى الشارع. وكانت تلك الغرفة فى الحسينية. ولما رمى المفتاح قلت له.. طيب على الأقل اذهب وأحضر فراشك وملابسك. فقال: لا.. سأنام هنا على الأرض. وبدأنا المسيرة.. نجم يكتب حاجات عاطفية وإمام يلحنها، وأنا أستمع إليهما.

- 
ديوان العرب: ومتى بدأ تشارك بضبط الإيقاع؟
- 
محمد على: فى ذلك الوقت كنت أنا أعمل صائغا للفضة والذهب. وفى يوم من الأيام حدث خلاف بينى وبين أخى فقررت ترك العمل فى سوق الصاغة. وكان معى ساعتها الشيخ إمام فقال لى: إنت بتعرف تمسك إيقاع كويس.. ليه ما تشتغلش معانا؟ وتسيبك من شغل الصاغة؟. وهو ما حدث فعلا. لأننى كنت أجيد ضبط الإيقاعات لأننى منذ صغرى كنت أشارك فى حلقات الإنشاد الدينى، وأضبط الإيقاع فى تلك الحفلات. المهم بدأت مع نجم وإمام. وكنت أنا عازف الإيقاع والكورس الوحيد فى كل أغانيهم حتى وفاة الشيخ إمام.

- 
ديوان العرب: مرت عليكم فترة من الصدام مع الحكم..
- 
محمد على: مرت علينا فترات من الصدام مع السلطة منذ أيام عبد الناصر.. فقال له محمد حسنين هيكل: دى صرخة جوع. واقترح عليه أن نعمل فى الإذاعة والتليفزيون. وبالفعل دخلنا الإذاعة والتليفزيون على أساس أننا سنشبع ونخرس كما خطط هيكل. وعملت أيضا ضابطا للإيقاع معهم فى التليفزيون. وكان الأستاذ رجاء النقاش جزاه الله خيرا يقدم لنا برنامج نصف ساعة يوميا فى التليفزيون اسمه "من ألحان الشيخ إمام". وأحضر لنا مطربين مثل لبلبة ومحمد رشدى الذين أخذوا منا أعمالا. وبالفعل كان من أحسن ما غنته لبلبة أغانى مثل: "يا خواجة يا ويكا يا بتاع أمريكا، يا حرامى العامل جوه الفابريكا"، وغنت أغنية: "شعبان البقال عقبال الأنجال اتوظف واتنظف واتعدل له الحال". وغنى محمد رشدى أغنية "دلى الشيكارة"، وأغنية "الغربة". و غنت فايدة كامل أغنية "حى على الكفاح"، و أغنية "شوف الحكاية". يعنى عدة مطربين أخذوا من كلمات نجم ومن ألحان إمام. وظللنا نقدم البرنامج ونقول فيه كل ما نريده بالتليفزيون دون أن يمنعنا أحد. لدرجة أن أغنية "جيفارا مات" لما مات المناضل العظيم جيفارا. استأجرت السفارة الكوبية ساعة فى التليفزيون وساعة فى الإذاعة وأذاعوا الأغنية. ولكن بعد شهر. وبعد دخولنا الإذاعة لاحظ عبد الناصر أن مريدينا يزدادون. وأننا لم نتوقف. فقرر الإيقاع بيننا وتعيين الشيخ إمام على الدرجة الثالثة مكرر. فامتنعنا عن الذهاب رفضا لهذا الإقلال من قيمة الشيخ إمام. فصدر أمر سياسى بتلفيق قضية مخدرات لنا. وعلمنا أن عبد الناصر كان يريد اعتقالنا. ولكن هيكل أشار عليه بالقول: "لو اعتقلتهم ستصنع منهم أبطالا. ومن الأحسن أن تلفق لهم قضية مخدرات". وبالفعل، حصل ذلك. حوالى سنة 1966 تقريبا.

- 
ديوان العرب: وماذا فعلتم وقتها؟
- 
محمد على: فى ذلك الوقت لم نكن نجد ثمن الطعام الذى نأكله. فقام رجاء النقاش بجلب إعلان عن سيجارة ماركة "فلوريدا"، وغنيناه بعد تلحينه. وكان الشرط ألا نضع أسماءنا على الإعلان. المهم أننا عندما ذهبنا إلى المنزل وجدناه محاصرا بالمخبرين والضباط "العتاولة" فى انتظارنا نحن الثلاثة. وسألونا: أين كنتم؟ فصارحناهم بأننا كنا نقوم بتسجيل إعلان عن السيجارة. فقاموا بتجريد الشيخ إمام من ملابسه وملأوها بمادة الحشيش المخدرة. وفتح الضابط درج مكتبه وأخرج منه كيس مخدرات، وقال لى: هذا الكيس يخصك. وسألنى أين أحمد فؤاد نجم؟ فقلت له: إنه تركنا فى العتبه ليذهب لخطيبته فى إمبابة. فذهبوا إليه عند خطيبته. وقاموا بوضع قطعة حشيش فى جيبه. ولفقوا لنا القضية. وكان عبد الناصر قد رتب أن تصدر جرائد اليوم التالى، وبها مانشيت أننا ندير هذا المنزل لتجارة الحشيش وللتعاطى باسم الفن. ولكن عندما جاءوا للقبض علينا كانوا قد وجدوا بعض الناس فى الشقة قبل وصولنا أنا وإمام للمنزل. وهؤلاء الناس كانوا من فئات محترمة ورتب عالية فى البلد، ومعروفين. وكانوا فى انتظارنا أنا وإمام. وعندما ألقى البوليس القبض على أولئك الناس أذاعت وكالات الأنباء الخبر فى كل مكان. وتم عرضنا على القاضى بعد ثلاثة أيام فسأل القاضى أحمد فؤاد نجم..همه بيعملوا لكم القضية دى ليه؟ فقام نجم وقال: "علشان بنقول الكلمة الشريفة". فقال القاضى: على فكرة كل الشرائط بتاعتكم عندى. وسوف أفرج عنكم بكفالة. وسوف أدفع لكم الكفالة من جيبى أنا الشخصى. وكان نموذجا لا ننساه من الناس المحترمين. وحتى ونحن فى المعتقلات كنا نجد أن بعض الضباط الكبار المشرفين على سجننا يحضرون لنا الطعام من منازلهم. ومنهم العقيد نور جزاه الله خير الذى استقال من الخدمة فيما بعد. المهم أننا قلنا للقاضى لا يا سيادة القاضى لأننا لو خرجنا لباب القاعة فقط وجمعنا من كل فرد عشرة قروش فقط فسنستطيع أن نجمع قيمة الكفالة. وفعلا دفعنا الكفالة من جيوب الناس. وبعد عشرة أيام فقط من خروجنا من هذه القضية. أصدر عبد الناصر أمرا باعتقال الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم مدى الحياة. وظلوا معتقلين.. حتى جاءت ثورة التصحيح.. وجاء الخول الذى تلى عبد الناصر، وأخرج المعتقلين، وأدخل مكانهم معتقلين جددا من بينهم وزير الداخلية شعراوى جمعة الذى كان قد أدخل نجم وإمام المعتقل. ولكن هذه المرة فى الاعتقال كانت مفيدة جدا لنجم والشيخ إمام، لأنهم أنجزوا خلالها مجموعة من أفضل أعمالهم. وقد جمعهم المعتقل مع مثقفون كبار مثل المرحوم لطفى الخولى.

