جديد للكاتب المغربي محمد كروم
(شجرة القهر) مجموعة قصصية متميزة على عدة مستويات:
– على مستوى الفضاء أولا: فسواء كانت خلفية المجال القصصي هي البادية (الفلاحة والرعي والحيوانات والحقول) أو المدينة (الأحياء الشعبية)، فإن الفضاء فضاء فقر مدقع مسحوق بائس يائس. فقر ناتئ يكاد يلمس باليد، وحياة صعبة وكأنها تعاش بالقطارة. لكن هذا الفضاء الأسود القاتم فضاء أدبي جميل مع ذلك، لأنه مغلف بسخرية باسمة تشيع في ثناياه كالماء الرقراق. سخرية متعاطفة لا تسخر من الفضاء، بل كأنما تسخر به أو تسخر فيه من الوضع المغربي أو من الشرط الإنساني أو من الأدب المخملي المصقول أو من ذلك كله في وقت واحد.
– وعلى مستوى اللغة الخاصة جدا التي تنسجم مع هذا الفضاء كأنما خلقت معه، له لغة تشرح تفاصيل المشهد حتى تكشف عن عروقه العارية، وتسمي الأشياء بأسمائها المستعملة في الواقع ولا تتحرج من أن تكون نابية أحيانا، وقاسية أحيانا وصادمة أحيانا. كل ذلك بسلاسة وتدفق وفي إطار قواعد اللغة ومعاييرها كأنما تقدم لك الشوك مغلفا بأوراق الورد وليس العكس كما يتوقع قراء القصة الحديثة.
– وعلى مستوى البناء القصصي المتماسك المرصوص الذي يحذف الزائد وينتظم الشتيت ويحرك الخامل، ويضبط بالعناوين ونهايات القصص إيقاع معزوفة الأثر والوقع.
» شجرة القهر« إضافة نوعية خاصة إلى المتن القصصي المغربي أتوقع أن تثمر، رغم القهر الذي تصوره- وربما به- أشكالا من الحرية والخصوبة والجمال في نفس القارئ الذي له كتبت المجموعة وله أيضا كتب هذا التقديم.
من قصص المجموعة:
النجاة....النجاة
سحب من تحت سريره علبة كرتونية، أخرج منها حذاء شبه جديد وبدلة محترمة هي كل ما ورثه عن أيام الدراسة. شكر الله على نجاتها مرة أخرى من مناشير الفئران الكاسحة التي تباغت أشياءه الرخيصة من حين لآخر. لم يعد وسيما كما كان من قبل. صدأ الانتظار عجل بجفاف عوده واسترخاص وجوده. قادته قدماه إلى الطرف الشرقي للقرية حيث سيقابل إنسانا مهما، وحيت تعود أن يدفن وقته في التراب ينبشه بسبابته أو يتأمل بحسرة مروق سيارة أو شخير شاحنة أو قدوم مسافر يحمل خبرا يفرج كربته. فهو وحده في هذه النقطة المنسية يعرف ماذا يمكن أن يصنع به أي خبر جديد. جلس كما لا يجلس عادة على صخرة مستطيلة، يطارد سربا من الذباب، عيناه في الأفق البعيد : تطير به الريح إلى بلاد السند والهند، يصارع آلهة البحار، ويعود بعد طول انتظار، محملا بالهدايا والمحار. يعوض البقرة التي من أجله بيعت، والأغنام التي نفقت، ويحول بستانهم الذي صارت تتمرغ فيه الحمير إلى جنة، يجن لها أهل القرية حسدا وغما. وابنة الجيران التي ردته وعيرته بعطالته ستأكل أصابعها ندما، نعم ستأكل... جفل قائما على صوت منبه سيارة رمادية توقفت فجأة. أعاد ترتيب أنفاسه بصعوبة وهو قابع بداخلها يتأمل رزما من الأوراق من كل حجم وصنف. لا يدري كيف ذكرته بالدكان الوحيد في قريته وما يُروى عن ميزانه من قصص. طمأنه صاحب السيارة على ملفه، وأقسم بشرفه أنه وضعه في يد أمينة وأن كلمته مسموعة عند أصحاب الشركة، وسأله إن كان قد شاهد قبل أيام وزيره ووعوده السخية، وكيف أن مسؤولياته الجسام لم تحرم الناس من حقهم في التملي بصورته البهية.
وفي اليوم الموالي كان ينهب المسالك من قرية إلى قرية ومن مدشر إلى مدشر ترفعه نجاد وتخفضه وهاد تحت شمس خريفية محرقة. كان بليل الريق قليل الحركات يوزع الأوراق، يشرح البرنامج. يبعث بخطبه جثة التاريخ المنحطة ببعض العطور المستوردة من أهل فاس. وإذا هاجمته في الليل ذكريات الماضي والرفاق حوله متحلقين يتابعون تمزيقه أوصال التاريخ وتحريضه على السير بهمة إلى الأمام، سبح باسم مبدل الأحوال ثم نام.
ومضى أسبوعان ثقيلان يجران خلفهما أيلول، فانجلى الغبار، وتبين راكب الحصان من راكب الحمار. وإذا مدير الشركة قد ذاب كقطعة سكر، بل كقطعة ملح. فأنا أمزح طبعا لأن السكر عندنا لا يذوب بسهولة. وصلته الأخبار. لم يستوعب ما حدث. لم يعد يحدث أحدا، أو يحدثه أحد. حتى خوار بقرة الجيران التي ولدت ليلة أمس صار يستفزه. طاف بالبيت يتأمل كل محتوياته كأنه يراها لأول مرة. وكمن يبحث عن شيء محدد انهمك يقلب ظهرًا لبطن بقايا خشب وحديد. وفجأة وقف يتأمل. لا يدري كيف ولا من أين وصل هذا الميزان البلاستيكي إلى وسط هذه الكومة ؟ بصق عليه وهو ينفخ الغبار عنه. علت شفتيه بسمة شاحبة. تلفت يمنة ويسرة ثم وضع الميزان في قفص لم يؤمن يوما بجدواه، فعلقه منذ زمان على الجدران.تسارعت حركاته وهو يبحث عن أشياء أخرى يود وضعها بجانب الميزان. علت وجهه مرة أخرى تلك البسمة الشاحبة. وضع القفص في سطل القمامة، فبال عليه، ثم خرج ولم يعد.
حدث ذات صباح
وأخيرًا غادر مدينة البيضاء، مخلفاً وراءه شلوًا من سنوات المذلة والانكسار، وغرفة يسميها أهل المدينة بيتاً. غرفة تصلح لأي شيء إلا أن تكون بيتا، ومع ذالك كانت بيتا. فيه يصبحون وإليه يروحون. كأنه دبر دجاجة.
عاد تطير به أحلام الصبا إلى جنوب مراكش حيث قرة العين وسويداء الفؤاد. قرية آبائه وأجداده، وحيت لا يملك إلا بقايا دار رغم أن أجداده أقدم من سكن القرية، كما تحكي المسنات أيام كن يتقملن تحت دفء الشمس وينقلننا إلى عوالم لم يعد من يحكي عنها أو يسمعها. عاد إلى قرية الشويرج بإصرار من زوجته راضية التي تورمت قدماها ولم تعد تقوى على القيام بكل ما تقوم به النساء.
ومضت الأيام وبوعزة كالنملة يقضي سحابة يومه في ترميم بقايا البيت المتهالك أو يدبر الطعام لنفسه ولزوجه. فتراه يتهادى مع نسيم الصباح. يجلب الماء من المسجد والحجارة من الوادي.وفي الهاجرة لا تدور الراحة بخلده أبدا، بل تراه منهمكا على البئر يحفرها. أما وقد صارت الشمس مائلة كعين الأحول فلا بد أن يروم الشعاب يحتطب بقايا سدر يابس أو يقضي حاجة يسر لها الذباب ويتهالك عليها. حتى إذا تعب من كل ذلك أشعل الشمعة وسرح " السبسي" ثم جلس يقص "الكيف" على إيقاع شخير راضية الذي لا يكسر رتابته إلا نباح كلب ضال أو نهاق حمار يتهيأ بين الفينة والأخرى.
كانت الأيام تمضي وبقايا الدار تستوي دارا، ودالية غضة تتربع كعروس مكتسحة فناء الدار شيئا فشيئا. وبوعزة هذا كان أعور. يقول البناؤون الذين اشتغلوا معه في البيضاء انه سقط من فوق بناية ولو لم يكن له عمر كلب لمات ساعتها. لكن بعض متفكهي القرية يروون عن حسن الراعي أن الذي ذهب بنور عينه هو روائح الضرط التي يفجرها الغلمان في وجهه ساعة الطعان. غير أن الذي حير الكبير والصغير وظل الكل يلوكه في صمت هو كيف استطاعت راضية أن تظل راضية على بلاويه هذه السنين كلها؟ راضية هذه كانت حين تمشي تبدو كبطة. وكانت المسكينة تحب القرية، وتحب الكرام من أهلها. غير أن ما تحبه أكثر هو الذهاب عند عويشة التي لم تحتر كما احتارت نساء القرية في تفسير سر البشر الذي صار يطفح على وجه راضية. فقد أسرت لجارتها زهيرو، ورجتها ألا تخبر أحدا أن ورم رجلي راضية كاد يزول بفضل جو القرية الجاف وأن ذلك لن يعوقها بعد اليوم عن ولوج كل بيوت القرية لابتلاع ما لذ وطاب من هندية وكسكس وباذنجان ولبن.... و....ولم تعقها قدماها. صارت تحج إلى كل البيوت.
وصار بوعزة يطوف بهمة لا تفتر يبحث عن غلام أو يحارب خصما منافسا.غير أن خوفه الكبير كان من أخيه المختار الذي تجاوز خريفه الستين وما زال مصرا على الإضراب عن الزواج لاغناء تجاربه. ودارت الحرب سجالا بين الرجلين.وأقسم كل واحد بشرفه وبشيبه ألا يتوقف أو يتراجع أبدا. وفي عز الحرب كان بوعزة يطير إلى البيضاء لصرف معاشه فيبتاع زجاجة ويسكي و"طرفا"من"الكيف" ثم يعود إلى قواعده ليعدهما كمائن مغرية. وسارت الأمور كما يشتهي بوعزة ويكره المختار مدة من الزمان.
و كاليد أدماها سوارها استيقظت القرية ذات صباح ملتهب على مقتل بوعزة. اكتسح القرية هدير الصمت. وعلا الوجوم وجوه الناس. لحظات عصيبة لم تدر بخلد أحد قط. حضر رجال الدرك. لم تتراجع امرأة واحدة. تقرفص الأطفال الحفاة بجانب الجدران يطردون الذباب عن زبد أنوفهم وعيونهم. كانوا يتابعون ما يجري ذاهلين ويسترقون السمع للكبار يتمتمون بالأدعية ويقرأون اللطيف وأعناقهم مشرئبة للجثة المطعونة. )كبيزة قتلو...سمعتو كالها... ( ولم ينكر"كبيزة" ابن السابعة عشر ربيعا. كان يضحك وهو يشخص المشهد. حتى خاله الأعور الذي حج إلى السجن أكثر من مرة تعجب من جرأته وسب الزمان الذي صار فيه الإنسان يقتل الآخر بسبب سنبلة "كيف" واحدة. نعم سنبلة"كيف" واحدة. وحين انطلقت سيارة الجيب تحمل خلفها" كبيزة"، كان ما يزال يضحك وهو يتأمل ويسمع عويل راضية يشق سماء القرية.
