الأحد ١٥ شباط (فبراير) ٢٠٠٤
بقلم سحر الرملاوي

رواية لاجئة حلقة 15 من 18

قالت ريم لأمها و هي تطوي معها الملابس :
 أمي ألا تلاحظين تغير أحوال قاسم ؟
فقالت الأم و هي تتشاغل بما في يدها :
 الصغير يكبر يا ريم ••

فقالت ريم و هي مصرة على مواصلة النقاش :
 قاسم يبدو لي غير مهتم ، بات معنيا بنفسه أكثر من أي وقت مضى ، حتى أنني أحيانا أشعر أنه يرانا عبئا يتمنى لو يلقه عن ظهره و يفر بأسرع وقت ممـكن ، هل هذه حقيقة ، أم أنني أتوهم ؟
فقالت الأم و هي تضع بعضا من الثياب في خزانتها :
 قاسم مجروح يا ريم ، عنـــدما يحب الشـــاب و يصدم في حبه ، تتحول هذه الصدمة إلى ضربة ، تدفعه إلى التغيير ، و التغيير عند الرجال عادة أكثر حزما ، و عندما يقررونه فإنهم ينفذون ما يقررون ، و قد كانت الأحداث سريعة و متلاحقة يمسك بعضها بزمام بعض ، تخرجه و ر فض حبه ، و وفاة والده ، و سفر مشين •• فجأة وسط كل هذه الضبابات ينبت لديه حل سيخلصه من كل شيء ، من بلد تعيش فيها محبوبته ، و من أسرة مات عائلها ، و من قلة عمل ، قلة كرامة ، قلة إهتمام •• من السذاجة الإعتقاد بأنه سيترك هذا الحل لأية اعتبارات •• و إن كان قاسم يحاول ظاهريا التملص من مشاعره نحونا فإنني متأكدة من أنه داخليا يعاني كثيرا ••
ثم ابتسمت و قالت :
 كما عانى سعيد و يعاني منذ أحبك ، ماذا قررت بشأنه ؟
فقالت ريم :
 أمي ، ذكر سعيد يوم طلبني شيئا عن ابتعاده عن طريقي تلبية لرجاءك ، متى حدث هذا و لماذا ؟
فقالت الأم و مازالت تبتسم :
 منذ بداياتك الأولى في الجامعة على ما أذكر ، كان والدك يرحمه الله مسافرا و فاتحني سعيد بشأن الإرتباط بك ، و رفضت و طلبت منه أن يبتعد عن طريقك و يتركك تعيشين حياتك كما ينبغي ••
فقالت ريم :
 و لكنك اليوم موافقة على ارتباطي به
فأجابت الأم :
 الأمور تغيرت يا ريم ، و ••
قاطعتها ريم و قالت و هي تبتسم بمرارة :
 أصبحت مطلقة ، يتيمة ، وحيدة ، و لم أعد صغيرة فقد شارفت على الثلاثين ، سعيد بالنسبة لمن في ظروفي لقطة ، أليس كذلك يا أمي ؟
قالت الأم بهدوء :
 أريد أن أطمئن عليك ، لن يهدأ لي بال قبل أن أطمئن عليك يا ريم ••
قالت ريم و في نبرتها حنان و تصميم :
 اطمئني يا أمي ، رغم كل الظروف التي ماعادت في صالحي ، فإنني بخير ، و لدي في دنياي ما يحملني ، و يبعد شبح الضياع عني ••
فقالت الأم بأمل :
 ستتزوجين من سعيد ؟
هزت ريم رأسها و قالت :
 سعيد يستحق من هي أفضل مني ، أما أنا •• فلا ••

في المجلة كانت هناك مفـــاجأة سارة لريم ، لقد كون رئيس التحرير فريقا لزيارة الحدود و الإلتقاء مع المبعدين عليها ، و اختيرت ريم ضمن هذا الفريق ، لتتمكن من رسم الموضوع بشكل أفضل ، شعرت و هي تتلقى التكليف بسعادة فائقة ، انتفضت كل ذرة في كيانها لهذا القرار ، إنه القرار الذي كانت تحتاجه بالفعل ، لأول مرة تتفاعل مباشرة مع الحدث الفلسطيني ، لأول مرة لن تقرؤه مثل ملايين البشر ، ستقرؤه في الوجوه ، في الخيام ، في صيحات الصغار ، ستقرؤه في قرص الشمس المسلط عليهم ، و في الرمال الصفراء المتطايرة حولهم ، هذا حقا ما تحتاج •• عندما جاء إليها سعيد ليصحبها إلى المنزل ، قدمت إليه علامات السعادة على وجهها خبرا كاذبا عن موافقتها على عرضه ، فقال و هو يسير نشيطا بجوارها :
 اللهم اجعله خيرا
قالت و هي تستشعر ابتسامتها في قلبها :
 سأسافر إلى الحدود ••
نظر إليها ، كأنه لم يفهم ، انسحبت ابتسامته ، قال :
 تسافرين إلى الحدود ؟
فقالت و هي تؤكد :
 نعم ، كلفت ضمن الفريق الإعلامي المسافر إلى هناك ، سأرى معاناة جديدة للاجئين ، أعيش معهم ساعات ، أسجل خلالها هذه المعاناة ، أدعو الله لي بالتوفيق ••
قال سعيد بسرعة :
 سآتي معك ••
قالت ريم مندهشة :
 تأتي معي ؟ إنها ليست رحلة إستجمام يا سعيد ، رحلة عمل ، و أعتقد أننا سنطالب عند الحــدود بأوراق رسميــة تثبت جهات عملنا للسماح لنا بالدخول ، فكيف ستدخل أنت ؟
فقال و هو يكز على أسنانه مصمما :
 سآتي معك يا ريم و لو اقتضى الأمر التسلل عبر الحدود ••
نظرت إليه ريم و هزت رأسها مبتسمة و قالت :
 مجنون ••!!

***

انتهى قاسم من تجهيز أوراقه كلها ، أصبح جاهزا تماما للسفر ، جمع المال اللازم و اشترى الملابس المناسبة لشاب لا يعرف هناك مصيره ، و كان في الفترة الأخيرة يكثر من قراءة الكتب باللغة الإنجليزية عن الحياة في أمريكا حصل عليها من السفارة ، و يتابع الأفلام الغربية ، و لا يرى إلا و جهاز تسجيل صغير به شريط أجنبي حول أذنيه ، شعرت أسرته أنه سافر قبل أن يسافر ، فلم يعد يهتم كثيرا بما يجري حوله في المنزل ، و عندما طلبت منه الأم مرافقتها إلى ادارة الوافدين لتحضر شهادة تعفي سمر من مصاريف الدراسة باعتبار وفاة أبيها الفلسطيني قال و هو يعود إلى مسجله :
 اذهبي مع سعيد ••
لم تعلق الأم فقالت ريم :
 متى تسافر يا قاسم ؟
رفع السماعات و قال بحماس كبير :
 الأسبوع القادم ••
فقالت و هي تتنهد :
 قل إن شاء الله ••
أغلق التسجيل و قد أستشعر خجل داخلي فهمس :
 إن شاء الله ••
***
في المساء عندما جاء سعيد لتفقد أحوال الأســرة كعادته تعمدت الأم الخروج لإعداد الشاي و هي موقنة أن حديثا هاما لابد أن تنتهي منه ريم مع سعيد ، بادرته ريم :
 كنت سمعت أن عرضا مغريا لشراء لوحة لاجئة قد جاءك فهل بعت ؟
أطرق سعيد ، داخله غضب من هذا السؤال شعر أنه يريد أن يصرخ ، أن ينهض ليهز فيها الاعماق ، ليحرك بحرها الراكد ، ليقتلع بردوها ، تجاهلها ، هدوءها قال و هو يكز على شفته السفلى :
 ستة أعوام يا ريم ، ستة أعوام و مازلت تسألين ببرود قاتل ، ألم تعرفي بعد ، هل فشلت إلى هذا الحد في إيصال مشاعري إليك ؟
فركت ريم يدها و تنهدت و هي تقول :
 لم تصدقني يا سعيد عندما أخبرتك أنني تغيرت •• أعتبرتها من قبيل الحجج الواهية ، لكنني فعلا تغيرت ••
تجربتي مع سهيل لم تكن سهلة ، كانت خليطا مريعا من الأحاسيس •• منذ طلاقي لم أتحدث مع مخلــــوق بهذا الشأن ، لكنني أجد نفسي مــدفوعة للحديث إليك •• لأنك أنت ، و أنت تحديدا من أنقذني منه ••
أجابت على سؤال عينيه بابتسامة حزينة و قالت كأنها تحدث نفسها :
 في ذلك اليوم حلمت بك ، كنت تصيح بي أهــــربي يا ريم ، هيا أهربي •• لم يكــن حلما يا سعيد كان رسالة خلاص ، كان عملية إنقاذ أنت قائدها •• رغم دموع سهيل النادمة يومها كان صوتك أقوى ، كنت أسمعه يطغى على كل واقعي ، يبـــسط نفسه على إرادتي ، و في ذلك اليوم تحديدا ، وصلت مع سهيل إلى مرحلة انكسار لن تتخيلها مهما حاولت ، قدمت له بيدي السكين ليقتلني •• كنت جادة جدا فيما أفعل ، في لحظة هانت الدنيا ، هانت الحياة ، فرغت تماما ، صارت عدم ، في لحظة رفض كل سنتيمتر في جسدي البقاء في الدنيا •• كانت كرامتي مذبوحة ، كنت ضعيفة ، كنت منكسرة ، كنت وحيدة •• شعرت أنني مت فعلا و لم يبق سوى خروج الــــروح ، فجأة شعـــرت أنني ضئيلة ، ضـئيلة جدا ، و لا أستحق الحياة ، القيت إليه بالسكين و رجوته أن يقتلني ••
لحظة إنكسار مــــريعة ، يصعب وصفـــــها ، لـــكنها وسمتني إلى الأبد •• أحرقت بيادري ، و حجمت مشاعري ، جعلت قلبي مجــــرد مضخة دم يؤدي وظيـــــفة ثانوية تمنحني حياة لا أريدها ••
منذ ذلك اليــوم و أنا أسخر حتى الـــــذوبان من أي عبارة حب ، من أية أغنية حب ، من أي قصة حب •• يقين داخلي جعل من هذه الكلمة شيئا مقرفا يشبه مضغة من لحمي يلوكها سهيل ثم يقذفها أرضا و يدوسها بقدمه ••
الحياة كلها كانت تؤكد هذا اليقين يوما بعد يوم ، كل موقف مررنا به ، كل يوم عشنا فيه المرارة و الذل ••كل التفاصيل ، و كل العذابات ، كانوا يمنحونني مباركتهم على يقيني •• أنت الشيء الوحيد الغريب في منظومة الكون حولي ، أنت الوحيد الذي مازال يؤمن بأن مضخة الدم في جوفه قادرة على ضخ الحب ، و لسوء حظك فإنني أنا بالذات المعنية بهذا الحب ••
صدقني يا سعيد أنا لا أستحقه •• لا أفهمه ، لا أشعر به •• لا أريده ••
كانت عينا سعيد قد امتلئت حتى فاضت بدموع صامتة ، قال و هو يضرب كفا مكورا في كف :
 المجرم ••
فقالت و هي تجلس بجواره :
 ستــــندهش إذا عرفت أنني رغم كــــل شيء سامحــــته ، لم أعــد أشعر بكراهية تجاهه ، لا كراهية ، و لا حب •• ربما لأن قلبي لم يعـــد يحمل مشاعر •• لم يعــــد قـــادرا على حب ، أو على كراهية ••
أمسك سعيد يدها ، كانت يده باردة ، مبتلة عرقا ، قال و هو يضغط عليها :
 أنت خائفة يا حبيبتي •• مذعورة •• قلبك صنع غلافا من قسوة ليحمي به نفسه ، لكنني متأكد أن خلف هذا الغلاف القاسي قلبا حساسا مازال قادرا على الحب و العطاء ، قادرا على مهادنة الدنيا ، على الغفران ، أنت عظيمة يا ريم •• لم يكن ما حدث معك في تلك الليلة انكسارا كما تقولين ، كان انتصار ، انتصرت بنفسك على منطق الغاب الذي فرض نفسه علىكما آنذاك •• رفض الإنسان داخلك لغة الحيوانات و قررت الأنسحاب •• أنسحابك كان انتصارا لإنسانيتك يا حبيبتي •• لابد أن تفهمي هذا •• لابد أن تؤمني بأنك كنت الأقوى ، رغم ضعفك ، و هول الموقف لكنك كنت الأقوى •• لا تجعلي من هذه الحادثة وهما تعيشين فيه •• لا تجلدي ذاتك ، فقد كنت الأقوى •• الأقوى يا حبيبتي ••
كانت دموع ريم تسقط حثيثا •• كانت تشعر بعظمة هذا القلب المحب أمامها ، كانت تتمنى لو تستطيع مجاراته ، كانت تتمني لو يستــــطيع قلبها المتعب أن يتخــــلص من رفـضه و عناده فيمنح هذا الإنسان المحب حقا عليه ، و يكتب معه معاهدة وفاق •• كاد لسانها أن يتمرد عليها فيعلن الموافقة صريحة قوية ، لكن قبلة ساخنة طبعها سعيد على جبينها أودع فيها كل تعاطفه و حبه في لحظة لم تنتبه لها ريم أفاقتها •• نزعت يدها بسرعة ، مسحت دموعها ، كان جبينها ملتهب ، شعرت أن قبلته أحرقتها ، و أدركت أنها أبدا لن تستطيع منحه ما يريد ••
هزت رأسها و قالت بسرعة و هي تغادر الغرفة :
 لا فائدة يا سعيد •• لا فائدة ••لن أستطيع •• لن أستطيع
أطرق سعيد ، لمح دمعته و هي تسقط أرضا مس شفتيه بأصابعه و قال بصوت أودع فيه كل أحاسيسه :
 أحبك يا ريم •• أحبك أيتها المعذبة الصغيرة ••
***
سافر قاسم •• ذهبت معه كل العائلة تودعه ، كان يقبض طيلة الطريق على أوراقه ، يحتضن حقيبته الصغيرة ، يلوذ ببرودتهم من مشاعر قوية كانت تراوده عن التراجع ، كان يتشبث بهما كأنه يتشبث بالحياة ، كان يجلس بجوار أمه ، كانت تحتضنه ، قلبها كان يقول كل شيء لكن شفتيها كانت صامتة ، دقات قلبها التي كانت قوية في أذنيه كانت تقرأ عليه تفاصيل الرسالة ، كان يسمعها تردد آيات القرآن لتحفظه ، و تتلو عليه أدعية كثيرة ، و تخلط حديثها الصامت برجاء لا حروف له ليبقى معها ، كانت سطور رسالتها تتلاحق فتختلط حروفها و تتشتت افكارها ، كان يشعر بيدها تمسد رأسه تارة ، و تحتوي كتفيه تارة أخرى ، كان يشعر بأنفاسها الملتهبة تهب عليه فتحرق بشرته ، لم يجرؤ على رفع نظره إليها ، كان يدرك كم هو ضعيف إزاء عيونها الدامعة ، قالت ريم لتقطع الصمت :
 أين ستقيم يا قاسم ؟
قال و هو يحاول اكساب صوته قوة ليبث الأمن في قلب أمه :
 زودتني السفارة بأسماء و عناوين بعض الفنادق الصغيرة ذات الأسعار المعتدلة ، كما أنهم زودوني بجهات مختلفة يمكن أن أطلب فيها عملا ، أعتقد أن الأمر سيكون بسيطا ••
قالت ريم بصوت حاولت بدورها إكسابه القوة اللازمة :
 أعرف أنك لا تحب كتابة الرسائل ، لكن يجب أن تراسلنا ، تعرف كم سنتلهف على أخبارك ••
قال و هو يتحدث بقلب واجف :
 سأكتب إليكم كل يوم ، لن تشعروا أبدا بغربتي عنكم ، صدقيني ••
نظر لأمه و قد أوشكت السيارة على وصول المطار ، قال بحنان و رجاء :
 صدقيني يا أمي ، صدقيني سأكتب لك كل يوم ، صدقيني سأكون بخير ••
أحكمت الأم لف ذراعها حوله ، ربتت عليه و لم تتكلم ، كانت تدرك أن أية كلمة تقولها لن يكون لها إلا معنى واحد ا، أن تنفجر في بكاء لن يحتمله قلب الحبيب المسافر ••
وصلوا المطار •• كانت الصالة باردة ، استشعروا برودتها في أعماقهم ، أجلسهم قاسم في أحد الأركان و ذهب لإنهاء إجراءاته ••احتضنت ريم أمها و قالت :
 سيعود يا أمي ، سيعود يا صابرة ••
فجأة بكت الأم ، لم تقو على تحمل المزيد ، كانت ستنفجر ، داخلها كان يهدر ، كانت تريد أن تعبر عن حزنها ، قالت و هي تدفع ريم برفق :
 أنظري هل يرانا ؟
تطلعت ريم إليه ، كان بعيدا منشغلا ، قالت :
 لا يا أم قاسم ، لا يرانا ••
قالت الأم و هي تلتقط دموعها في منديلها ، و تحاول إيقافها بلا جدوى :
 ينبغي ألا يراني أبكي ، سيعذبه هذا كثيرا •• يجب أن أسكت ، يجب أن أسكت ••
كانت تردد الكلمة الأخيرة و هي تبكي ، تكتم شهقاتها ، تجبر نفسها على السكوت فلا تطاوعها عيونها ، و عندما بدا قاسم قادما باتجاههم ، مسحت دموعها بسرعة ، ابتلعت غصتها ، و حاولت رسم ابتسامة ، كان قاسم بدوره يبتسم قال و هو يطالع عيونها الحمراء :
 انتهت الإجراءات ، علي الدخول لصالة التفتيش ، جئت لوداعكم ••
رفعت الأم رأسها نحوه ، لم تجد في نفسها القوة على القيام ، مدت يدها تجاهه فمال عليها احتضنته ، ثم تشبثت به ، فاضطر إلى الركوع أمامها ، كان يحس قوة ذراعيها حوله ، كانت تريد زرعه في قلبها ، كانت تتمنى لو أن حضنها يرغمه على الدخول مجددا إلى أحشائها التي حملته يوما ، كانت تربت ربتات قوية على ظهره ، كانت تقول :
 سأفتقدك يا حبيبي ، سأفتقدك يا قاسم ، سأفتقدك يا غالي ••
بكى قاسم ، لم يستطع مقاومة دموعه ، قال و هو يحكم ذراعيه حولها و يحاول التلطف بها حتى لا يؤذيها :
 لن أجعلك تشعرين بغربتي ، ساراسلك دوما ، سوف تنزعجين من رسائلي المتواصلة إليك ، لقد قدمت على هاتف ، لعله يأتي خلال فترة قصيرة فأكلمك كل يوم ••
أخذ يقبل يديها قبلات كثيرة و يقول :
 لا تنسيني بدعائك يا أمي ، لا تغضبي علي يا أمي ، أنا أحبك يا أمي ، أحبك ، أقسم بالله أنك أغلى عندي من نفسي ••
و أمه في كل هذا ترد مؤكدة أنها لن تنساه ، ستدعو له دوما ، راضية عنه حتى تموت ،
صوت ميعاد الرحلة قطع حديث العاطفة بينهما ، فنهض ، سلم على ريم قال لها و هو يقبلها :
 ستدركين يا ريم أنني كنت محقا عندما تصلك أخباري ، لا تحملي علي في قلبك الشفاف غضبا ، فأنا لست أنانيا ، أو عاقا ، و إنما أبحث عن غدي ، فلا تلوميني يا أختي ••
ربتت ريم على يده و قالت و هي تبتسم و تشرق بدموعها :
 لست غاضبة ، و أسأل الله أن يوفقك فيما أنت ذاهب إليه في غير معصية أو ذنب ••
قبل سمر و احتضنها ، وعدها بالكثير من الهدايا فقالت الأم :
 ضع الله نصب عينيك ياقاسم ، إياك و ترك الصلاة ، إياك و الإستجابة لشياطين الإنس حولك ، بلد غريب و طباع غريبة لا تجعل قلبي يأكلني عليك ••
عاد يقبلها و هو يطمئنها على ما أوصت ، نداء آخر جعله ينزع نفسه منهن نزعا ، تركهن و سار بظهره و هو يشير إليهن ، كن يسرن أمامه ، يلوحن له ، يمسحن دموعهن ، فجأة ظهر سعيد ، كان يركض ، اتجه بسرعة نحوه ، قبله و احتضنه قال :
- كيف تصورت أنك ستسافر دون أن أودعك يا قاسم ••؟
قال قاسم و هو يضرب كتفه :
 كنت أعلم أنك الأكبر و الأعظم يا سعيد ، دوما كنت الأكبر و الأعظم ، إنهم يحتاجونك ، لا تجعل موقف ريم يمنعك عنهم ، إنها أكثر الناس حاجة إليك رغم عنادها ••
تطلع إليهم سعيد و قال مبتسما :
 و هل تعتقد أني سأتركهم ؟
النداء الأخير ، و اختفى قاسم •• قال سعيد و هو ينضم إليهن :
 هيا بنا •• لا فائدة من الإنتظار ••
و استجاب الجميع ، دوما كان له عليهم كلمة مسموعة ، منحوها له منذ أوصاه الأب بهم عندما سافر قبل سنوات كثيرة •• تطلعت ريم إليه و استجابت باسمة للسير خلفه باتجاه سيارته خارج المطار ••
***
بدورها بعد أيام قليلة سافرت ريم ••كانت متحمسة جدا لهذه الرحلة ، جهزت أدواتها بعناية ، و قالت و هي تجهز حقيبتها الصغيرة :
 لا أعرف كم يوما سنبقى هناك ، ربما يومين أو ثلاثة ، لا أعرف ، يفضل أن آخذ معي بعض الأغراض البسيطة ••
قالت لها الأم و هي تبتسم بهدوء :
 تشتعلين حماسا يا ريم
فقالت و هي تهز رأسها :
 بالطبع يا أمي ، إنني أخيرا سألمس عن قرب معاناة شعبي الحقيقية ، هذا سيمنح رؤيتي بعدا أكبر ، و يعطي أدواتي الفنية زخما أكبر ، ليتهم ينظمون رحلة إلى فلسطين نفسها لأراها و أعرفها أكثر ••
ثم انسحبت ابتسامتها الهادئة عن وجوم قائلة :
 رغم أن لاشيء لي هناك ••
فقالت الأم و هي تبتسم :
 لماذا ؟ لك بيت هناك ، بيت أبيك في غزة
فقالت ريم و هي تبتسم بمرارة :
 أخبرني تامر أن اليهود استولوا عليه ، و بعد وفاة جدتي يرحمها الله ، غادر عمي بدر إلى القطاع حيث تعيش زوجته الأخيرة •• قال إنه عجز عن اثبات حقه في البيت رغم أنه عاش فيه عمره كله •• أية مهزلة ؟
قالت الأم و هي تدق جبينها بيدها :
 تذكرت •• لقد تذكرت يا ريم ••
فقالت ريم بدهشة :
 ماذا تذكرت يا أمي ؟
قالت الأم و هي تتجه إلى غرفتها بسرعة :
 اتبعيني ••
تبعتها ريم و راقبتها و هي تفتح خزانتها ، و تخرج حقيبة قديمة كانت قد فتحتها يوما لتخرج منها قائمة بأسماء و عناوين الأقرباء ، اشتعل فضول ريم لما يمكن أن يخرج هذه المرة من الحقيبة القديمة ، جلست الأم على السرير ، فتحت الحقيبة ، فتخيلت ريم لفرط فضولها أن نورا سيسطع بعد قليل من الأوراق القديمة أمامها •• قصاصات جرائد تحمل أخبارا و صورا عن فلسطين و المقاومة الداخلية ، و هزيمة 76 و غير ذلك من أحداث ، أمسكت ريم الحقيبة ، وضعتها على حجرها فتحت الصحف برفق و تصفحتها بحرص ، وجدت في إحداها صورة على ركن منها دائرة بالقلم الأحمر ، تحت الصورة كتبت عبــارة " قطاع غزه يلتهب " قالت الأم بحماس و هي تخرج الملف الأصفر القديم :
 انظري ، هذه حجة البيت •• هذه حجة البيت
قالت ريم و هي تلقف منها الملف :
 أي بيت ؟
قالت الأم :
 أخبرني أبوك يرحمه الله ، أنه اصطحب معه حين غادر غزة هذه الحجة سهوا بعد أن أعطاها له والده ليلة سفره و أوصاه بالمحافظة عليها ، قال إنه كان عليه تركها للباقين منهم هناك ، لكنه نسي ، هذه الدائرة فوق الصورة هي للبيت ، كان مصورا صحفيا قد التقطها لقطاع غزة عام 76 ، قال لي والدك و هو يحتفظ بالقصاصة ، إن هذا هو بيتهم ••
أخرجت ريم حجة البيت بأصابع مرتجفة و قرأت فيها عبارات قديمة لكنها واضحة عن ملكية البيت لأسرة القاسم ، الحجة تعين تماما موقع البيت و مساحته ، شعرت ريم أنها تمسك كنزا ، دق قلبها بشدة و هي تعيد الوثيقة إلى مكانها و تعاود النظر في الصورة غير الواضحة للبيت القديم ، كانت النخلة الطويلة التي تحدث عنها أبوها تبدو في الصورة كمئذنة عملاقة نبت في أعلاها سعف •• قالت ريم و هي تحتضن الأوراق :
 رحمة الله عليك يا أبي ••
التفتت إلى أمها و قالت بحماس باك :
 إن هذه الوثيقة كنز يا أمي ، كنز ••
فقالت الأم و هي تتنهد :
 أوصاني أبوكم أن أعطيها لكم حين يموت ، كان هذا قبيل سفره ، لم أتذكر إلا اليوم •• لكن ماالجدوى منها ؟
قالت ريم و هي تحتضن الأوراق :
 يكفي أنها من رائحة أبي ، يكفي أنها قطعة من روحه •• هل يمكن أن أحتفظ بها ؟
فقالت الأم و هي تنهض متثاقلة :
 خذيها إن كان فيها بعض العزاء لك ••
وضعت ريم الأوراق بحرص في الحقيبة و أغلقتها برفق ثم اتجهت بها إلى غرفتها وضعتها في خزانتها الخاصة و أغلقت عليها ثم عادت تلملم أغراضها بذهن شارد ••
***
طيلة الرحلة إلى الحدود بواسطة الحافلة كانت ريم ساهمة ، حاول بعض الزملاء الحديث معها فكانت تبتسم مجاملة ثم تعود لشرودها ، تفهموا سبب الشرود ، فلم يلحوا عليها ، كانت لحظات قاسية تلك التي تنتظرها ، تذكرت يوم وقفت على الحدود في رفح أمام الأسلاك الشائكة ، تنهدت ، لقد كان يوما عصيبا •• انتبهت على صوت نفير سيارة صغيرة تسير بمحاذاتهم ، نظرت من الشباك ، كان سعيد •• هزت رأسها و ابتسمت ، أشارت له فعاود تحيتها بالنفير ، سألوها عنه فأجابت باسمة :
 ولي أمري ••
أوقفوا الحافلة و تفاهموا معه على عدم منطقية الوصول للحدود بهذه السيارة الصغيرة ، اتفقوا معــه على أن يضــــع سيــــارته في أقـــرب استراحة و يركــب معهم إكراما لريم •• و عرضوا عليها إن أرادت مرافقته حتي يركب معهم ••
نظر إليها راجيا أن توافق ، هزت رأسها ، و غادرت الحافلة ، تركت أغراضها فيها و ركبت بجواره •• حرك سيارته راقصا بها في الطريق فقال نفرا في الحافلة :" هذا رجل محب "
تنهدت ريم و هي تستقر بجوار سعيد و قالت :
 مجنون !!
قال و هو يطلق ضحكة حبور صافية :
 أحبك ••!!
تحدثا كثيرا ، طرقا كل المواضيع ، إلا موضوع القلب ، حذرته ريم منذ البداية ألا يتحدث عنه أعطى وعده و وفى به ــ في العبارات على الأقل !! ــ و بسرعة طوت الأرض نفسها عن الاستراحة ، ركن سيارته و ركبا الحافلة معا ، انعكس مرحه على جميع من فيها ، ربطتهم بسرعة مودة الطريق ، مودة قادرة على كسر كل الحواجز حتي بين الأغراب ، كان يترك كرسيه بجوار ريم أحيانا استجابة لنداء يأتيه من آخر الحافلة فيذهب إليهم يجلس بينهم ، يترك للسانه الحرية في التعبير عن حبه لريم ، يستمتع بما يقول ، لا يضع لنفسه حدودا ، كان حديثه حلوا ، كانوا يستمعون إليه ، يطرقون هدوءا حتى يسمعون صوته المنخفض ، ريم كانت تنظر إليه أحيانا ، و تبتسم عندما ترى انسجامه مع المجموعة ، تهز رأسها و تعود لكتاب في يدها تقطع به المسافة ، يعود إليها يجلس بجوارها يهمس :
 " وحشتيني "
تبتسم و ترفع إصبعها محذرة ، فيضع يده بسرعة على شفتيه و يقول :
 آسف !!
قالت ريم لأمها و هي تطوي معها الملابس :
 أمي ألا تلاحظين تغير أحوال قاسم ؟
فقالت الأم و هي تتشاغل بما في يدها :
 الصغير يكبر يا ريم ••
فقالت ريم و هي مصرة على مواصلة النقاش :
 قاسم يبدو لي غير مهتم ، بات معنيا بنفسه أكثر من أي وقت مضى ، حتى أنني أحيانا أشعر أنه يرانا عبئا يتمنى لو يلقه عن ظهره و يفر بأسرع وقت ممـكن ، هل هذه حقيقة ، أم أنني أتوهم ؟
فقالت الأم و هي تضع بعضا من الثياب في خزانتها :
 قاسم مجروح يا ريم ، عنـــدما يحب الشـــاب و يصدم في حبه ، تتحول هذه الصدمة إلى ضربة ، تدفعه إلى التغيير ، و التغيير عند الرجال عادة أكثر حزما ، و عندما يقررونه فإنهم ينفذون ما يقررون ، و قد كانت الأحداث سريعة و متلاحقة يمسك بعضها بزمام بعض ، تخرجه و ر فض حبه ، و وفاة والده ، و سفر مشين •• فجأة وسط كل هذه الضبابات ينبت لديه حل سيخلصه من كل شيء ، من بلد تعيش فيها محبوبته ، و من أسرة مات عائلها ، و من قلة عمل ، قلة كرامة ، قلة إهتمام •• من السذاجة الإعتقاد بأنه سيترك هذا الحل لأية اعتبارات •• و إن كان قاسم يحاول ظاهريا التملص من مشاعره نحونا فإنني متأكدة من أنه داخليا يعاني كثيرا ••
ثم ابتسمت و قالت :
 كما عانى سعيد و يعاني منذ أحبك ، ماذا قررت بشأنه ؟
فقالت ريم :
 أمي ، ذكر سعيد يوم طلبني شيئا عن ابتعاده عن طريقي تلبية لرجاءك ، متى حدث هذا و لماذا ؟
فقالت الأم و مازالت تبتسم :
 منذ بداياتك الأولى في الجامعة على ما أذكر ، كان والدك يرحمه الله مسافرا و فاتحني سعيد بشأن الإرتباط بك ، و رفضت و طلبت منه أن يبتعد عن طريقك و يتركك تعيشين حياتك كما ينبغي ••
فقالت ريم :
 و لكنك اليوم موافقة على ارتباطي به
فأجابت الأم :
 الأمور تغيرت يا ريم ، و ••
قاطعتها ريم و قالت و هي تبتسم بمرارة :
 أصبحت مطلقة ، يتيمة ، وحيدة ، و لم أعد صغيرة فقد شارفت على الثلاثين ، سعيد بالنسبة لمن في ظروفي لقطة ، أليس كذلك يا أمي ؟
قالت الأم بهدوء :
 أريد أن أطمئن عليك ، لن يهدأ لي بال قبل أن أطمئن عليك يا ريم ••
قالت ريم و في نبرتها حنان و تصميم :
 اطمئني يا أمي ، رغم كل الظروف التي ماعادت في صالحي ، فإنني بخير ، و لدي في دنياي ما يحملني ، و يبعد شبح الضياع عني ••
فقالت الأم بأمل :
 ستتزوجين من سعيد ؟
هزت ريم رأسها و قالت :
 سعيد يستحق من هي أفضل مني ، أما أنا •• فلا ••
***
في المجلة كانت هناك مفـــاجأة سارة لريم ، لقد كون رئيس التحرير فريقا لزيارة الحدود و الإلتقاء مع المبعدين عليها ، و اختيرت ريم ضمن هذا الفريق ، لتتمكن من رسم الموضوع بشكل أفضل ، شعرت و هي تتلقى التكليف بسعادة فائقة ، انتفضت كل ذرة في كيانها لهذا القرار ، إنه القرار الذي كانت تحتاجه بالفعل ، لأول مرة تتفاعل مباشرة مع الحدث الفلسطيني ، لأول مرة لن تقرؤه مثل ملايين البشر ، ستقرؤه في الوجوه ، في الخيام ، في صيحات الصغار ، ستقرؤه في قرص الشمس المسلط عليهم ، و في الرمال الصفراء المتطايرة حولهم ، هذا حقا ما تحتاج •• عندما جاء إليها سعيد ليصحبها إلى المنزل ، قدمت إليه علامات السعادة على وجهها خبرا كاذبا عن موافقتها على عرضه ، فقال و هو يسير نشيطا بجوارها :
 اللهم اجعله خيرا
قالت و هي تستشعر ابتسامتها في قلبها :
 سأسافر إلى الحدود ••
نظر إليها ، كأنه لم يفهم ، انسحبت ابتسامته ، قال :
 تسافرين إلى الحدود ؟
فقالت و هي تؤكد :
 نعم ، كلفت ضمن الفريق الإعلامي المسافر إلى هناك ، سأرى معاناة جديدة للاجئين ، أعيش معهم ساعات ، أسجل خلالها هذه المعاناة ، أدعو الله لي بالتوفيق ••
قال سعيد بسرعة :
 سآتي معك ••
قالت ريم مندهشة :
 تأتي معي ؟ إنها ليست رحلة إستجمام يا سعيد ، رحلة عمل ، و أعتقد أننا سنطالب عند الحــدود بأوراق رسميــة تثبت جهات عملنا للسماح لنا بالدخول ، فكيف ستدخل أنت ؟
فقال و هو يكز على أسنانه مصمما :
 سآتي معك يا ريم و لو اقتضى الأمر التسلل عبر الحدود ••
نظرت إليه ريم و هزت رأسها مبتسمة و قالت :
 مجنون ••!!
***
انتهى قاسم من تجهيز أوراقه كلها ، أصبح جاهزا تماما للسفر ، جمع المال اللازم و اشترى الملابس المناسبة لشاب لا يعرف هناك مصيره ، و كان في الفترة الأخيرة يكثر من قراءة الكتب باللغة الإنجليزية عن الحياة في أمريكا حصل عليها من السفارة ، و يتابع الأفلام الغربية ، و لا يرى إلا و جهاز تسجيل صغير به شريط أجنبي حول أذنيه ، شعرت أسرته أنه سافر قبل أن يسافر ، فلم يعد يهتم كثيرا بما يجري حوله في المنزل ، و عندما طلبت منه الأم مرافقتها إلى ادارة الوافدين لتحضر شهادة تعفي سمر من مصاريف الدراسة باعتبار وفاة أبيها الفلسطيني قال و هو يعود إلى مسجله :
 اذهبي مع سعيد ••
لم تعلق الأم فقالت ريم :
 متى تسافر يا قاسم ؟
رفع السماعات و قال بحماس كبير :
 الأسبوع القادم ••
فقالت و هي تتنهد :
 قل إن شاء الله ••
أغلق التسجيل و قد أستشعر خجل داخلي فهمس :
 إن شاء الله ••


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى