حرمتان وحرم
يحرم التلخيصُ عادة العملَ الأدبي كثيراً من سماته وخصائصه، ولكن لا بدّ مما ليس منه بدّ، إذ يعرض الروائي صبحي فحماوي في روايته هذه تجربةَ عقدِ قِرانٍ صوري لفتاتين فلسطينيتين؛ «تغريد» الخجول و«ماجدة» الجريئةِ في مخيمات الأرض المحتلة لرجل خمسينيٍّ ليسافر معهما، بوصفِه محرماً، إلى أحد أقطار الخليج العربي الذي لا يمكن لامرأة أن تدخله من دون مَحرم، ويصوّر معارضة خطيبيهما «جهاد وغازي» لسفرهما خارج الوطن، لكن لا حول لهما ولا قوة.
وتدور أحداث الرواية حول حياة هاتين الفتاتين «تغريد وماجدة» بعد أن تخرّجتا في معهد معلمات إحدى المدن الفلسطينية المكتظة بالسكان، وفضلاً عمّا يسببه الاحتلال الصهيوني من ظروف القهر والفقر، تقوم الفتاتان بالبحث عن عمل، لكن من دون فائدة. وكان خيار السفر هو الحلّ الوحيد أمامهما؛ فتعاقدتا مع بعثةٍ تعليمية ٍ عربية ٍ بعد أن واجهتهما مشكلة انعدام فرص العمل في الديار الفلسطينية، وعايشتا مأساة فقر عائلتيهما إلى غير ذلك من الأمور التي حالت دون زواج كل منهما بخطيبها. لذلك قررتا السفر للعمل في«ولاية الرمال» العربية بإيحاء من الأهل، سعياً وراء تحصيل لُقمة العيش، ليس لهما فحسب وإنما لأسرتيهما المنكوبتين المحاصرتين، وبغرض تحسين مستواهم المعيشي، ونظراً لأنّ الفتاتين لا تستطيعان السفر إلى مدينة الواحة وحدهما من دون مَحرمٍ موثوق به يحميهما، ويؤمن لهما دخول واحة الرمال التي ألمح صبحي فحماوي إلى أنّها دولة خليجية، فقد استقرّ رأي أهليهما على أن يرافقهما صديق العائلتين، وهو أحد الجيران المسنين، الرجلُ الطيب "أبو مهيوب" الذي يعيش وحيداً، ولقاءَ أجرٍ خصّصه الأهل له، جرت كتابة عقدي زواج صوريين تربطانه بالفتاتين، وهو أشبه بوالديهما.
يسافر الثلاثة إلى «واحة الرّمال». ومع الظروف التي تواجه الفتاتين وعائلتيهما تعذّر عليهما الاقتران بمن تريدان فعلياً، فبقيتا على أمل الزواج وكانتا في كل صيف تحملان الهدايا مع «أبو مهيوب»، حين يأتون جميعاً لزيارة الأهل في غزّة المحاصرة، حيث تنهال عليهما طلبات الزواج، ولكنّ الأهل يرفضون لجملة أمور تفهم من سياق الرواية.
بعد ذلك وفي أثناء عملهما في الخليج العربي ؛ ونتيجة لآلامهما في العمل المضني هناك، ولعذاباتِهما قبلاً في الأراضي المحتلة، وإحساسهما بالإحباط والانكسار عندما كانتا تزوران الأهل في العطلة الصيفية.
و في السّنة السابعة والأخيرة لهما في الغربة المضنية والمهينة خارج حدود الوطن، تقرّر الفتاتان الزواج من الرجل العجوز أبو مهيوب، الذي عاش معهما في بيت واحد طوال سنوات الاغتراب، بخطوة غير مسبوقة، لتنعما بالبنات والبنين إذعاناً لسنة الكون، ولتستمرّ الحياة ؛ بعد أن استشهد «جهاد الأسمر» خطيب «تغريد» وصاحب محْدَدة العودة في معسكر الحصار، وسافر"غازي" خطيب «ماجدة» إلى بلاد العسل/أمريكا للدراسة، ولم يرجع، وتُعلِمان أسرتيهِما بالأمر فتُلاقيان معارضة شديدة، وفيما بعد، ولظروف عدّة، يبارك الأهل هذا الزواج لتنتهي الرواية بانتهاء عقدي العمل في «واحة الرّمال»؛ إذ قرّر الثلاثة العودة إلى الوطن حاملين معهم الهدايا الكثيرة للأهل تماشياً مع العائدات السائدة وبحسب مقولة « أطعم الفم تستحي العين» ، كان ذلك بعد ولادة «ماجدة» بنتاً اسمها «ياسمين»، وولادة «تغريد» صبياً اسمه «مهيوب».
يُستشفُ من الرواية أن الضغط الأُسَري على الفتاتين للسفر بعيداً من أجل العمل يكشف سوء الأحوال الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها الفلسطينيون ـ عموماً ـ بسبب الاحتلال والحصار الجائرين اللذين سببا الفقر والقهر في آن، كما ينمُّ تزويج الأهل للفتاتين من رجلٍ في عقدِه الخامس عن تراخي منظومة العادات السلوكية وتخلخل النسيج الاجتماعي في الأراضي المحتلة، وتبدلها المتنامي في المجتمع الفلسطيني، لذلك فمن المتوقع أن يكون موقف الأهل من بناتهم كذلك في أجواء الممارسات الصهيونية وضغوط الاحتلال الجائرة التي يتعرضون إليها.
يوحي عنوان الرواية بوجود شخصيتين أساسيتين جاذبتين هما محور الرواية «تغريد وماجدة» حيث تمّ تصويرهما من خلال تحاورهما، ومن خلال وصف الراوي لهما وصفاً خارجيّاً وداخلياً. ويلاحظ طغيان الأنثوي على الذكوري فقد احتلت المرأة القسم الأكبر من تحرك الشخصيات في مقابل الرجل في هذه الرواية، التي سعى مؤلفها إلى تمكين العلاقة الحميمية بين المرأة والرجل وتكاملها في مواجهة الأخطار الداهمة للجميع على حد سواء.
– شخصيّة «تغريد»: لا شكّ أن اسم الشخصية الأدبية يمثل بؤرة دلالية في العمل الروائي، ومن صالح الدراسة الفنية أن نعد اسم الشخصية دالاً، وأن نفتحه على مدلولات وتأويلات أخرى؛ فـ (تغريد) اسم يوحي بالجمال وبالصوت الموسيقي العذب، وعلى وزن ( تفعيل) الذي يدل على الاستمرار والثبوت. وقد اختار الكاتب هذا الاسم بعناية بحيث يكون مناسباً لطباع هذه الشخصيّة اللّطيفة والجميلة. وعلى الرغم من حياتها الصّعبة في معسكر الحصار إلاّ أنها كانت تلبس قميصاً أصفر أو أحمر، وتنّورةً طويلة زرقاءَ أو خضراء. أمّا في الغربة فقد أُجبرت على لبس البرقع والملاية والحجاب والعباءة السّوداء، وقد تناوبت عمليّة سرد الأحداث مع الراوي. وهي إنسانة مرهفة الإحساس تحب الرسم والفن، وتظهر على أنها إنسانة مثقفة تناقش الأمور بطريقة فلسفيّة بسيطة، وقد تجلّى ذلك بوضوح عندما ناقشت إحدى طالباتها حول مشروعيّة الرسم والنّحت والفن.
تحبّ تغريد خطيبها جهاد، وتخلص له لكنّه استشهد وترك فؤادها فارغاً، وقد ورد على لسان الراوي وصفاً خارجيّاً مذهلاً لشخصيّة تغريد في قوله:« لم تكن عارية بل كانت تلفّ جسدها الأشقر المتناسق بمنشفة الحمّام المربوطة فوق نهديها الرّمانتين...وتتدلّى المنشفة البنفسجيّة القصيرة التي لا تغطي سوى الجزء الموصل بين فخذيها الشمعيين المكتنزين أنوثة ساحرة...»
– شخصيّة ماجدة: أوردت الرواية وصفاً دقيقاً لهذه الشخصية، وجاء هذا الوصف على لسان تغريد عندما سألتها ماجدة: كيف يراني الناس من بعيد ؟ فأجابتها: ( إنّ جسدكِ باهرُ الجمال، فأنت طافحةُ النهدين، مربربة الرِدفين، ضامرة البطن، متناسقة القدَّ، بشرتُك سمراءُ، حنطيّة اللون، ونظراتك ساحرةُ الابتسامة..) ، وهذه صفات شكلية خارجيّة، أما الصفات الداخلية فتتابع تغريد قائلة: ( إنك بريئة التصرفات، كثيرة الفلسفة، والكلام الفارغ المضحك والمحزن، تقولين كل ما لديك، بلا لفّ أو دوران،...أكثرُ مني جرأة، وخفة دم، واندفاعاً في التعبير عن الذات... ويبدو أن لونك الحنطيّ يا ماجدة، وامتلاءَ جسدك بغير إفاضة، وحركتَك الدؤوب تركت تأثيراً كبيراً على شخصيّتك).
وقد بدت شخصيّة ماجدة تميل إلى النكد مقارنة مع صديقتها تغريد التي تميل إلى المرح أكثر، وقد بدا ذلك في مواطن عدة. وشخصيّة ماجدة جادّة تحبّ التفلسف ومناقشة الأمور مناقشة منطقية ومن ذلك عندما ناقشت مسألة ارتداء المرأة للحجاب وامتناع الرجال عن ارتدائه.
لا يعرف الضحك سبيلاً إلى قلب ماجدة، على عكس شخصية تغريد التي بدت مازحة وضاحكة وحنون، وتأخذ الأمور ببساطة، فقد مازحتها تغريد مرّة بقولها: (ولكنّك عندما تضعين الملاية السوداء على جسدك، والستائر على وجهك، تصيرين مثل الدبّة السوداء، منظرك مضحك).
وقد بدت الشخصيتان الأساسيتان ماجدة وتغريد مازحتان ومناكفتان في آن، فمرّة تصف تغريد صديقتها ماجدة بأنها (دبّة)، فتردّ عليها ماجدة بأنها هي الأخرى (قرن خرّوب). ومع ذلك يمكننا القول: إنّ كلتا الشخصيتين النسويتين ينتحان من مناهل ثقافية واجتماعية وأخلاقية وسلوكية واحدة، لذلك تشابهتا إلى حدٍّ بعيد، وإن اختلفتا في الهيئة والشكل وفي بعض التصرفات.
– الأستاذة (موزة): امرأة عربية وكيلة المديرة، طويلة وسمينة، تلبس ثوباً أسود فضفاضاً، تمشي ببطء، يغطي الشحم صدرها وبطنها وردفيها. وقد ورد ذكر هذه الشخصية عندما بدأت تغريد عملها في التدريس.
– شخصيّة أم شيخة (جواهر): امرأة عربية تَلبِس ملاءةً سوداء وتخلعها في أثناء جلوسها في البيت، فقد صوّرها السارد بشكلها الخارجي فقال: «ظهرت بجسم ممتلئ، يجسّمه ثوبٌ زهري شفّاف قصير ينحسر فوق فخذين مدملجين سمراوين كالقمح المنقّى، ويُبرز ذراعين عاريين حتى ماتحت إبطين منتوفي الشعر..» كما صورها بشكلها الداخلي فأظهرها على أنها شخصيّة قوية تعرف كيف تتصرف مع نفسها وزوجها. وبعد ذلك ظهرت على أنها قد تكون تمارس الجنس مع سائقها الأعجمي.
لقد صوّر الروائي الشخصيّات بدقة ليجعلنا ندخل في جو الرواية وكأننا نعيشه ونعايشه، فقد وصلتنا معلومات وأخبار كثيرة على ألسنتها أو بوساطة تعليقات شخصية من واحدة على ثانية، أو من لدن السارد بالتعليق تارة أو بالتدخل المباشر تارة أخرى. وهذه التفصيلات هي من براعة الكاتب ليضفي على روايته الحيوية والواقعية، وعنصر التشويق والإثارة.
وكأني بالروائي يقول: على الرغم من عدم لبس الخمار في فلسطين، إلا أنه لا يوجد غزل فاحش، ولا توجد خيانات زوجيّة على نحو فاضح كما هي الحال في بلاد الرمال، أمّا عند من يعزل النساء عن الرجال في الحافلات، ويلزم النساء بلبس الجلابيب السوداء، ونتيجة للترف المادّي والغنى الفاحش، فإننا نجد بعض الغزل الفاحش، وبعض الخيانات الزوجية ؛ فأم شيخة زوجها ثري وتاجر مستورد من جميع البلدان، وله خدم وسيّارات ؛ وعلى الرغم من ذلك فإنها قد تخونه مع سائقها.
تترجّح الوسائل التي اعتمد عليها الروائي في بناء الشخصيات بين التقرير أي حكاية الأقوال، والتصوير أي حكاية الأفعال، ويدخل في الأول تدخّل الراوي المباشر في الوصف، الذي كثيراً ما يتردد في حركة السرد، ومن ذلك قوله في تغريد«تمر تغريد بجمالها الأخاذ.عينان خجولتان حذرتان، تنأيان عن حفر الطريق، شقراء شفافة زهرية الوجه واليدين والكعبين. ناهد الصدر، هضيم الكشخ، ريا المخلخل»
وأحياناً تسرد فيها تغريد ما يتعلق باتخاذ قرار سفرها وماجدة مع« أبو مهيوب» مقدمة الأسباب والمعطيات لتنتهي بالنتائج والواقع: «لا أعرف كيف وافق أبي على إرسالي مع أبو مهيوب إلى هذه البلاد البعيدة..» ولا أعرف كيف استطاع جمع أمي وأم ماجدة فوراً، وتناقشوا في الأمر، ثم استدعانا أنا وماجدة، حيث كنا قاعدتين في غرفة مجاورة نرتجف، بانتظار نتائج مؤتمر القمة العربي «ثم تتابع» أجلس هنا ساهمة مفكرة بهذا الجو الخانق والتعليم الممنوع من الصرف، والتربية المطلوب أن نتربى بها ونتعلمها وليس أن نُعلِّمها للبنات.. ورجال الدين الذين يتدخلون فيما ليس من حقهم
و مما يمثل استحضار الروائي للموروث التاريخي العالمي قول الروائي: «تمرّ تغريد بجمالها الأخّاذ أمام محددة العودة فينتصب الحداد جهاد واقفاً متملّياً وجهها المشرق، ويتضخم صدره صاعداً نازلاً بلهاث من يركض في سباق الماراثون». فقد أراد الروائي هنا إظهار الحالة النفسية التي تنتاب جهاد حينما تمرّ به محبوبته تغريد، حيث تتداخل المشاعر في تلك الحالة وتترك تأثيراتها على جسد جهاد، فتزداد ضربات قلبه، وينصب عرقه، ويصفرّ لونه، كمن يجري في سباق الماراثون، فقد أفاد الروائي من موروث تاريخي قديم وهو قصة الماراثون (التي هي قصة جندي يُدعى ماراثون، اضطر للركض مسافة / 40 / كم بين المعسكرين اليوناني والروماني لإبلاغ الجيش بالاستعداد للقتال، إذ لم تكن آنذاك وسيلة للاتصال بينهما)، فاستعان الروائي بهذه القصة في تبيان حالة جهاد النفسية عندما كان يرى جمال محبوبته تغريد.
وقوله :«هذا ما كان يشعر به لحظة عبور الثريا أو مذّنب هالي». يستطرد الروائي هنا في توضيح الحالة النفسية التي كانت تعتمل في نفس جهاد إثر مرور تغريد به، فيشبّهها بالثريا وبمذنب هالي، وقد استعان بهذين الرمزين ليدلل على شدّة جمال تغريد ونضارتها وحسنها وفتنتها.وقوله :« وأي يد فنان موهوبة ساحرة، تستطيع رسم هذا العنق المصقول كالرخام...الشاهق الارتفاع مثل يد شعلة الأولمب».
أراد صبحي فحماوي إبراز مفاتن تغريد ومحاسنها، فبدأ بوصف جيدها، وجعله متعالياً على كل ما ينال من قدسيته، كشعلة جبل الأولمب، فوظّف الروائي هنا الموروث التاريخي القديم لإظهار جمال جيد تغريد فشبهه بشعلة النار المتقدة فوق جبل الأولمب، حيث مجمع الآلهة في الأساطير اليونانية، ومن شعلة النار هذه خرجت أسطورة بروميثيوس سارق النار.
وقوله :«احتارت الطالبات بنظراتي، وراح بعضهن يبتسم بلؤم كابتسامة الموناليزا المحيرة».
يصف الروائي لنا دهشة الطالبات وانبهارهن من جرّاء لقائهن الأول بمعلمتهن الجديدة ماجدة، فرحن يتأملن معلمتهن بعيون تجمع في نظراتها مشاعر متداخلة بين لؤم وحيرة ودهشة وفرح، تلك النظرات أشبه ما تكون بنظرة الموناليزا وابتسامتها المحيرة، فالروائي يوظّف هنا لوحة الموناليزا للفنان ليوناردو دافنشي للدلالة على المشاعر المضطربة والمتداخلة التي أصابت الطالبات إثر لقائهن بالمعلمة الجديدة، فنظراتهن وابتسامتهن أبلغ ما توصفان به هو نظرة الموناليزا وابتسامتها المدهشة والمحيرة في آن.
ورد في الرواية قصص كثيرة منها ما هو واقعي ومنها خرافي، وكل من هذه القصص وُظِّّف ليخدمَ فكرةً معيّنة، فقصّة (سرايا بنت الغول)، التي يبحث عنها ابن عمّها في الغابة، ويصل إلى القلعة، فتدلّي له شعرها الطويل، ويتسلّق القلعة، ويدخل غرفة نومها، ويخلصها من الغول، ترمز هذه الحكاية إلى أنّ تحرير فلسطين من غول الصّهاينة يحتاج إلى عمل كبير. أمّا قصّة المرأة التي مات جنينها على الحاجز وبقيت الأم تدمي في أثناء ولادته وبعدها، التي وردت في ثلاث صفحات، فترمز كل منهما إلى أن فلسطين يستشهد أبناؤها وتبقى هي جريحة في الحياة، ولا يستطيع العرب فعل شيء لها.
أمّا قصّة خلع الفتيات ثيابهنّ في غرفة زجاجيّة للتفتيش، في أثناء عبور الحدود أمام المفتشات الإسرائيليّات فترمز إلى أنّ الشّرف العربي مباح للصهاينة. ومن خلال ما سبق نجد أنّ الرواية تذخر بالرموز فلا تكاد تخلو ورقة فيها من رمز أو قصّة ترمز إلى شيء له دلالة واضحة.
تقول تغريد:«هنا أعيش مجبرة على لبس البرقع والملاية والحجاب والخمار والدثار والعباءة السوداء وكل أدوات الدفن، خوفاً من الضياع، أسير وأنا مدفونة في الحياة».
وتقول: «ها نحن نقوم بأعلى الواجبات, ألسنا نشتغل في بلاد الله الواسعة، ونحصل على رواتب ونعيش عائلتين كبيرتين مركّبتين فقيرتين محاصرتين؟ ألسنا نقوم بأكثر مما يقوم به الرجال الممنوعون من العمل، وأفضل من مئات الرجال الكسالى القاعدين في بيوتهم بلا شغل ولا مشغلة؟ ألسنا نثبت أننا كفؤات، ونستحق الحياة ونحن نكافح، ونضع كرامتنا في جيوبنا أحياناً كثيرة، ونحن نسعى في مناكبها لنطعم أهلنا المحاصرين هناك؟»
وكما تقول ماجدة:«والبرقع والحجاب والخمار والعباءة والملاية هي المشكلة، فلو تظهر كل امرأة بوجهها الحقيقي أمام الملأ، ويحق لها الجلوس مع الرجال والحوار معه بكل أدب واحترام، وذلك من خلال العائلة والأقارب والمعارف والزملاء في الجامعة، أو أماكن العمل، لو يسمح لها بالتعارف في بيئة نظيفة، وليس من خلال الاتصالات بالهاتف والكلام المعسول، لتمت تفاهمات واقعية واختار كل منهما ما يناسبه حسب قناعته، ولانخفضت بذلك نسبة الطلاق»
لا بد في نهاية البحث من التنويه بالعذابات التي عايشتها الحرمتان "ماجدة وتغريد" في الوطن أولاً وفي الغربة ثانياً في رواية «حرمتان ومحرم»، وكان من الضروري من رصد مدى تحملهما أعباء شظف العيش. كي تنفقا على أسرتيهما المحطمتين تحت نير الاحتلال الغاشم، فالمرأة الفلسطينية هنا، ليست امرأة عادية، إنها من سُلالةِ الجبّارين، مناضلة بتأمين رغيف الخبز وسحبه من بين الرمال الحارقة، كي تطعمَ به الجياع في فلسطين. أهيَ امرأةٌ عاديةٌ في هذا العصر المأزوم المبدّد لمنظومة القيم الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية وغير ذلك من مكونات إنسانيةِ الإنسان الحقّة؟، أهي امرأة مع ظروفها التي تُدَمّرُ قلوبَنا حُزناً ؟ وحواءُ الخليج الرافلةُ بنعيم المرأة الصحراوية العربية، صاحبةُ الخادمات والرحلات والسائق الخاص ومتع الحياة المتوافرة لها.
لقد صورت هذه الرواية النسوةَ في ممر الطائرة الهابطة في مطار واحة الرمال، وهن مزركشات الثياب متبرّجات، صدورهنّ ناهداتٌ، وأردافهن مثيرة، بنطالاتٌ قطنيةٌ ضيقة على آخر طراز، أو تنانيرُ قصيرةٌ زاهية الألوان سرعان ما تجلببت، كلُّ ذلك تمَّ بقدرة قادرٍ لتحتويهن براقع سود، وبلمحة برق تمّ الفصلُ بين النساء والرجال.
لقد كان جنوح الروائي إلى التوثيق الاجتماعي وتوجهه شبه الواقعي أبرز ملامح إبداعه في هذه الرواية.
والسؤال المقابل؛ هل هاتان الفتاتان هما «حرمتان بمفهوم الحريم» أم أنهما تعدلان عشرات الرجال ضعيفي الإنتاج، قليلي الهمّة، ومئات بل آلاف النساء المتبرجات اللاهيات العابثات اللواتي ُصوّرن لنا «ناقصات عقل ودين؟!» الحرمتان ليستا حرمتين، إنهما مفكرتان رائدتان من رواد النهضة العربية ولكنها الظروف، ظروفهما...! وظروف المجتمع العربي عموماً.
حرمتان ومحرم، معاناتان ومعاناة، قيدان وقيد، مهمتان ومهمة، الحب والحياة، الروح والأهل، التخلف والحصار، ثنائيات احتوتها هذه الرواية بجدارة، والتي تعالج، في الأعم الأشمل فكرة الحرية بمعناها الأخلاقي والعلمي والنفسي، وتطرح طوفاناً من التساؤلات: لماذا لا يستخدم الفيتو العربي إلا في وجه النساء؟ كما تمثل هذه الرواية معاناة الإنسان بين حاجات الروح ومتطلبات الجسد، فالفتاتان تعملان بجد ولكن روحيهما تسكنان في مكان آخر.
المطلوب منا جميعاً - مبدعين ومثقفين- أن نفكّك الحواجز عن الحريم - عموماً - وعن الفلسطينيات خصوصاً كي يبدعن، فالحواجز ليست عند «المحسوم» الإسرائيلي فقط بل هي عند العرب أقسى وأشد، أولئك الذين يضعون الحواجز «المحاسيم» على وجوه النساء كي يبقين مجرد قوارير للتعبئة والتفريغ فقط. و«المحاسيم» هي عند الحدود «العربية العربية» حدود...دود...دود...
