

عن خمريّات أبي نُـوَاس
اتصلت بي السيدة بسمة كراشة، وهي مذيعة جزائرية تعمل في محطة الإذاعة البريطانية- (B.B.C) تسألني عن رأيي في خمريات أبي نواس، وذلك على ضوء صدور كتاب
Vintage Humour: The Islamic Wine Poetry of Abu Nuwas للكاتب الإنجليزي د. أليكس رويل- Alex Rowel يذهب فيه إلى أن خمريات أبي نواس هي ذات أبعاد صوفية.
لم أطلع على الكتاب، ويستلزم النقاش أولاً أن أقرأ دعاوي المؤلف، وكيف بناها أو كيف توصل إليها.
لكني استبعدت مسبقًا أن يكون ذلك كذلك على ضوء هيامه بالخمرة وما يصاحبها من خلاعة ومجون.
يقول أبو نُوَاس (بضم النون وتخفيف الواو):
ما زلت أستلُّ روحَ الدنِّ في لُطُفٍوأستقي دمه من جوف مقروححتى انثنيت ولي روحان في جسديوالدنّ منطرح جسمًا بلا روح
ها هو الشاعر يفرد للخمريات بابًا مستقلاً، فجعل له عالمًا خمريًا متكاملاً وفي قصائد مستقلة، بل في قالب قصصي، ذكر فيه الساقية ومجلس الشراب والندامى والحانة، وذكر فيه الجواري والغلمان والغزل بالمذكر.
ترك أبو نواس الوقوف على الأطلال، وبدأ قصائده بذكر الخمرة، وأحيانًا بنوع من الاستهانة بالعرب وتقاليدهم:
لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هندواشرب على الورد من حمراء كالوردفالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤةفي كفّ جارية ممشوقة القدّتسقيك من طرفها خمرًا ومن يدهاخمرًا فما لك من سكرين من بد
وصف الخمرة بألوانها وتأثيرها وما تقادم منها، فهي الدواء للداء- يقول ذلك بنوع من تأثره بالفلسفة، حيث كان الشاعر مثقفًا مطلعًا على العلم الذي عُرف في عصره:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراءوداوني بالتي كانت هي الداء
يخاطب الشاعر هنا إبراهيمَ النظّام الشيخ المعتزلي، وكان يشير إليه بحرمة الخمرة وأنها كبيرة، وكان يقول له: إن الله لا يعفو عن مرتكب الكبائر.
يجيبه الشاعر:
فقل لمن يدعي في العلم معرفةحفظت شيئًا وغابت عنك أشياءلا تحظرِ العفوَ إن كنتَ امرأً حرِجًافإن حظرَكَه بالدين إزراء
ذكرت أنه سخر من حياة العرب، وهو يربأ بالخمرة أن تكون قريبة منها، فالوقوف على الأطلال والبكاء عليها لا يعني الشاعر، فالبكاء هو على افتقاد الخمرة:
لتِلكَ أَبْكِي، ولا أبكي لمنزلةكانت تحُلّ بها هند وأسماءحاشا لدرّةَ أن تُبنى الخيام لهاوأن تروح عليها الإبل والشاء
و في هذا المعنى يقول:
عاجَ الشقِيّ على دارٍ يُسائِلُهاوعُجت أسأل عن خمّارة البلدقالوا ذكَرْتَ ديارَ الحيّ من أسَدٍلا درّ درُّك قل لي: من بنو أسد؟ومن تميمٌ وقيسٌ وإخوتهم؟ليس الأعاريب عند الله من أحدكم بَيْنَ من يشْتَري خمراً يلَذّ بهاوبين باك على نُؤيٍ، ومُنْتَضَدِ!
ويقول:
قل لمن يبكي على رسم درسواقفًا ما ضر لو كان جلس؟اتـركِ الـرَّبْـعَ ، وسَـلمي جـانـبـًاواصطبحْ كَرْخيّة ً مثل القبسْبنْتُ دهْرٍ، هُجرتْ في دنّهاورمتْ كلّ قَذاة ٍ ودَنسْكَدَمِ الجوْفِ، إذا ما ذاقَهَاشاربٌ قطّب منها وعبسْ
ومن الصور الساخرة التي تدل على تعشقه الخمرة واستهتاره بالدين:
وضَعِ الزّقّ جَانِباًومـعَ الـزّقّ مُصْـحَـفَــاواحْسُ من ذا ثلاثَة ًواتلُ من ذاك أحرفاخـيْـرُ هـذا بـشَــرّ ذافإذا الله قد عفافلقد فازَ من مَحَاذا بِـذا عـنــهُ ، واكْـتَـفَـى
دعا أبو نواس إلى التنعم بالشراب، وثار على التقليد منطلقًا من نظرة شعوبية، فخصص الخمر في قصيدة مستقلة، وأدخل الجو القصصي في تفاصيل أبدع في عرضها.
هو جريء في طلبها رغم الجو الإسلامي من حوله، ويبدو أن عصره ساد فيه تياران يتعايشان معًا:
تيار المجون والجواري بكل ما يستلزم ذلك من أجواء، وتيار الزهد والعبادة.
ولم يكن في حينه ذلك التهديد الذي يلحق بكاتب كان يدعو إلى الإلحاد، أو ذلك الرفض القاطع لقصائد الغزل، وحتى الغزل بالمذكر كان له شعراؤه ورواده ومريدوه.
يقول أبو نواس، وهو شاعر تردد على بلاط الخلفاء العباسيين:
ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمرولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهرفما العيْشُ إلاّ سكرَة ٌ بعد سكرة ٍفإن طال هذا عندَهُ قَـصُــرَ الـدهــرُفَبُحْ باسْمِ من تهوى، ودعني من الكنىفلا خيرَ في اللذّاتِ من دونها سِتْرولا خير في فتك بغير مجانةولا في مجون ليس يتبعه كفر
فقُمنـا إليه واحدًا بعدَ واحِـدٍفكـان بهِ من صَـومِ غُـربتنـا الفِــطــرُفبِتنا يرانا الله شَرَّ عِصابة ٍنجَرّرُ أذْيالَ الفُسوقِ ولا فَخْرُ
جدير بالذكر أن أبا نُوَاس في أخريات حياته عاد إلى الزهد، وله عدد من القصائد الدينية، على نحو:
يا رَبَّ إن عَظُمَت ذُنُوبی کَثرَهًفلقد عَلِمتُ بِانَّ عُفوکَ أعظَمُإن کانَ لايرجُوکَ الا مُحسِنٌفبِمَن يَلُوذُ و يستجِيرُ المُجرِمُ؟أَدعوکَ رَبِّ کما أمَرتَ تَضَرُّعًافإذا رَدَدتَ يَدَي فَمَن ذا يرحَمُما لي اليکَ وسيلهٌ الاّ الرَّجاوجميلٌ عَفوِکَ ثُمَّ أنّي مُسلِمُ
ومنها:
إلـٰـهنا ما أعدلكمليك كل من ملكلبيك قد لبيت لكلبيك إن الحمد لكوالملك لا شريك لكما خاب عبد أمّلكأنت له حيث سلكلولاك يارب هلك