إبراهيم سعد الدين يواصل تفرده
بطريقته القديرة، وبرصانة أسلوبه وبلاغته وروعته، صاغ الأديب إبراهيم سعد الدين رائعته "فحل التوت"، ليضعنا أمام إبداع طال غيابه عنا وطال اشتياقنا واحتياجنا إليه.
فى جو ريفى تدور أحداث المجموعة بقصصها الخمس: فحل التوت، القط البرى، رحيق الأرض، خبز منتصف العمر، آخر من تبقى منهم. بشخوص وأماكن وسمات تم اختيارها اختيارا دقيقا ذكيا، فهى، حتى وإن كانت، شخوصا أو أماكن، عادية أحيانا، إلا أن لديها ما يجعلها أهلا للحكى عنها.
يستهل الأديب كتابه بتهيئة القارئ لما سوف يأتى، من خلال تذكر حكايات الجدات لتسريب شعور خفى للمتلقى بأنه سيقرأ "حكايات"، فى محاولة ذكية لجعله يستقبل القصص بقلب وعقل منفتحين لتقبل هذا السرد الممتع الأخاذ الذى حرص كاتبه أن يترقرق إلى النفوس دون حواجز ودون تصنع أو افتعال أو تفلسف.
مجموعة "فحل التوت" تبدو وكأنها فعلا حكايات تحكى شفاهة، لكن حين تصر على الإفلات مما أراده كاتبها لك كمتلقٍ، وتصمم على تناولها بعقل فاحص وذائقة مدققة فإنك تجد نفسك مأخوذا بروعة هذا الإبداع الفذ.
يحسب للأديب إبراهيم سعد الدين محاولاته المخلصة فى إعادة الإبداع الأدبى لسماته التى تخلى عنها فى الآونة الأخيرة بتخليه عن عنصر التشويق أو الجذب للقراء، فهو يحاول، ويؤكد من خلال كتاباته أنه لا تعارض بين الإبداع المتميز وبين جذب القارئ، فتجده ـ وبفنيات عالية ـ يجعلك مشدودا لقراءته دون أن يتنازل ولو قليلا عن الاعتبارات الفنية والإبداعية الواجبة.
"فحل التوت" نسج بديع لقص مختلف، تستشعر وأنت تتابعه مدى استمتاع كاتبه بنسجه وسعادته حين يحوِّل ما فى قريحته كمبدع إلى نصوص أدبية حقيقية، ولا يفوتك وأنت تتابع القراءة أن تسأل نفسك بدهشة "كيف خطر هذا بباله؟ كيف استطاع تكوين هذا العالم؟ كيف تمكن من نحت تلك الأسماء؟"
قالَ يُحَدِّثُ نَفْسَه المُثْقَلَةَ بالهَمِّ وهو جَالِسٌ على السَّاقِيَةِ التي شَهِدَتْ مَلاعِبَ طفولتَه وفُتُوَّةَ شَبَابِه ورَدْحاً لا يُسْتَهَانُ به من كهولته، مُسْنِداً ظَهْرَه إلى الجُمَّيْزَةِ التي طَالَمَا اعْتَلاَهَا وخَتَنَ(7) عَقْدَهَا وخَبَرَ مَذَاقَ ثَمَرِهَا الحُلْو: أهَذا مَا رَجَوْتَه من الله وانْتَظَرْتَه بِصَبْرٍ طِيلَةَ عُمْرِكَ يا محَمَّدْ يا مِنيسي..؟! وبَلَعَ رِيقَه مُسْتَطْرِداً والإحْسَاسُ بالهَوَانِ يَشْمَلُه من قِمَّةِ رأسِهِ إلى إخْمَصِ قَدَمِه: وأنْتِ يا بِنْت الشِّيخْ مِصْبَاحْ.. يَا مَنْ حَجَجْتِ معي بَيْتَ الله ودَعَوْنَا مَعاً بِقَلْبٍ وَاحِدٍ أنْ يَرْزُقَنَا الخَلَفَ الصَّالِحْ.. مِنْ أيْنَ أتَيْتِ بهذه الجِيفَةِ السَّوْدَاءِ لتكونَ رُقْعَةَ عَارٍ وشَنَارٍ في ثَوْبِنا الأبْيَضْ؛ الثَّوْب الذي ظَلَّ نَاصِعَ البَيَاضِ لا تُخَالِطُ بَيَاضَه شَائِبَةٌ مُنْذُ هَبَطَ أوَّلُ مِنيسي على هذه الأَرْضْ..؟!
بهذا الصفاء الرائع صيغت "فحل التوت" التى لم ينس صائغها إبراهيم سعد الدين أن يضفى ـ كعادته ـ على قرائه مزيدا من الرعاية بوضع علامات الإعراب (التشكيل) على كلماتها، حرصا منه على سلامة القراءة وعلى الحفاظ على بصيص النور الذى كاد ينطفئ فى ألسنة قراء العربية.
"في الشُّهور التي كان أبي يَقْضيها معنا لم تَكُنْ أُمِّي تَبْرَحُ الدَّارَ إلاَّ لقضاءِ حاجةٍ أو عَوْدِ مَريضْ. وحين يكونُ على سَفَرٍ يجيءُ أهْلُ البلادِ في طلَبِها فأصْحَبُها إلى الأفْرَاحْ. تُجْلِسُني في رُكْنٍ قَصِيٍّ من غُرفةِ العروس المُكْتَظَّة بالنِّسْوة، وتَروحُ هي تُصَفِّفُ شَعْرَ العروسِ وتُزَيِّنُ وجْهَهَا بالمسَاحيقِ والأصْبَاغِ وتُرَطِّبُ جسَدَها بالمِسْكِ والطُّيوبْ. وحين تَفْرَغُ تَرْجِعُ للوراءِ خُطوتَيْنِ أو ثلاثاً، وتتأمَّلُ وجْهَ العروسِ ـ لَحْظَةً ـ والنِّسْوةُ يَتَحَلَّقْهنَا وهي تُتَمْتِم:
ـ ما شَاءَ الله .. البَدْرُ لَيْلةَ تَمَامِه!!
فتُرَدِّدُ النِّسْوةُ في نَفَسٍ واحِدْ: مَا شَاءَ الله !!"
"فحل التوت" صدرت عن مركز نهر النيل للنشر فى مائة وثمانين صفحة من القطع العادى.