- 
ديوان العرب: والفترات التى كانوا معتقلين فيها ماذا كنت تفعل أنت؟
- 
محمد على: كنت قد وصلت إلى درجة من الإفلاس لدرجة أننى قمت بالعمل على عربة لبيع البطاطا المشوية فى الشوارع. أدور بها فى الطرقات وأتسكع على الأرصفة لأبيع بقروش قليلة. وكنت أجمع حصيلة ما أبيعه، وأشترى به طعاما لى، وطعاما وملابس للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم. لأنه كان ممنوعا عنهما الزيارة من أى أحد -حتى أقاربهما- إلا أنا فقط رغم أننى لست قريبهما. وكنت أقضى معظم الوقت وحيدا. وفى يوم من الأيام ومن الوحدة والملل، أحضرت قطعة من الفحم، وقمت برسم الشيخ إمام على الجدار. وكانت أو مرة أرسم فيها. وفعلا رسمت الوجه وجدت أننى رسمته جيدا.. فبدأت أرسمه فى أشكال مختلفة جالسا على كرسى أو ماسكا للعود. وفى إحدى المرات كان هناك واحد من الفنانين العظام هو الشاعر القاص الرسام الفنان محمد جاد الرب فى زيارتى فلاحظ الرسم فسألنى من هذا؟ فقلت له: هوه مش باين من الرسم ده مين؟ فقال: أنا عارف إن ده الشيخ إمام. لكن مين إللى رسمه؟ فقلت له: أنا الذى رسمته. فقال: مهو انت عندك موهبة ممتازة. وطالبنى بالاستمرار فى الرسم. فقلت له: ليس لدى أى إمكانيات للرسم. فقال لى: مالكش دعوة. أنا ها أسيبك ساعتين. وفعلا عاد بعد ساعتين ومعه شنطتين مليئتان بأدوات رسم. وأعطانى عشرة جنيهات. وقال لى كل و اشرب وارسم. وفعلا.. بدأت أرسم. وكان يأتينى كل أسبوع ليشاهد ما قمت برسمه، ويشجعنى. حتى جاءت مذبحة أيلول الأسود وسمعت عنها فى الراديو فانفعلت بها. وبدأت أرسم مواضيع عنها. وبعد أن انتهيت من الرسم ذهب محمد جاد الرب، و أحضر معه مدير قصر ثقافة الغورى ( وكالة فنية فى منطقة الغورية بالحسين بالقاهرة القديمة. وهذه الوكالة الأثرية كانت قصرا للسلطان الغورى ومنه اشتقت اسمها). وبعد أن شاهد الضيف اللوحات أعجب بها، وقال إنه سينظم لى معرضا. وأرسل فى طلب الفنان بيكار، والفنان عبد الفتاح الجمل وأحد نقاد الفن التشكيلى. وطلب منهم الرأى قبل أن يقيم معرضا للوحاتى. وبالفعل شاهدوا الأعمال وسألوه عن الرسام الذى رسم هذه الأعمال. فحضرت. وكان بيكار قد شاهد اللوحات ولكنه قال لى تعالى فرجنى على الشغل بتاعك. فعرضت عليه أعمالى فسألنى: "انت شيوعى؟". قلت له أنا لا أعرف القراءة ولا الكتابة.. فكيف يمكن أن أكون شيوعيا؟؟ الشيوعى لازم يكون يعرف يقرا ويكتب. فقام واحتضننى وقبلنى. وقال لى: أرجو أن تبقى محمد على كما أنت. لا تتأثر بأحد. ارسم ما يحلو لك، وزر معارض فنية. ولكن لا تتأثر بأحد. و اختار عبد الفتاح الجمل ثلاث لوحات، وقال لى: إنه يريدهم بعد المعرض. وعندما خرج نجم وإمام من المعتقل وجدوا أن الصحافة كلها كتبت عنى. فقالا لى: الله! إحنا سايـبـينك بعقلك.. إيه اللى جننك؟.

- 
ديوان العرب: كم مرة تم اعتقالك؟
- 
محمد على: مرتين بسبب أننى أيام السادات أيام ما كان بيهلفط (يردد تخاريف وكلاما أبله)، ويقول أننا لا نستطيع أن نحارب أمريكا، وكلاما عن الضباب والعلاقات وما شابه. فقمت برسم حمار ماشى فى طريق الضباب.. ورسمت الوجه وجه السادات، والجسم جسم حمار. فقام العيال ولاد الكلب بتوع جامعة القاهرة.. وأخذوا الصورة وطبعوا منها بالآلاف، وعلقوها على الجدران. فجاءنى البوليس إلى المنزل. ولكن الصورة لم تكن موجودة بالمنزل. فقالوا: لا إحنا مش جايين نقبض عليك إحنا جايين نتفرج على أعمالك الفنية. وتركونى ومشوا. وصدر أمر بالقبض علينا نحن الثلاثى بعدها مباشرة. وتحرجت الحكومة من أن تقول أن تهمتى هى رسم وجه الرئيس السادات على شكل حمار، فقالوا إن تهمتى أننى "عازف إيقاع أغانى لقلب نظام الحكم"!! هذا كان نص التهمة. وكان المحامى المعروف أحمد نبيل الهلالى سليل الباشاوات هو المحامى الذى يدافع عنى. وعندما دعانى القاضى، وقف الهلالى بصفته وكيلا عنى. فقال له القاضى تفضل.. فقام الهلالى وأخذ يدق بيديه على مكتب القاضى على شكل إيقاع أغنية. فسأله القاضى ما الذى تفعله يا سيادة المحامى المحترم؟ فقال له الهلالى: هذه يا سيدى القاضى تهمة موكلى.. تهمة محمد على هى الطبلة.. طبلة محمد على هى التى ستقلب نظام الحكم يا سيدى القاضى.. إذا كانت طبلة محمد على هى التى ستقلب نظام الحكم.. فماذا ينتظر السادات؟ لماذا لا يرحل؟ فانفجر جميع من كانوا فى قاعة المحكمة ضاحكين. فأعطانى القاضى حكما بالبراءة. ولكن السادات عاد مرة أخرى واعترض على حكم القاضى.. واعتقلنى للمرة الثانية.

- 
ديوان العرب: لاحظنا أن تراث الشيخ إمام ونجم أصبح عرضة للضياع. فكيف يمكن أن نحميه قبل فوات الأوان؟
- 
محمد على: نعم. فشرائط الكاسيت التى كنت أنسخ منها تتعرض للتلف بسرعة. ولكننى أسعى حاليا لحفظها على مجموعة اسطوانات سى دى رقمية.

- 
ديوان العرب: سمعنا كلاما كثيرا ومن هنا وهناك عن حقيقة الخلافات بين نجم والمرحوم الشيخ إمام. ولا أدرى ما هى الحقيقة. فهل يمكن أن توضح لى بعض الحقائق؟
- 
محمد على: كل ما يتردد عن هذا الخلافات كلام فارغ. ولا أساس له من الصحة. مسألة أن نجم اتهم إمام أو أنا أننا أخذنا فلوسه هذا كلام فارغ. ونجم أسهم فى تخريب حفلات الجزائر بسبب هذه الإشاعات. فعندما ذهبنا للجزائر تزوج هو من الفنانة الأولى فى الجزائر.. الفنانة سونيا. وجلس بجانبها. ونحن كنا نسافر أنا وإمام للغناء. فالناس بدأت تتساءل عن سر غياب نجم عن الحفلات. فكنا نعتذر ونتحجج بأنه مريض. فكانوا يقولون لا هو ليس مريضا لأننا شاهدناه مع سونيا فى أماكن مختلفة. فلماذا لا يحضر الحفلات. ومن هنا انتشرت الشائعات. ولهذا سعى نجم لكى يوقفنا نحن أيضا لكى يكون الغياب جماعيا وليس غيابه بمفرده. ولكننا رفضنا. ولهذا قال كلاما سيئا جلب لنا العار.

- 
ديوان العرب: زيجة نجم من الفنانة سونيا لم تستمر أكثر من ثلاثة شهور فهل حدثت كل تلك الخلافات فى ثلاثة اشهر؟
- 
محمد على: لا.. الخلافات حدثت فى أقل من شهر. وتصاعدت نيرانها لتلتهم الثلاثى.

- 
ديوان العرب: هل يمكن أن توضح لنا أكثر؟
- 
محمد على: لا أنا لا يمكن أن أتحدث عن هذه العلاقة بأى شكل من الأشكال. وقد عرض بعضهم على مبلغا كبيرا لأكتب مذكراتى واشرح حقيقة ما حصل. ولكننى رفضت. وقلت لهم الذى يمكن أن يفعل ذلك هو أحمد فؤاد نجم وليس أنا.

- 
ديوان العرب: ولكننى أنا شخصيا قابلت نجم، وواجهته ببعض ما قيل عنه وعن حكاياته مع عادل حمودة ومع نجيب ساويرس عندما ادعى أنه كان يشارك معه فى المظاهرات أيام الدراسة.. وقال كلاما كثيرا.
- 
محمد على: هوه ده نجم..هوه ده نجم.. نجم هوه السبب فى كل حاجة. انت ما تعرفش نجم كويس.. انت لو لم توافق على رأى نجم. سيتهمك بتهمة من اثنتين إما انك مدعى أو مباحث. وهوه بيقول انه شيوعى بعلو الصوت، وأنا مش معترف به كشيوعى.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى