السبت ١ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٠٥
بقلم عبد العزيز الرواف

ترنح

الشارع تطبعه العتمة بكآبتها رغم الضوء الخافت المنبعث من بعض المصابيح المتناثرة على طول الشارع، أكياس تحوم في دوائر ثم ترتفع للحظات وتعود تنزلق على سطح الشارع محدثة فحيحا متواصلا، علب فارغة تتدحرج مزعجة سكون الليل برنينها المتواصل، لا أثر لأي مخلوق في ذلك الدرب إلا شبح إنسان يغالب خطواته المترنحة محاولا تجنب الوقوع في ممر المياه على جانب الشارع.

سهرته هذه الليلة طالت عن المعتاد، وشرابها لم يكن بجودة الأيام الخوالي، والكمية التي عبها من هذه الخمرة الرديئة الصنع كانت أكثر مما تعود عليه، لذلك بدا يشعر بثقل رأسه وكأنها حجر وضعت عنوة فوق رقبته.

طوال سنوات معاقرته للخمرة لم يعرف عنه في محيط سكنه أو عمله بأنه من أولئك الذين تلعب بهم النشوة ويشتد بهم النزق، بل كان يستسلم لنوع من الصمت العميق ويكون همه الوحيد الاسراع لركن في غرفة ليستغرق في نوم طويل لا يفق منه إلا بعد أن يذهب كل أثر لها.

هناك شيء ما يدور في رأسه هذه الليلة يجعل من شعوره يختلف عن كل ما جال في عقله سابقا جاعلاً من حالته المعتادة تغيب هذه المرة، وليرافقها شعور مختلف يدعوه للكلام وربما لما هو أبعد من الكلام، لقد صرف كل ما معه من نقود احتفظ بها منذ شهور واعدا أطفاله بشراء خروف العيد وبعض الهدايا الأخرى لكن هذه العادة الآثمة ومزاجه الرديء انتصرا عليه وجعلاه ينكص عن توبته ويعود لصحبته الذين لا يربط بينهم أي رابط من ود سوى محبة تلك الساعات الماجنة، والتي بانقضائها تنقضي المودة الزائفة بينهم ويلعن كل منهم الآخر عند الاستيقاظ صباحا.

لكنه هذه المرة بدأ في صب لعناته عليهم مبكرا دون أن ينتظر شروق الشمس أوحتى تنجلي نشوة الخمر، يواصل ترنحة في ذلك الشارع الطويل، لا أنيس له في وحشة هذا الليل إلا بعض الكلاب الباحثة عن ما يسد رمقها في صناديق القمامة، أومن حين لآخر يثير انتباهه المشوش قفزة لقط فزع من أحد الصناديق.

رغم ثقل رأسه بفعل كؤوس الخمر الرديئة إلا أن هموم أسئلة أطفالة كانت أكثر حدة وثقلا من فعل الخمرة، ومع استمرار نزقه وحياته التي لم تعرف الاستقرار كحياة الكثيرين ممن وصلوا إلى مرحلة تماثل مرحلة عمره، وعدم اهتمامه لكل ما يثار عنه، إلا أن شيئا واحدا كان يجعل من بقايا الانسان داخله تتحرك من الحين لأخر، إنهم أطفاله الذين استحوذوا على ركن في قلبه وعقله لا تستطيع نشوة أي نوع من الخمرة من أن تتغلب عليها.

غادر ذلك الشارع الطويل ودخل لتلك المنطقة الغارقة في ظلام حالك والتي تفصل بين وسط البلدة ومكان سكنه، كانت منطقة شبه مهجورة يسكنها الوافدون لهذه البلدة لمختلف الأغراض، تتناثر بها الأبنية الغير مكتملة وبعض الورش والمعامل التي تقفل أبوابها مبكرا، سيطر عليه التعب من طول السير وتسرب إليه شعور بالملل من طول المسافة المتبقية حتى منزله.

توغل لمسافة وسط مباني تلك المنطقة العشوائية البناء، شعر بثقل رجليه وتلاحق دقات قلبه، لجأ إلى غرفة غير مكتملة البناء، لالتقاط أنفاسه وليحتمي بها من رياح تلك الليلة الخريفية، أسند ظهره للجدار، أغمض عينيه لبرهة، راودته رغبة في النوم، شعر بحركة قريبة منه، تفحص المكان، الظلام يعم الأرجاء، لم يعر الأمر اهتماما، داهمته رغبة بتدخين سيجارة، أخرج ولاعته وأشعل السيجارة أدار الولاعة المشتعلة في اتجاه مصدر الحركة، دهش مما شاهده،ثم أعقبت الدهشة فرحة عامرة، يا إلهي جدي سمين انه هدية من السماء تخرجه من ورطة سؤال الصغار غدا، دب النشاط في جسده المنهك، انقض عليه بخفة نمر، ثغى الجدي للحظات، تلمس أكوام الحجارة والأتربة حوله وقعت يده على سلك معدني، ربط رجليه باحكام، جلس في مكانه يلتقط أنفاسه وشعور مريح يرافقه في تلك اللحظات. شاهد عن بعد سيجارته التي أضاعها ساعة انقضاضه على فريسته لا زالت تنبض ببعض الحياة الحارقة، زحفت أصابعه نحوها وبمجرد وصولها إلى فيه امتص مابقي منها من أنفاس بنشوة بالغة وعلى ضوءها الخافت لمح فريسته مكبلة أمامه، سمع صوته يردد داخله جدي أفضل من لاشيء.

لفظت السيجارة أخر أنفاسها، خطرت له فكرة تأمله من جديد، أشعل الولاعة مرة ثانية، خيل إليه أن ملامحه تتغير، هز رأسه كمن يحاول الاستفاقة من غيبوبة، أعاد اشعال الولاعة مرة ثالثة، لمح رأسه وكأنها رأس كلب، خاطب نفسه هل عدت لمرحلة التهيؤات وكأني لا زلت أتعلم شرب الخمر، أعاد اشعال الولاعة، دقق النظر... شاهد عجلا بدل الجدي الذي ربطه منذ لحظات، خاطب نفسه بصوت مسموع: اللعنة هل وصلت رداءة هذا النوع الذي شربته إلى هذا الحد، تراجع للوراء وأسند ظهره للجدار، سمع عدة أصوات متداخلة تصدر عن هذا الذي كان منذ لحظات جديا سمينا، أشعل الولاعة مرة أخرى تأكد هذه المرة أن جديه له قدرة على التصور بعدة أشكال.

هنا لعبت الخمرة برأسه وتوجه بالكلام له مباشرة قائلا:

اسمع تتحول إلى كلب أو إلى حصان أوحتى قرد لن أتركك إلا يوم العيد جثة هامدة..ثم أطفأ الولاعة وأعادها إلى جيبه مقتربا منه ليحمله ويقصد به منزله.

قبل أن تصل يداه إليه سمع صوتا أدميا يكلمه:

هيه.. أنت..انتظر...

من الذي يكلمني؟

أنا...

ومن أنت؟

أنا الجدي الذي أوثقته..

جدي يتكلم ! ما هذه الليلة اللعينة؟.. وأي جنون شربته.!

لست جديا..

وماذا تكون إذا.. جحشاً.. !

كلا.. لست حيوانا على الإطلاق..

ماذا تكون إنسان إذا؟

ولا إنسان أيضا ً..

اللعنة.. أي شيء تكون أيها.. المتكلم..!

أنا ابن زعيم الجان في هذه المنطقة..

لم تعقد الدهشة لسانه بل جعلت نشوة الخمرة تنقلب إلى عناد واضح ورد عليه بعنجهية السكر وعربدته قائلا:

زعيم الجان.. ! زعيم العفاريت..! أنا وجدتك وشاهدتك جديا ولن أتركك إلا مذبوحا أمام الصغار فهذا هو ما يهمني..

إذا ما رأيك أن نعقد صفقة.. تطلق سراحي و أعطيك من الذهب ما يغنيك ويجعلك تذبح ألف خروف إذا أردت.. فنحن الجان نملك من الأموال مالا تستطيع تصوره.

مالا أستطيع تصوره هو أنك كما تقول جان وتملك كل هذه الأمور وأراك الآن جديا لا يستطيع الفكاك من أسره..

نحن معشر الجان لا نستطيع أن نظهر للبشر بصورنا الحقيقية وظهرت على صورة الجدي لغرض معين ولكن حظي العاثر جاء بك في طريقي وأنت أسرتني في هذه الصورة وبالتالي لن أستطيع منها فكاكا إلا إذا حررتني أنت، وأعاهدك إن حررتني أن تجد تحت وسادتك في الصباح كيسا مملؤة بالذهب.

تفاعلات ما قبل هذا اللقاء والتعب الذي حل به وبقايا حالة النشوة سيطرت عليه في تلك اللحظات وفي برهة من الزمن غاب فيها لديه كل إحساس بحقيقة ما يحدث معه امتدت يداه وبدأت في فك السلك المعدني و مع أخر عقدة فكها شعر بحركة سريعة أحدثت تيارا هوائيا ساخنا أمام وجهه، ثم عاد السكون يعم المكان.

اخرج ولاعته من جيب معطفه أدار بوهجها في جميع الأنحاء لم يشاهد شيئا حوله، أيقن في قرارة نفسه بسيطرة تهيؤات الخمرة على تفكيره وأنه لم يعد يقوى على تأثيرها عليه ربما لكبر في السن أو لرداءة في النوع.

قرر عدم إكمال مشواره وسينام في هذا المكان، خلع معطفه ووضعه كوسادة تحت رأسه وغاب كعادته في نوم عميق لم يقطعه إلا لفح أشعة الشمس لوجهه في الصباح، تفحص المكان حيث بات ليلته، كان مجمعا لنفايات وقمامة تلك الناحية، لعن الخمرة وصحبة السوء ولعن نفسه لبقائه أسيرا لهذه العادة اللعينة وأعقب كل ذلك حالة من الشعور بالخزي عندما تذكر أطفاله الصغار وهم يواجهونه بالسؤال المعتاد ووجوههم يوم غد وهم ينظرون لأطفال الجيران الذين تتألق عيونهم فرحا في ذلك اليوم.

وقف، حمل معطفه بيده، وقع نظره على كيس أحمر كان تحت معطفه، الفضول جعله يحمله، صوت رنين قطع معدنية داخله، ماذا يمكن أن يكون فيه، فتح الكيس، كادا وهج الشمس المنعكس على القطع مع الشعور بالفرحة أن يذهبا ببصره وعقله، ما هذا، يا الهي؟ ذهب..!، عاد بذاكرته لحوار ليلة البارحة مع ذلك المخلوق، هل يعقل هذا.. تلفت حوله.. انطلق صوب منزله بخطوات أقرب للقفز ممنيا نفسه بعيد يختلف عن كل الأعياد..

طبرق 17-6- 2005


مشاركة منتدى

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

كاتب من ليبيا

من نفس المؤلف
فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى