(أفكار متمردة) تثير الجدل
كتابٌ مثيرٌ للجدل يناقش قضايا تمس وجودية الانسان ومجتمعه، يدخل في المحظور ويلامس الخطوط الحُمر في المجتمعات، يعرّي الحقائق بشفافية ووضوح؛ تتناول الكاتبة فيه جدليات الفكر السياسي والمواقف الثقافية، وتنتقد الوقائع الإعلامية والنخب الفكرية، معتبرة اننا نمر بمرحلة "إنثقاف حضاري"تتطلب منا جرأة فكرية نراجع فيها إرثنا الانساني، ونعري فيها صور الاشياء كي نرى حقائق الأمور.
في الكتابِ أفكارٌ تتمرد على زيف الواقع في مجتمعات احترفت الخداع، ويعكس ايمان الكاتبة بكونية الانسان التي تتخذ من اللاعنف شعارًا لها، وهي تصرّح انها لا تعتنق ايديولوجيا ولا تدعو الى فكر جديد.
الكتاب جاء بعنوان "أفكار متمردة: في الفكر والثقافة والسياسية ’’ وهو صادر عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة ويقع في 212 صفحة من القطع المتوسط، ويضم سبعة أقسام تناولت فيه الكاتبة محاور عدة، اولها محور "السُّلطة"حيث ناقشت فيه تكنولوجيا السلطة الرعوية، وحال المواطن في خطابها، كما تعرضت لما اسمته "البلطجة"بذريعة الإدارة، لتنتقل الى معالجة إشكالية المثقف مع السلطة،عارضة لانواع المثقفين في ظل الأنظمة.
أما محور الإعلام فيعالج علاقة الثقافة بالإعلام بوصفه أحد مفرداتها، كما تَصف الكاتبة الاحداث الثقافية بالكرنفالات منتقدة عصر الفيديو كليب، حيث تناولت تجارب الفضائيات في ظل تكرار الإعلاميين، وسقوط القنوات في فخ المذيع النجم، متناولة بعدها نظرة الوسائل الإعلامية الغربية الحالية للعالم العربي، لتنتهي الى ان لوسائل الاتصال دور مهم في إثراء الحوار.
ويظهر العمق الانساني جليًّا في محور "الانسان"حيث يطرح المفهوم الكوني والوجودي للكائن البشري طالما أنّ الكينونة الإنسانية ليست مغيّبة عما هو كائن، فيستطيع القارئ تلمس شغاف الإنسان بين الواقع والمثال، وكيف عالج الفكر الإسلامي الكلاسيكي والحديث مفهوم الانسان، ناهيك عن موقعه في خطاب الإسلام السياسي المعاصر.
الكاتبة مروة كريدية من دعاة اللاعنف وتؤمن ان حل القضايا السياسية وغيرها لا يكون بالعنف وتدعو الى الممانعة السلمية فقط، وتطرح اشكالية خطاب العنف بين الثقافة والسياسة، لتناقش بعده مفهوم العنف في الارث الميتولوجي عبر ثقافة ’’القربان’’، ثم تعرض للآثار النفسية لعنف الحروب، مؤكدة على ضرورة تفكيك أيديولوجيا الإرهاب والعمل على حل الاسباب الكامنة وراء نشوئه.
وتنقد بجرأة العقل الديني و تقترب من الخطوط الحمراء بكل موضوعية عبر محور تفكيك أيديولوجيا الفكر الأصولي، لتستنتج ان العنف هو أزمة هويّة في عصر الإنسان الأدنى.
وتحت عنوان الدين والمقدس تناقش الظاهرة الدينية والحروب الطائفية، لتتساءل في عنوان آخر هل نحن على أبواب عصر اختفاء الأديــــان؟
وفي سجال فكري عميق يتناول المحور السادس أزمة القيم واختزال المقدس في عصر التعقــيدات،حيث يناقش المفردات بمنحى فلسفي وتحت عنوان "الحقيقة"تناقش الكاتبة موضوع توظيف "الحقيقة"ومصادرتها في السجالات الفكرية وتعرض لموضوع السيطرة وعلاقتها بالتأريخ، لتخلص الى ان الحقيقة متعددة لتعددية دلالتها ولنسبية المعايير.
في المحور الاخير طرح ٌ لرؤية فلسفية كونية من خلال عقل تواصلي حضاري يؤمن بتعددية الثقافات التي تنتمي لمستويات واقع متعدد في اطار وحدة الوجود، حيث تعطي الكاتبة بعدا آخر للذات الانسانية ولمفهوم الهوية الكونية.
وعلى غلاف الكتاب تقول الكاتبة:
"يعد هذا الكتاب وقفة عارية أمام الروح، وأمام المجتمع، ينتقد المجتمع بحبّ كبير، لا يهدف إلى انتقاص أحد من الخلق، كما ليس المراد منه تسويق أي فكر أو دعوة لأية أيديولوجيا، ولا أدَّعي فيه علماً ولا فلسفة ولا وصلاً بأحد، هو مجرّد مجموعة خواطر وأفكار مبعثرة، بعضها دونته على شكل مقالات خلال الأعوام المنصرمة، وهو لا يرقى بحال من الأحوال لأن يكون بحثاً علميّاً أكاديميّاً جادّاً، كما لا يخلو من التناقض والتكرار، أما التناقض فهو؛ كما أراه؛ تكاملٌ، فلا يوجد تطابق كامل أو تناقض تام بن الأشياء بل إن كل كائن كون قائم بذاته له واقعه وبيئته الخاصة به دون سواه، فالأشياء لا متناهية وتنتمي لمستويات واقع متعددة.
فلنقف دقيقة صمت عراة أمام أرواحنا.. ونخرج من’’ذواتنا الاجتماعية’’.. نعرّي كل شيء.. سنرى عندئذ فطرة سويّة عذراء لا تفرق بين الكائنات والموجودات، فطرة كونية تسْبَح في رحاب كون واسع."
الكاتبة في سطور:
مروة كريدية
كاتبة لبنانية من مواليد بيروت عام 1974، عَملت في ميادين ثقافية عدّة ولها العديد من الدراسات والابحاث الميدانية في الانتربولوجية وعلم الاجتماع السياسي، وقد اشتغلت منذ أواسط التسعينيات في العديد من المراكز الثقافية درست الانسانيات وتخرّجت من الجامعة اللبنانية عام 1996، كما حصلت على البكالوريوس من الجامعة الاسلامية في بيروت من العام نفسه.
شاركت في أعمال حوار الاديان واللاهوت المقارن في جامعة القديس يوسف، وهي ناشطة في الميدان الثقافي في العديد من المؤسسات الفكرية.
شاركت في العديد من المؤتمرات والندوات العربية والدولية،و تعمل حاليا ككاتبة متعاونة مع بعض الصحف الخليجية والمجلات العربية، كما عملت مراسلة لبعض وسائل الإعلام، وهي ناشطة في ميدان القضايا الثقافية والدراسات ولها العديد من الخواطر الشعرية والاعمال التشكيلية.
من ابحاثها:
حوار الحضارات بين العقلية الدوغمائية والعقلية التواصلية
المواطنية في مجتمع متعدد.
من اصداراتها:
معابر الروح – مجموعة شعرية
أفكار متمردة - في الاجتماع السياسي.
