الاثنين ٣١ كانون الثاني (يناير) ٢٠٠٥
بقلم ياسمينة صالح

تساؤلات مواطن متهم بالإرهاب

قف!

يسرقه الزحام والكلام اليومي عن الحرب والخبز .. يترجّل أحلامه المتسارعة باتجاه الشتات، هو الذي سكن حكايات المدينة، وأوهم العشاق أن الحب سينتصر في نهاية الرواية .. هو .. الذي لم يعد شيئا منذ اكتشف أن الحب لا يعيش طويلا .. وأن العشق قد يتعرض للحوادث ككل الناس، لأن البدايات فقدت نكهتها وانهالت عليها اللعنة.

قف!

يدفعه الحنين إلى الجنون .. يتسلق جدران المستحيلات كي يرى أمه .. كي يحتضن حبيبة فارقها منذ عشرين عاما .. أيام كان قلبه غضا .. وعواطفه تقضم تفاحة الشعر ..
لكنه كبر .. شاخت عواطفه وتقاعد قلبه .. وانهار ..
انهار!

* * *
عشرون عاما ..
يجوب الشوارع متنكرا في زي شحاذ كي يراقب أهله .. يتسلّل إلى رؤاهم في السّر..

وفي السّر يسرّب إليهم ما تبقى من نبض ما زال يشتعل في دمه ..
نسيته المدينة .. لكن البوليس لم ينس شكله.. منذ عشرين عاما يلصقون صورته على الجدران، ليطالبوا به حيا أو ميتا ..
لم يفهم أحد أن السنوات تغيّر من شكل العشاق أيضا .. وأن الحب سرعان ما يصير عادة سيئة.

قف!
يلتفت يمينا وشمالا ..
وجهه الحزين يثير القرف والازدراء معا .. في عينيه تبرق الحقيقة الوحيدة التي جاءت به إلى هنا .. كي يرى أمه للمرّة الأخيرة !
يتسلّل رويدا رويداً .. يتسلّق جدار الحديقة .. يتفادى نباح الكلاب .. يتفادى الخطوات المقبلة ويدخل إلى الدار ..

داره التي لم تعد له .. صارت لإخوة تنكروا له، وأدانوه من أول العمر..
يلمح والدته في وسط الدار ....

كأنه الموت الذي يجرّه دوما من تلابيبه كي يلتقي بمن يحب وبمن يكره أيضا .. في البدء كان يجيء متخفيا كي يرمق أعداءه القدامى محمّلين نحو مثواهم الأخير ..

لكن الموت مختلف هذه المرة ..ها هي أمه التي لم يرها كثيرا ،على مدى عمر قضاه هاربا ومتسللا.. أمه التي لم تحتضنه كما كان يجب أن تحتضنه ..

هي التي كانت تجلس القرفصاء في زمن الرّحيل إلى اللاشيء .. ترقب الباب علّه يأتي .. من آخر العمر .. أو من أول الموت.. آه لو يأتي.
هــــــــا يكتشف أنه يتيم الآن .. وأن الحكاية لن تعنيه، والسجون، والرفاق الذين تظاهروا أمس للمطالبة بحياته في زمن الديكتاتورية .. لا شيء صار يعنيه وقد صار وجها لوجه مع أمه التي لن تسمع صوته ولا نحيبه ولا صياح الوجع فيه ..

قف!
ولا يتوقف .. يصيح الصوت ثانية .. ولا يأبه بشيء .. تدوي طلقات النار .. شيء يصيب ظهره .. يترنح ..
هل هو الموت؟
يترنح أكثر ويسقط .. يشم رائحة الأرض المبللة بمطر الربيع ويتذّكر أمه ثانية .. يتذكر إخوته الذين نسوا شكله، وحبيبة تزوجت من جندي طارده منذ عشرين عاما ..

تذكر أنه مطالب بالحياة كي يمشي نحو نهايته باسما .. لكن .. شيء يخزه الآن ..

أهو الموت حقا .. يقترب العساكر منه .. يشعر بحذاء ثقيل يحط على رأسه، ويهزّه .. فلا يتحرك .. يسمع أصوات تتباهى بدمه .. تتصافح محتفلة بالنهاية، فيعرف بحاسته أن الجرائد ستكتب عنه غدا.
هو الذي لم يكن محاربا ولا سياسيا .. كان مواطنا طالب بالخبز فطاردته الشرطة .. طالب بالحرية فطارده العسكر .. طالب بالحياة فطاردته المدينة .. هو الذي لن يجد من يبكيه غير قبر يضاف إلى قبور يتكئ عليها الناس ليستريحوا من عبء الأشياء الجاهزة سلفا لأجلهم .. فالحكاية بدأت للتو ولن تنتهي.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى