الأربعاء ١١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٩
بقلم عبد القادر محمد الأحمر

القدس هي أرض المحشر والمنشر

- (الإسراء) أعلن الفتح الإسلامي الروحي للمسجد الأقصى.
- (المعراج) أعلن الفتح الإسلامي الروحي للقدس السماوية.

مع من قال – وبالصوت العالي- نقول:
- (توجد هنالك عدة ارتباطات وحقوق وعلاقات تربط المسلمين بالقدس)

أولاً: الارتباط العقيدي، يتمثل في:-

1/ معجزة الإسراء والمعراج، فقد أُسْرِّيَ بالرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى المبارك بمدينةالقدس، وعُرِّجَ به من المسجد الأقصى إلى السموات العلا عند سدرة المنتهى عندها جنة الماوى، فكانت القدس محوراً لهذه الحادثة الربانية من العقيدة الإسلامية، كان ارتباط المسلمين بهذه المدينة ارتباطاً عقدياً، والله- سبحانه وتعالى- يقول: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ (لَيْلاً) مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ويقول أحد الصحابة معقباً: (لو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية، لأنه إذا بورك حوله فالبركة فيه محققة ومضاعفة)، ومع ذلك فقد ورد ذكر مدينة القدس وفلسطين بمسميات أخرى في القرآن الكريم، منها قوله- سبحانه وتعالى- يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ.. (المائدة/ 21).. والأرض المقدسة هي فلسطين، وقوله عزّ وجلّ: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً.. (البقرة/ 58)..

والقرية هي مدينة القدس..

ولا بد في هذا المقام من التنويه إلى نقطتين:-

النقطة الأولى:

إن الارتباط العقيدي ليس لأهل فلسطين فحسب بل لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. فالمسئولية تكبر وتتسع، لأن بيت المقدس ليس مرهوناً بخمسة أو ستة ملايين فلسطيني في الداخل، ومثلهم في الشتات، بل هنالك ما يزيد على مليار ومائني مسلم في العالم.
أما النقطة الثانية: فهي حول مساحة المسجد الأقصى المبارك، فحينما نذكر (المسجد الأقصى) لا نعني به البناء المغطى فحسب. بل نعني منطقة المسجد جميعها والتي تبلغ (144) دونماً.

2/ القدس أرض المحشر والمنشر: ستكون مدينة القدس يوم القيامة أرضاً للمحشر والمنشر، ففيها يجمع الناس، وفيها يعرضون للحساب، فعن الصحابية ميمونة بنت سعد- رضيَّ الله عنها- قالت: (يا نبي الله، أفتنا في ب
يت المقدس، فقال: (أرض المحشر والمنشر آتوه فصلوا فيه) رواه أحمد وأبوداؤود وابن ماجة عن الصحابية ميمونة بنت سعد- رضيَّ الله عنها-، وبما أن يوم القيامة يمثل جزءاً (مهماً) من العقيدة كان ارتباط هذه الديار بالعقيدة الإسلامية..

ثانيــاً: الارتباط التعبدي ويتمثل في ستة أمور:-

1/ استقبل المسلمون بيت المقدس في صلواتهم مدة ستة عشر شهراً (أي مدة سنة واحدة وأربعة أشهر) وذلك من بدء مشروعية الصلاة حتى نزول قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ..) (البقرة/ 144) فأصبحت قبلة المسلمين، لذا اعتبرت مدينة القدس أولى القبلتين.

2/ اعتبر الرسول- صلى الله عليه وسلم- ثواب الركعة الواحدة في المسجد الأقصى- أي في منطقة المسجد كلها- بخمسمائة ركعة، لقوله- عليه السلام-: (فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة، وفي مسجدي الف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة) رواه أحمد وابن خزيمة عن الصحابي أبي الدرداء- رضيَّ الله عنه- ولهذا الحديث عدة روايات يقوى بعضها مع اختلاف بسيط في الألفاظ..

3/ حث الرسول- صلى الله عليه وسلم- على زيارة المسجد الأقصى المبارك بقصد العبادة، وربط المسجد الحرام بمكة المكرمة، وبالمسجد النبوي في المدينة المنورة بقوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) متفق عليه عن الصحابي أبي سعيد الخدري- رضيَّ الله عنه- .
4/ ربط- عليه الصلاة والسلام- المسجد الأقصى بمناسك الحج والعمرة بقوله: (من أهلّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه) رواه أبوداؤود والبيهقي عن أم المؤمنين أم سلمة- رضيَّ الله عنها- .

5/ إن المقيم في مدينة القدس له ثواب المرابط في سبيل الله للحديث الشريف: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من اللأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: بيت المقدس وأكناف بيت المقدس) رواه الامام أحمد عن الصحابي أبي أمامة الباهلي- رضيَّ الله عنه- . ولقول الرسول - صلى الله عليه وسلم- في حديث نبوي آخر: (يا معاذ إن الله سيفتح عليكم بالشام من بعدي من العريش إلى الفرات رجالهم ونساؤهم وإماؤهم إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس، فهو من جهاد إلى يوم القيامة) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق والطبراني عن أبي الدرداء- رضيَّ الله عنه- .

6/ إن الحسنات تضاعف في بيت المقدس، كما تضاعف السيئات لشرف المكان وتعظيمه.

ثالثاً: الارتباط الحضاري والثقافي، ويتمثل في أربعة أمور:-

1/ البناء الفريد لكل من المسجد الأقصى، ومسجد قبة الصخرة المشرفة..
2/ وجود العقارات الوقفية والأثرية منذ العصور (الصلاحية) والمملوكية والتركية..
3/ وجود العشرات من المساجد في البلدة القديمة من مدينة القدس يعود عهد بعضها إلى العهد (العمري)..
4/ اشادة مئات المدارس والمعاهد والزوايا والأربطة والتكايا حول المسجد الأقصى المبارك في البلدة القديمة منذ العهد (الصلاحي) إلى يومنا هذا..

رابعاً: الارتباط السياسي ويتمثل ذلك في أمرين إثنين:-

1/ العهدة العمرية التي وقعت عام 15هـ/ 637م- (حضر سيدنا عمر- رضيَّ الله عنه- إلى بيت المقدس في سنة 17هـ الموافق 638م (البلاذري (فتوح البلدان) ص/ 144) – وذلك بعد أن تسلم الخليفة الراشدي العادل عمر بن الخطاب- رضيَّ الله عنه- مفاتيح مدينة القدس من صفرونيوس بطريرك الروم وقتئذ ولم تكن هنالك أية علاقة بين المسلمين واليهود في مدينة القدس حين الفتح العمري لهذه المدينة. وتمثل العهدة العمرية أعدل وأوضح وأشهر وثيقة عبر التاريخ أوردها الطبري في تاريخه ج/ 3 ص- 6.8/ 6.9 وقد كانت بمثابة نص كتاب الصلح الذي عقده عمر بن الخطاب- رضيَّ الله عنه- مع اهل بيت المقدس في الجابية، والذي شهد التوقيع عليه كل من خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبدالرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وكان أبرز ما جاء فيه:

(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبدالله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن إيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن...) وكذا البلاذري في (فتوح البلدان) ص/ 144.
2/ حكم العرب والمسلمون هذه المدينة منذ الفتح العمري وحتى عام 1967م، وذلك حين وقوع القدس مدة ثمانية وثمانين عاماً إلى أن حررها نسر الشرق (صلاح الدين) من رجسهم عام 583هـ/ 1187م وتمكن الإسلام من تحقيق العدل والاستقرار والأمن والمان للمسلمين وغير المسلمين في هذه المدينة خلال حكم العرب والمسلمين لها..

خامساً: الارتباط التاريخي:-

إن العرب اليبوسيين هم أقدم الشعوب التي سكنت فلسطين، وذلك قبل سبعة آلاف وخمسمائة سنة قبل الميلاد (أي منذ العصر الحجري) وإن الرقوم الحجرية تثبت ذلك، ولم يدون التاريخ أقدم من اليبوسيين والكنعانيين العرب في هذه الديار، فقد اتفق المؤرخون على ذلك وأقروا بأن اليبوسيين هم أول من أسسوا مدينة القدس، وأن اول اسم لها هو: (يبوس) نسبة لهم، ومن أسماء هذه المدينة: (أورو- سالم) وهي تسمية كنعانية تعني: (مدينة السلام) ولا غرابة في ذلك أن الهجرات العربية السابقة من شبه الجزيرة العربية إلى بلاد الشام كانت مستمرة منذ الوجود العربي في الجزيرة، ولا يوجد حائل طبيعي لا جبال ولا بحار ولا أنهار تفصل الجزيرة العربية عن بلاد الشام بعامة وفلسطين بخاصة، وبالتالي كانت الهجرات من الجزيرة العربية وإليها سهلة ميسورة، ومن المعلوم بداهة أن الهجرات من بلاد الشام إلى الجزيرة، لأن العرب كانوا يبحثون عن الماء والكلأ، وهما متوافران في بلاد الشام أكثر من الجزيرة العربية..

إن القدس إذاً ليست كسائر المدن، إنها أساس وجود!! خاصة حينما ننظر إلى ذلك الرباط المتين بينها وبين مكة، وبين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، حتى غدت كلتا المدينتين من مدن الاسلام المقدسة، هذا وقد أشار أحد الباحثين بحق إلى أن: (الإسراء أعلن الفتح الإسلامي الروحي للمسجد الأقصى ولفلسطين، وتلاه المعراج الذي أعلن الفتح الإسلامي الروحي للقدس السماوية)..

وأقول الآن: (يا فلسطين الجريحة اليوم، حتماً وبإذن الحق تعالى سيندمل الجرح غداً، فأنت نور القلب و(بيت الشرق) العربي والإسلامي، وشعب الله المختار حقاً لا زيفاً ولا ادعاءاً- مهما قالوا- !! فإن كان لي أن أعيد نشر مقال عنك سميته: (القلب الدامي والنور) نُشِرَ بصحف الخرطوم وبديوان العرب الشامل لفعلت.. أوضحت فيه حقيقة (معناك) و(ما أنت؟!) كما تراءت لي يومها ودمعات تنحدر وما زالت تنحدر من المقل وأنا أساهم في تلك الأيام في قيام ذلك المعرضٍ الذي أقمناه بمؤسسة نصر التعليمية الدولية بأمدرمان بعد ذلك العدوان الغاشم على غزة حيث كان الاستهداف القذر على الأطفال الأبرياء والنساء الحوامل!!
ولكن!! فليرجع إليه من يحبك.. يا حبيبة.


مشاركة منتدى

  • اجمعت جميع الاحاديث النبوية والاجتهادات الدينية انا ارض المحشر وفسطاط المسلمين وخير مدائن الارض هي دمشق لا احد ينكر قدسية مدينة القدس وانها اولى القبلتين ولكن يجب معرفة الحقائق المذكورة

  • قضية القدس ليست قضية أرض مستعمرة أو أرض مسلوبة، بل هي في وعي كل المسلمين باختلافهم مسألة عقيدة باعتبارها القبلة الأولى التي كان يصلي اليها المسلمون، قبل أن يتم تغيير القبلة الى مكة المكرمة، و هي مسرى نبينا محمد ص ، كما أنها في شرعنا تعتبر من المدن الثلاث التي تشد اليها الرحال و الى مساجدها المعظمة ، قال ص لا تشد الرحال الا لثلاث مساجد : المسجد الحرام و المسجد الأقصى و مسجدي هذا و المقصود به المسجد النبوي في المدينة المنورة. الحديث متفق عليه. و هي مذكورة في القران الكريم أكثر من مرة و مشار اليها بالأرض المباركة و أرض الأنبياء. قال تعالى: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من اياتنا سورة الاسراء. الاية 1 و بالتالي هي في عمقنا التاريخي و الديني أرض مقدسة و أرض رباط و جهاد، لا ينبغي التخلي عنها و لو أنفقنا كل ما نملك في سبيل ابقاءها اسلامية عربية عاصمة فلسطين الأبدية بدون منازع.

  • جبت لك قول الله تعالى إذا كلام الله ما أقنعك
    وكلام البشر أقنعك فراجع اسلامك

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى