الخميس ١٢ شباط (فبراير) ٢٠٠٩
بقلم طلعت سقيرق

جناح واحد يكفي

كان البرد شديدا في ذلك اليوم، قالت الأم عندما رأت ابنها الصغير يرتدي ثيابه ويستعد للخروج:
  إلى أين يا سامر إلى أين يا حبيبي.. الجو بارد وصدرك لا يتحمل البرد..
قال سامر:
  أريد أن أتجول في شوارع القدس يا أمي..لن أبتعد كثيرا..ربما أرى بعض الأصدقاء.. لم أرَ أحدا منهم منذ مدة.. تعرفين يا أمي هذه الحواجز التي يقيمها جنود الاحتلال في كل مكان.. إنهم يمنعون كل شيء..
  يا بنيّ ها أنت تضع سببا آخر لعدم خروجك.. تعرف أن جنود الاحتلال لا يفرقون بين صغير وكبير.. لا داعي لخروجك يا حبيبي..
  أرجوك يا أمي لن أبتعد كثيرا.. اشتقت لشوارع القدس..
  حسنا لا تتأخر يا سامر..
  حاضر يا أمي..
خرج سامر من البيت.. كان عاشقا لشوارع القدس ولكل شيء فيها..تعلم كيف يحب هذه المدينة الأثيرة فصارت كما يقول دائما مخاطبا والده:
  إنها حبيبتي ولن أتزوج غيرها..
كان الأب يضحك ويقول:
  يا سامر هل تحب القدس إلى هذا الحد؟؟..
  أحبها أكثر من أي شيء آخر..صدقني يا أبي أتمنى كثيرا أن أبقى جالسا في المسجد الأقصى حتى خلال الليل والنهار..
  آه يا سامر ما أروع هذا المسجد.. كم أتعذب حين يحرموننا من الصلاة فيه..
قال سامر:
  لماذا يفعلون ذلك؟؟..إنها مدينتنا..ماذا يريدون؟؟..
  لقد سرقوا كل شيء يا سامر ولن يتوقفوا عند حد..إنها المدينة الأقدس في العالم لذلك يريدون أن تكون لهم.. يؤلفون الأكاذيب الكثيرة، لكن ستبقى القدس لنا مهما حاولوا..

كان سامر قد ابتعد قليلا عن بيته.. لم يشاهد أحدا من أصدقائه.. تعجب.. واصل السير قليلا حين انتبه إلى زقزقة عصفور قريبة منه.. تلفت هنا وهناك.. وجد العصفور ملقى على الأرض..اقترب منه وحمله بين يديه.. قربه من وجهه..قال:

  ما بك أيها العصفور؟؟..لماذا ترتعش هكذا؟؟..
  أتيت من البعيد.. قطعت مسافات طويلة حتى وصلت إلى المدينة التي أحب.. كان كل ما يهمني أن أصل إلى القدس.. كدت أرى كل مدن العالم..لكن مدينتي هذه تبقى هي الأحب والأجمل والأقرب إلى قلبي..
  هل أنت أيضا من القدس أيها العصفور.. هل للعصافير وطن أيضا؟؟..
رفرف العصفور بجناحيه بين يديّ سامر وقال:
  طبعا.. أنا من هنا.. آبائي وأجدادي من هنا.. لا نعرف وطنا آخر غير هذا الوطن..مهما ابتعدنا فلا بدّ أن نعود إلى مدينتنا هذه..
لاحظ سامر أن العصفور المتعب بحاجة إلى الراحة..قال:
  سآخذك إلى البيت.. هناك سأعتني بك حتى ترتاح وترحل أينما شئت.. إلى أين تنوي السفر بعد أن ترتاح؟؟..
  لن أسافر إلى أي مكان سأبقى قريبا من المسجد الأقصى.. هناك سأبني عشي وأقيم إلى ما شاء الله..
  لو كنتَ إنسانا لمنعك جنود الاحتلال حتى من تحقيق هذا الحلم..
  أتعرف بينما كنت أطير متجها إلى هنا.. أطلق أحد جنود الاحتلال زخات من الرصاص في الجو دون أي سبب.. لم أصب لكنني وقعت مرعوبا مرتعشا حيث وجدتني..
  ربما عرف انك عصفور فلسطيني..
  هل يلاحقون العصافير الفلسطينية أيضا؟؟..
 لا تستغرب.. لو عرفوا أن هذه العصافير أو تلك فلسطينية للاحقوها.. على كل الحمد لله انك لم تصب بأي أذى..
وصل سامر إلى البيت.. وضع العصفور على الطاولة في غرفته الصغيرة..أحضر له بعض الماء والخبز المبلل.. أكل العصفور بنهم وشرب حتى ارتوى.. قال:
  ما اسمك أيها الطفل اللطيف؟؟..
  سامر..
  هل تحب القدس مثلما أحبها يا سامر؟؟..
  ربما أكثر منك بقليل..
  لا فأنا أحبها كثيرا.. أكثر مما تظن..
  كلنا نحب القدس.. نحبها كثيرا.. استرح أيها العصفور.. هل أحضر لك قفصا لترتاح فيه؟؟..
  لا أرجوك لا أحب الأقفاص.. سأرتاح حتى الصباح وأطير إلى الأقصى وأقيم هناك..يمكنك أن تزورني في أي وقت.. صرنا أصدقاء يا سامر أليس كذلك؟؟..
  طبعا صرنا أصدقاء.. إذن ستنام على الطاولة حتى الصباح.. لماذا لا تبقى معي عدة أيام وبعدها نذهب إلى الأقصى معا؟؟..
  لا لولا رصاصات الجندي الإسرائيلي لما توقفت.. عذرا يا صديقي فأنا بشوق شديد للأقصى..
  كما تشاء أيها العصفور.. هل أحضر لك شيئا آخر..
  لا يا سامر يمكنك أن تنام وسأنام أنا على الطاولة.. تصبح على خير..
  وأنت بخير أيها العصفور.. لماذا لا تنام إلى جانبي فالجو بارد؟؟..
  لا تخف يا سامر ريشي يدفئني وأنا متعود على ذلك..
نام سامر وأخذ يحلم بشمس تشرق على مدينة القدس لا يكون فيها احتلال أو جنود مدججون بالكراهية.. شاهد العصفور في الحلم فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.. فلم يكن يخطر في باله من قبل أن هناك عصفورا فلسطينيا وآخر غير فلسطيني.. حتى في الحلم كان العصفور يحدثه كيف طار من مدينة إلى مدينة حتى وصل إلى القدس.. تعجب سامر.. حمد الله على انه ما زال في القدس.. كم كان سيعاني لو انه كان بعيدا عنها.. بالتأكيد لن يستطيع أن يطير كما فعل العصفور.. تمنى في حلمه أن يعود كل أهاليه إلى فلسطين..
في الصباح صحا سامر وهو يسمع زقزقة العصفور القريبة.. قال وهو ما يزال في فراشه:
  صباح الخير أيها العصفور..هل نمت جيدا؟؟..
 صباح الخير يا سامر.. الآن افتح لي النافذة لأطير نحو الأقصى..
  ولمَ كل هذه العجلة سأحضر لك قليلا من الطعام والماء وبعدها ترحل..
  لا يا سامر أرجوك دعني آكل وأشرب هناك أنا في شوق شديد للأقصى..
  كما تشاء..
قام سامر وفتح النافذة..وضع العصفور على الحافة..حرك العصفور جناحيه فشعر بألم شديد في أحد جناحيه ولم يستطع الطيران.. قال سامر:
  ما بك أيها العصفور.. لماذا لا تطير؟؟..
  يبدو أن احد جناحيّ مصاب..لا استطيع الطيران..
  إذن لا بدّ أن تنتظر حتى يشفى وبعدها يمكنك أن تطير..
  سامر أرجوك احملني إلى هناك..
  لماذا لا تنتظر.. الأفضل أن ترتاح هنا حتى تشفى وبعدها ستطير كما تشاء..
  لا يا سامر إن كنت صديقي حقا فاحملني إلى هناك..
  كما تريد..
حمل سامر العصفور.. خرج من البيت متجها نحو الأقصى..كلما اقتربت المسافة كان العصفور يزقزق بفرح.. وصلا.. تنهد العصفور وكأنه إنسان يلتقي من يحب بعد طول فراق.. قال:
  شكرا يا سامر.. اتركني هنا.. لقد قمت بواجبك نحوي على أكمل وجه.. مرة أخرى شكرا لك..
  وجناحك أيها العصفور.. جناحك المصاب؟؟..
نظر العصفور إلى الأقصى بحب وقال وهو يودع سامر:
اسمع يا سامر.. لقد تعذبت كثيرا حتى وصلتُ إلى هنا.. أريدك أن تطمئن.. سأكون بألف خير.. وتذكر دائما أنني بعد أن وصلت إلى الأقصى فلا شيء يهم وجناح واحد يكفي..


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى