جدلية التاريخ والدراما في رواية «خنجر سليمان»
إن القاريء لرواية الأديب الأردني صبحي فحماوي (خنجر سليمان) لابد أن يقف أمام عوامل البنية الموضوعية والفنية لهذا العمل الروائي الكبير، وأن يتساءل ونحن أمام عمل تتعانق فيه مورفات التاريخ والدراما وتتداخل بشكل دراماتيكي وجدلي وشبقي أحيانًا مما يثير الدهشة والعجب، هل نحن أمام نص درامي بامتياز تتوفر له كل أدوات الدراما وصنعتها وقوامها الثابت والمتغير، أم أننا أمام عمل تتجسد فيه روح التاريخ وأصداؤه، خاصة ونحن أمام سيرة بطل من أبطال التاريخ المتقدم في القرن الثامن عشر الميلادي (سليمان الحلبي) ابن الشام وسوريا وحلب، الذي نجح في أن يهز عرش الحملة الفرنسية على مصر بقتله قائد رموز طغيانها الكبار (كليبر)، شئنا أو أبينا، والانتصار لمعنى المقاومة ورمزها الكبير، والواقع أننا بعيدًا عن ذلك كله أمام رواية تلامس روح السيرة، وتداعب وحي التاريخ على درجة من درجات الوعي والتمكين والاستدلال، نجح من خلالها صبحي فحماوي أن يوثقها بأدلة التاريخ، ومصادره قديمًا وحديثًا، وظني أن ما فعله فحماوي روائيًا، أظهر عن عمد وجهه كبحاثة عربي مدقق لسيرة نادرة لبطل عربي عاش بين ظهرانيننا وخُلَّد في أرواحنا، ليس فقط كعربي توهجت في نفسه ملامح المواجهة لرمز استعماري كبير، ولمعنى الظلم والغلبة والقتل وسفك الدماء والاعتداء السافر على قطر عربي بحجم مصر الكبيرة، التي واجهت في ظل الاستعمار الفرنسي جرائم الجبروت الحي تمثلت في استعمار قتل الأبرياء، وأشعل النار، واقتحم الأزهر بخيوله، وحاول أن يحطم أسطورة الأهرام، وأبا الهول، وأن يحرق الإسكندرية ورشيد ودمنهور وكل البلدان المصرية حتى بلدان الصعيد النائية.
والذي يرمي النص في كنف الرواية رغم منهجه التاريخي هو اعتماده على تقنيات الرواية بداية من صناعة العنوان ذاته، وطبيعة الجذب والشد فيه ؛ فالعنوان الذي يأتي في مرتبة (الخبر) أو (الجواب) أو أحيانًا يأتي في مرتبة (الإيهام) و (الاستكناه للمضمر) و (الحديث عن الغائب)، والبعد عن جوهر الشخصية باسمها الكامل والحقيقي، فمن هو سليمان صاحب الخنجر؟ ومن أين أتى ؟ وما أدواره الثابتة تاريخيًا وإنسانيًا واجتماعيًا؟ ومن هنا تستشعر في غموضية العنوان أنه يقودك إلى مضمون العمل بكم من التساؤلات، التي قد تجد إجاباتها في مضمونية العمل الروائي ذاته أو في حبكاته.
فالعنوان كما أشرت من باب (الإيهام) و (الجذب) و (المفاعلة) و (المشاركة) تستشعر وأنه من مراسم الغلاف قد جاء سيميائيًا دالا، ورمزيًا مُكثفا فمراسم الغلاف تنقل لنا بأمانة – وهي من أصول الصناعة عند فحماوي – صورة خنجر سليمان الحلبي الحقيقي، وجمجمته المحتفظ بها في متحف اللوفر في باريس، تحت عنوان (جمجمة الإرهابي سليمان الحلبي قاتل البطل كليبر)، وهو ما يوحي بأن العنوان قد حمل الوجهين ؛ وجه التساؤل ووجه الإجابة، ودفع العمل ككل إلى الخروج من انحسارية السيرة إلى انفتاحية الرواية.
كذلك من أدلة انتماء هذا العمل إلى صناعة الرواية أدوار الراوي فيه الذي التبس وتوحد مع كاتب العمل وصانعه في ازدواجية شديدة الخصوصية نادرًا ما نراها في عمل تنتمي حبكته إلى التاريخ أو إلى السيرة مثل هذا العمل، والراوي في (خنجر سليمان) صبغ عمله بأكمله بمثولية الضمائر وقوامها وطبيعة أدائها، والغريب أن حديثه المكرور عن بطله جاء دائمًا بصيغة الغائب، وهذا ما نجده – مثلا – في الفصول الأولى من الرواية على سبيل قوله: (كبر الطفل إلى أن بلغ السابعة من عمره، فلم يعد أبوه يرسله ويستقبله عند باب المدرسة نظرًا لانشغاله المرهق في الإدارة والرقابة والعمل بمهنه المتعددة من تصنيع صابون الغار وقطف الزيتون وعصره، وتعبئة زيته في صفائح خاصة، ورقابة تصنيع السمن البلدي الذي يتم بإدارة زوجته الحاجة أم سليمان الحلبي، ومن جهة أخرى أراد أبوه أن يجعل ابنه يعتمد على نفسه في الذهاب والعودة إلى المدرسة العثمانية، التي لا تبعد كثيرًا عن بيتهم في حي البياضة).
وتوظيفه لحديثه عن بطله بصفة الغائب أكسب هذا العمل مصداقية وأمانة تاريخية دفعت العمل ككل، وحياة سليمان الحلبي تحديدًا إلى لون من ألوان (المشاهدة) بالمفهوم السينمائي أو المرئي أو العام، كذلك جعلت الراوي يتجاوز مرحلة القشور والمباشرة والتأطير إلى مرحلة رصد الجوهر في حياة البطل والواقع التاريخي المعايش من قلب الحدث الذي عاش في ظلاله لحظة بلحظة بداية من تاريخ مولده في حلب مرورًا برحلة دراسته في بلاد الشام ووصولا إلى رحلته الطويلة إلى مصر، والبلدان التي مرَّ بها ومنها بلاد الشام وفلسطين بكافة قطاعاتها، مما وضعنا أمام وضعية أولية للحقائق لا يمكن تخيلها إلا من خلال توظيف المشاهد، وأدوار الأبطال من خلال حركية الضمائر بإمكانياتها الواسعة، وتوظيف الضمائر لتحقيق طبيعة المشاهدة، والتي تستشعر معها أحيانا أنها بلغت حد الإدراك واليقين.
كذلك من درامايتكية هذا العمل والتي تحسب لفطنة الراوي / المؤلف، والتي دفعت العمل دفعا إلى الخروج من دائرة السيرة، والمكوث في حضرة الرواية هو اعتماد الراوي على خلق تفاعلية الدراما من روح سيرة البطل سليمان الحلبي، فسليمان الحلبي الذي أظهره عبد الرحمن الجبرتي للأسف في كتابه (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) أفاقا.. كاذبًا.. ضاربًا في الأرض على غير علة ومقصد.. مختل الذمة.. متشردًا.. عائشًا بالتحايل، ولا ينتسب إلى وطن، في جملة من الاتهامات الخطيرة، التي بطبيعة الحال تؤخذ عليه، وقد أُخذت عليه بالفعل في الدراسات المُعاصرة، فالحلبي الذي اتهمه الجبرتي بأن لا ينتسب إلى وطن ويعيش بالتحايل على الناس هو ابن كبير تجار حلب الشهباء كما يسمونها، وما جاء إلى مصر إلا ليدرس في الأزهر الشريف، ولم يكن الحلبي مُتشددًا على الإطلاق حتى يقتل كليبر، ولكنه بحسه العربي وهو يعايش تجربة الاحتلال الاستعماري المُر لعصبة الفرنسيس وهم يجتاحون مصر والقاهرة تحديدًا، هي التي حركت في نفسه النخوة ليقتل رأس التجبر في مصر ووجه الجبروت الحقيقي، وما صوّرته مصادر التاريخ القديمة وكتب السير عن جرائم الفرنسيين في القاهرة، وقبلها في الإسكندرية ورشيد ودمنهور يوقظ الضمائر عن حق، ويعطي الأحقية الكاملة لسليمان الحلبي في أن يقتل كليبر رأس الأفعى المستتر خلف عباءة نابليون المجرم المحرك لدفعات الفكر الاستعماري في نهاية القرن الثامن عشر، وإذا كنا ننتقد الجبرتي في هجومه على الحلبي وتجاوزه، فإننا في الوقت ذاته نعجب من كشفه بصورة صريحة للإجرام الاستعماري الفرنسي على القاهرة في كتابه التاريخي (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) حينما يقول على وجه التحديد:
"إنهم ضربوا الجامع الأزهر بالقنابل الثقيلة، ومن ثمَّ دخلوا إلى صحن المسجد الأزهر، مركز الثورة، وهم راكبون الخيول ويحملون السلاح والبندقيات وتفرقوا في صحنه ومقصورته وربطوا خيولهم بقبلته، وعاثوا بالأروقة والبحرات، وكسروا القناديل والسهارات، وهشموا خزائن الطلبة، ودشتوا الكتب والمصاحف على الأرض بنعالهم).
أذن فهذه هي الأسباب الحقيقية وراء صحوة الحلبي وقتله لكليبر إلى جانب أسباب أخرى كثيرة تتعلق بدولاب الظلم والقتل العشوائي والتفرقة بين المصريين، ولكن هذا الحلبي الذي وصمه الجبرتي بالقاتل الأهوج الذي تحركه جماعات متشددة بعينها، أظهره فحماوي في لقطة درامية تُحسب له، وهو ينصف الرجل ويكشف من خلال ما يمكننا أن نسميه بدراما المشهد بأنه في صباه ومطلع شبابه كان يعشق ابنة الجيران، ويتتبع خطواتها وسيرها ذاهبًا وإيابًا، في زمن كان العشق فيه يحسب على العيب، ولكن يأتي فحماوي فينصف بطله الحلبي، ويضعه في خانة العشاق والمحبين والمدلهين، ليبعد عنه فكرة الجمود والتردي والدوران في فلك الظلمة والوحشة وإفك القيود.. يقول صبحي فحماوي:"وعلى الطريق من وإلى بيته في الحي، كانت أسمهان الحلواني وهي فتاة من عمره تسير ذاهبة إلى مدرسة البنات في الجهة الأخرى من المسجد، وآيبة إلى بيتها، هو يعرف اسمها بصفتها إحدى بنات جيرانهم من دار الحلواني، وهي تعرفه أكثر بصفتها محصورة اجتماعيًا، وممنوعة من التحدث مع الفتية الصغار، ولكنها تبطن معرفتها خوفا من شدة رقابة أبيها وحفاظًا على سمعتها بين أفراد عائلتها وبين الجيران.. ينظر إليها بعينيه الخضراوين الشبيهتين بلون عينيها، تلتقي عيونهما.. يرتعش القلبان بحجمي عصفورين فقست بيضاتهما اليوم في عُشهما المشترك.. يقترب منها.. يبادرها التحية.. يسير إلى جوارها.. وعندما تخلو الطريق من المارة يجد نفسه يحتضنها ويقبل وجهها."
إذن فهذا هو سليمان الحلبي شاب وفتى وصبي مثل كل شباب العروبة.. يعشق ويهيم ويحب، بل يتجاوز في مناط حبه وسلوكه وطبيعته، وهذه لغة صبحي فحماوي تكتنز من معجم الفصحى ما تكتنزه، وتلعب على مفاتيح فنون المجاز والخيال والوحي، وتغترف من بحر الطبيعة ما تغترفه، فالطبيعة في هذا العمل دافع من دوافع نشأة اللغة وتوهجها في أدب صبحي فحماوي، وهي من مكونات لغته طيلة العمل، والأمر هنا في توظيف الطبيعة في صياغة اللغة وبنائها مردود إلى نشأة فحماوي في بلاد فلسطين وفي يافا وحيفا وغزة وعسقلان ودير البلح حيث الطبيعة الخصبة والمروج الخضراء ومزارع الزيتون، وهذا الذي جعل صبحي في لغته متعانقا مع كل مفردات الطبيعة وبنياتها.
كذلك من تقنيات هذا العمل والتي تكشف عن نفسها من خلال تضاعيف السرد وتراكيبه، وهي تقنية قد تكون مكرورة في كثير من الأعمال الروائية منذ القرن المنصرم، ولكنها تأتي في"خنجر سليمان"لتدخلنا في متاهة من متاهات الجدل والنقاش والتساؤل بل والعجب، وترمي بالعمل ككل في صدر الرواية بعيدًا عن فكرة تعدد شخصيات العمل وتعدد أدوارها ووظائفها، والتقنية التي أقصدها تقنية بداية العمل من مراسم مشهد الختام، ومن وحي النهاية، وهو يصور لنا في تصدير روايته مشهد إعدام سليمان الحلبي أمام كبار الشخصيات والضباط الفرنسيين والقضاة ورجال الدين الأزهريين والصحفيين والمؤرخين ورموز الشعب المصري بجناحيه المسلم والمسيحي، والغريب في ذلك كله هو أن مشهد الختام والذي صار مرسم البداية حمل لنا – بالفعل – خطًا من خطوط الصدمة أوجزها الإبداع في قوله بلغة السينارست:
"كانوا يتجمهرون حوله بأفواه مفتوحة وعيون مبحلقة، بينما هو يقف في وسطهم بأعصاب تغلي، رابط الجأش لا يبدي اهتزازًا، ونظراته تحدجهم كخنجرين تخترقان أعينهم المُجرمة"
وهنا تتبدى وعلى مساحات واسعة تقنية المفارقة الروائية في صناعة الحدث ورسمه، وهي تحمل تخييلا واسعًا لبطل ينظر إليه الجمهور أيما كان موضعه في المكانة بنظرة الشماتة على حساب الشفقة، ونظرة الجحود على حساب الرأفة !!! وهذا الذي يقودنا دائمًا في أعمال فحماوي إلى العودة إلى مصادر التاريخ لتبيان الحقيقة من وجه الخيال، ووجه الخيال هنا بعيدا عن المشكل المجازي مفاده تساؤل حقيقي.. لماذا تشمت الأمة في إعدام بطل من أبطالها قضى على وجه من وجوه الجبروت والاستعمار والاحتلال الدموي؟ وهل هناك مقاربة في مثل هذه الشماتة بين قضية الحلبي وقضية عرابي في وجه الاستعمار الانجليزي، الذي اتهم هو الآخر بتأجيج وإشعال أدوار المحتل الانجليزي على مصر، بل واتهمه بعض المؤرخين بأنه سبب الاستعمار نفسه وسبب احتيالاته، كذلك يذكرنا مشهد إعدام (الحلبي) بمشهد (دنشواي) مع التفاوت في نظرة الجحود والشماتة، والذي اعدت فيه رجالات قرية بأكملها من أجل مقتل جندى انجليزي.
كذلك من أبرز تقنيات"خنجر سليمان"انخراط فحماوي في رسم شخوص روايته والتي جاءت من الداخل إلى الخارج حسب تراتب الأحداث، وحسب منهجه النفسي، وكأنه يكشف لقارئه في كثير من الأحيان أحاسيس الغضب والألم وأحيانًا العجز التي سقط فيها – في بعض الأوقات – بطله الحلبي، هذا البطل الذي جاب مدن العروبة في الشام وفلسطين ومصر من أجل رسالته، ونال الشهادة في النهاية معدومًا على أرض مصر، ولذا جاءت النهاية، وقد دفع بها فحماوي إلى فوهة الحدث مما أربك المشهد في بعض الأحيان إلا أن تمسكه وعزفه على أوتار الرواية من نسج التقنيات الثابتة أعاد إلى النص وحدته وتأثيره وديمومته، بداية من صناعة العنوان على وحي الإيهام، والتلوين في أدوار الراوي، وخلق الدراما من روح السيرة، وقراءة الشخصية من داخلها إلى خارجها ومن نافذة تراتب الأحداث، وصولا إلى تمسكه حتى في حواراته بفصحاه المجازية والدالة والتي أكسبت العمل – بلا شك – رسوخًا وثباتًا وتمكنًا وتأثيرًا. أ. د. بهاء حسب الله.
