الخميس ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٢٦
بقلم إنتصار الخشت

خارج الحكاية

هناك، في مكانٍ ما من فلسطين، طفلٌ لا يعرف لماذا صار الطريق إلى مدرسته أطول من عمره.

وفي غزة، أمٌّ تفتش بين ما تبقى من بيتها عن شيء صغير يشبه الحياة؛ لعبةٍ لطفل، صورةٍ قديمة، فنجانٍ نجا من الركام، أو نافذةٍ كانت تطل ذات صباح على سماءٍ لم تكن تعرف الحرب.

وفي الضفة الغربية، يمضي الناس في طرقٍ يعرفونها جيدًا، لكن الحواجز والقيود تجعل الطريق إلى البيت نفسه حكايةً أخرى.

وفي القدس…

تبقى المدينة واقفةً كأنها تحفظ سرًّا أقدم من الخرائط.

القدس ليست حجرًا فقط.

إنها ذاكرةٌ تمشي، وصلاةٌ تصعد، وأجراسٌ تتجاور، وأبوابٌ تعرف أسماء العابرين.

لكننا، ونحن نتابع الأخبار، اعتدنا أن نرى فلسطين في صورةٍ سريعة: رقمٌ في شريط عاجل، مشهدٌ من الركام، تصريحٌ سياسي، أو خريطةٌ تتبدل حدودها في نشرات المساء.

ثم ينتهي الخبر…

وتبقى الحكاية.

خارج الحكاية التي تصلنا على الشاشات، هناك حياة كاملة.

هناك خبزٌ ينتظر من يشتريه، ودفترٌ مدرسي لم يُفتح، وطفلةٌ تريد أن تمشط شعرها أمام مرآة، وأبٌ يحاول أن يبدو قويًا كي لا يخاف أطفاله، وأمٌّ تخبئ دمعتها حتى لا تراها الأسرة.

هناك إنسان يريد فقط أن يعيش.

وهذه هي الحكاية التي كثيرًا ما تضيع بين العناوين الكبيرة.

غزة ليست ركامًا فقط.

غزة بحرٌ وذاكرة، وأمهاتٌ وأطفال، وأغانٍ كانت تعرف طريقها إلى النوافذ قبل أن يصبح الليل ثقيلًا.

والضفة الغربية ليست خطوطًا على خريطة.

إنها زيتونٌ متجذر في الأرض، وقرى، وبيوت، وحقول، ومدارس، وناسٌ يواصلون تفاصيل يومهم رغم القيود والعنف والنزوح.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى استمرار التهجير والعنف الاستيطاني وهدم الممتلكات وقيود الحركة في أنحاء من الضفة، بما فيها القدس الشرقية. (OCHA OPT⁠)

أما فلسطين…
فهي أكبر من أن تُختصر في مشهد.
فلسطين أمٌّ تنادي أبناءها بأسمائهم.
وشجرة زيتون تعرف جذور الذين زرعوها.
وحجرٌ يحتفظ بحرارة يدٍ مرّت عليه.
وفوق كل ذلك، هي الإنسان.

الإنسان الذي لا ينبغي أن يتحول، من فرط تكرار صور المأساة، إلى رقمٍ نفقد القدرة على رؤيته.

حين نسمع عن طفلٍ قُتل، لا ينبغي أن ننسى أنه كان له اسم.

كان له صوت.

وربما كان له حلم صغير جدًا؛ أن يصبح طبيبًا، أو معلمًا، أو رسامًا، أو أن يكبر فقط.

وحين نسمع عن بيتٍ هُدم، لا ينبغي أن نراه جدارًا فقط.

فالبيت ذاكرة.

فيه أول خطوة، وأول صورة، ورائحة الخبز، وكرسي الجد، ودفتر المدرسة، وضحكة لم تعد تعرف أين تذهب.

لهذا، فإن الكتابة عن فلسطين ليست كتابةً عن الجغرافيا وحدها.

إنها كتابةٌ عن الإنسان حين يحاول أن يحافظ على إنسانيته وسط الخراب.

عن أمٍّ تحضن طفلها.
عن شابٍّ يفتح كتابه رغم كل شيء.
عن مزارعٍ يعود إلى أرضه.
عن عجوزٍ يعرف أسماء الأشجار واحدةً واحدة.
عن شعبٍ يريد أن تبقى ذاكرته حيّة.
وفي زمنٍ تكثر فيه الصور، ربما نحتاج أن نرى ما وراء الصورة.

أن نسأل:

من كان يعيش هنا؟
من كان ينتظر؟
من كان يحلم؟

ومن الذي ما زال، رغم كل شيء، يقول للحياة: أنا هنا.

فلسطين ليست خارج الحكاية.

لكن الإنسان الفلسطيني كثيرًا ما يُدفع إلى خارج الرواية التي يكتبها الآخرون عنه.

وهنا تبدأ مسؤولية الكلمة.
أن تعيد للإنسان اسمه.
أن تجعل للبيت ذاكرته.
أن تمنح الطفل وجهًا بدل الرقم.

وأن تقول للعالم إن الأرض ليست مجرد مساحةٍ على الخريطة، وإن المدن ليست حجارةً صامتة، وإن خلف كل نافذةٍ حكاية إنسان.

غزة…
الضفة…
القدس…
ثلاثة أسماءٍ في الجغرافيا، لكنها في القلب أكثر من ذلك.

إنها وجوهٌ وأشجارٌ وبيوتٌ وذكريات.

وإن كانت الحكايات الكبرى تُكتب عادةً بالحبر، فإن فلسطين كتبت جزءًا كبيرًا من حكايتها بالزيتون، وبملح البحر، وبخطوات الذين ظلوا واقفين.

لذلك، لا أريد أن أنظر إلى فلسطين من نافذة الأخبار فقط.

أريد أن أراها من نافذة الإنسان.
من عيني طفلٍ يريد صباحًا عاديًا.
من يد أمٍّ تبحث عن الأمان.
من زيتونةٍ لا تعرف كيف تنسى أرضها.

ومن القدس، التي كلما حاولوا اختصارها في صورة، اتسعت في الذاكرة أكثر.

سلامٌ على فلسطين…
على غزة وأطفالها.
على الضفة وبيوتها.
على القدس وأبوابها.

وعلى كل روحٍ فلسطينيةٍ ما زالت، رغم كل ما مرّ بها، تحفظ للحياة مكانًا في قلبها.

سلامٌ على الأرواح التي رحلت،
وسلامٌ على الذين ما زالوا هناك،
وسلامٌ على وطنٍ لم يخرج يومًا من الحكاية.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى