الأحد ١ شباط (فبراير) ٢٠٠٤
رواية للكاتبة الفلسطينية الصاعدة سحر الرملاوي
بقلم سحر الرملاوي

رواية لاجئة حلقة 5 من 18

رواية تستحق القراءة

لم يعد مجيء سعيد إلى منزل ريم أمرا غريبا بعد أن تولى أمور المنزل في اليوم الأول لغياب الأب منذ أن اصطحب العائلة الى الميناء البحري في السويس ليستقل الأب باخرته من هناك في رحلة طويلة استـغرقت ثلاث ســـاعات ذهابا و مثلهم في الإياب ، و خلال الذهاب لم يلتفت مرة واحدة إلى ريم رغم أنها كانت حاضرة تماما في نفسه خلال الذهاب ، إلا أنه اكتفى بمجالسة العم جهاد و الاستماع منه طوال الرحلة إلى حكايات كثيرة و ذكريات متناثرة و دعوات صادقة كان يطلقها بين الوقت و الآخر لتصيب كل فرد في عائلته ، و هناك في السويس اندمج تماما مع الأب في نقل الحقيبة و إنهاء اجراءات السفر و عندما لوح الأب للجميع من فوق الباخرة سمح لنفسه أن ينظر إلى ريم مليا ، راقب بكثير من الشغف يدها الموصولة بقلبها و بدموع عينيها و هم يتناغمون في ملحمة وداع كبيرة لم ير مثلها في حياته ، و في طريق العودة جلس بجوار قاسم و تبادلا حديثا مقتضبا ثم خيم الصمت على الجميع ، كان كل فرد في العائلة يفكر تفكيرا خاصا به ، بل هو شديد الخصوصية يصعب قطعه و لو بحديث عابر ، لذا ظلت السيارة تنهب الأرض و الأفكار تنساب سريعة في أدمغة عائلة سافر عائلها للتو ••

عندما وصلوا إلى باب البيت ودعهم سعيد و تعمد أن يسلم عليهم من أجل اللحظة التي يصل فيها إلى يد ريم ، لكنها كانت أسرع فسبقت الجميع إلى المنزل تاركة يده تئن من الاشتياق ، و في تلك الليلة بدا المنزل موحشا ، منزل جهاد و منزل سعيد ، كانت الوحشة تسكن كلا البيتين ، لم يستطع أفراد العائلة أن يتبادلوا الحديث ، و كان أكثر المشاهد إيلاما لهم جميعا مشهد الراديو صامتا وحيدا في ركن الأب الأثير و تنهد الجميع و ذهب كل إلى مكانه ، أما سعيد فقد هرع إلى شرفته و ظل ما تبقى من الليل يطالع نافذة ريم المغلقة و آلاف الأفكار تتصارع داخل رأسه ، شعر بنقمة آنية عليها سرعان ما انحسرت عن فيض من الشفقة جعل قلبه يدق بشدة يستدعي صباحا لم يعد ببعيد ، و في الصباح مر من جانب بابهم في طريقه إلى العمل و تلكأ قليلا عله يرى أحدا ، لكن أحدا لم يخرج في ذلك الوقت و عند عودته توجه مباشرة إلى بيتهم ، طرق الباب بثقة و عندما فتح له قاسم سأله عن والدته حتى إذا جاءت شدد عليها كثيرا أن تلجأ إليه عند حاجتها لأي أمر مهما كان و في أي وقت ، لم ير ريم ، لكنه خمن أنها ترسم الآن ، خرج مطمئنا و اتجه إلى منزله ، طالع وجهه في مرآة الباب و تنهد ارتياحا ••

كانت الليلة الاولى لسميحة بعد سفر زوجها من أطول الليالي التي مرت بها في حياتها ، فهي الآن الأم و الأب ، تضاعف الحمل و أصبح هؤلاء العيال أمانة ثمينة في عنقها وضعها جهاد مرتاحا إلى أنها قادرة عليها ، لكنها تشعر في نفسها ضعفا و تخشى هذا الحمل ، أخرجت الملف الأصفر القديم من الحقيبة تأملت أوراقه طويلا و تساءلت إن كان أحد من أولادها سيستفيد من هذه الأوراق يوما ؟ عادت فوضعته في الحقيبة ، تلفتت حولها ، كل شيء كما هو إلا أن مــوضع جهــــاد فــارغ ، تحسست موضــعه ، ألقــت برأسها على وسادته و تنهدت ، همست :
- متى سيعود ؟!!

و هناك كانت ريم في غرفتها تطالع الفراغ في كل شيء ، تحس خوفا كبيرا اجتاحها لحظة أن لوح لهم أبوها مودعا ، سكنها خوف كبير ووقع زلزال ضخم في قلبها لم يشعر به سواها ، مازالت بقاياه عالقة في نفسها حتى هذه اللحظة ، و تساءلت مما الخوف ، و لماذا هذا الشعور العميق بالفقد ؟ لم تجد الإجابة ، لقد ســـار كل شيء طبيـــعيا ، كما هو مقـــررا ، و رغم حزنها على الفراق إلا أنه كان حتميا بالفعل ، ليس من أجلها وحدها و إنما أيضا من أجل أبيها الذي لابد أن يجد لكفاح العمر ثمرة آخر المطاف ، إذن لماذا دبيب الخوف الذي يسكن أحشاءها ، مم تخاف ؟ هذا ما لم تستطع أن تجيب عنه ••

أما سمر فقد نامت هادئة بعد أن قررت أمها أن ترافقها في غرفتها منذ الغد ، نظرت إليها و تساءلت إن كانت بدورها تشعر بهذا الخوف ، قالت بصوت لم يسمعه سواها :
- لماذ ا أنا خائفة ، ما كل هذا الألم الذي يعتصر قلبي حقا ••

وضعت يدها على قلبها ، كان هادئا ، لكنه فعلا كان خائفا ••

أما قاسم فقد أغلق على نفسه حجرته و ظل يكرر مرارا لنفسه ، إنه الرجل الآن و إنه سوف يتحمل المسؤولية كاملة و سيثبت لأبيه أنه ترك وراءه من يعوض غيابه ، تصفح في مخيلته وجوه أفراد أسرته ، أخذته الشفقة و هو يتذكر وجه أمه حين كانت تشتري أغراض السفر و اعتصر قلبه تذكره لصورة ريم أثناء الوداع ، و حتى سمر الصغيرة شعر فجأة أنه مهتم كثيرا لأمرها ووعد نفسه أن يصرف مصروفه اليومي عليها كل يوم حتى لا تشعر بغربة أبيها الحبيب ، لكن عقله اليافع استحضر و بقوة صورة سوسن ، كان يريد أن يقول كل ما قاله لنفسه أمامها فهي الوحيدة التي ستفهمه و سأل نفسه :

- متى ستأتي سوسن لزيارة ريم ؟
***
-  ستدخلين الجامعة يا ريم ؟

هتفت سوسن و هي تطالع أوراق كثيرة مبعثرة على سرير ريم ، كانت ريم تضع الشاي أمامها و ابتسمت بوهن و أجابت :
- نعم يا سوسن ، هذا هو السبب في تغرب أبي ، سأدخل الجامعة ••
- و لكنك فلسطينية و ما أعرفه أن التعليم الجامعي بالنسبة لكم هو ••
قاطعتها ريم مبتسمة و قالت :

- مثلما كنا نظن جميعا ، إلا أننا لم نكن نعرف أن للفلسطنيين نسبة في مقاعد الدراسة بالجامعة المصرية ••

- و كيف عرفتم بهذا ، هل سأل أبوك قبل سفره و عرف ؟

توجهت ريم إلى نافذة غرفتها و فتحتها و نظرت باتجاه منزل سعيد و قالت :

- لا •• الأستاذ سعيد هو من عرف و أبلغنا ••

بدا أن سوسن لا تعرف الاسم ، نهضت ووقفت بجوار ريم و تطلعت حيث تتطلع هي ثم قالت كمن أدرك فجأة أمرا غريبا :
- سعيد ؟ ! الشاب اللاهي ؟!

أومأت ريم برأسها و همست :

- نعم سعيد الشاب اللاهي ••

حكت لصديقتها كل شيء ، قصت عليها كل ما حدث ، و كانت نبرة صوتها تحمل حيادا غامضا كلما ذكرت اسم سعيد مقرونا بالأستاذ ، و كانت تجاري صديقتها في كل التعليقات المشتركة عن هذا الرجل ، و التي ليست في صالحه أبدا ، و أخيرا تنهدت سوسن و قالت :

- يالحظك !! لو أن سيدا فقط يوافق على التحاقي بالجامعة لأمكننا أن نتزامل في الجامعة كما تزاملنا في الدراسة دائما ••

أثار اسم سيد حفيظة ريم فلم تملك إلاأن تظهر امتعاضا لاحظته سوسن بسهولة فقالت لها :
- ما رأيك يا ريم لو طلبت أنت منه هذا ، اعتقد أنه لن يرفض لك طلبا ، بل أنا متأكدة أنه لن يرفض إذا طلبت أنت ذلك ؟
- هل جننت ؟!!
قالت ريم بسرعة و أضافت :

- أنا أتحدث مع سيد و أطلب منه إلتحاقك بالجامعة ؟ لابد أنك جننت ، أنت فعلا جننت ••
لكن سوسن راقتها الفكرة التي خرجت في لحظة عفو الخاطر و استقرت بسرعة كاليقين ، لا مجال للشك في موافقة سيد شرط أن تطلب من ريم ذلك ، لكن ريم أصرت على الرفض المقترن بالدهشة من هذه الفكرة المجنونة و في النهاية صاحت سوسن :
- من لي بمثل الأستاذ سعيد يحل لي عقدتي كما حل لك عقدتك يا صديقتي العزيزة ••
وجمت ريم قليلا و كأن اقتران اسم سعيد بها أصابها بالارتباك ، هزت رأسها و شرعت تحاول افهام صديقتها :

- يا سوسن الأستاذ سعيد ••

قاطعتها سوسن و قالت :

- اسمعي يا ريم ، ما أطلبه منك لا يعدو حوارا عاديا مع سيد يتحول تدريجيا إلى محاولة اقناعه بالتحاقي بالجامعة ، إذا نجحت هذه المحاولة كسبنا المرافقة و الدراسة سويا و إذا فشلت لم نخسر شيئا ، و كما ترين الأمريستحق المحاولة فماذا قلت ؟
سكتت ريم فنهضت سوسن تقبلها امتنانا معتبرة سكوتها رضا و اقتناع ، و قالت و هي تحمل حقيبتها استعدادا للمغادرة :

- لقد تحدثت مع قاسم قبل مجيئك ، هذا الولد يحمل قلبا كبيرا و يريد أن يتحمل المسئولية ، ساعديه يا ريم

أومأت ريم موافقة ، و لم تنهض لتوديع صديقتها فيـــما كــانت سوســن تلقي آخر كلماتها و هي تحي أمها بصوت مرتفع لتسمعه ريم :

- سأنتظر ريم غدا في منزلنا يا خالتي ، أرجوك ذكريها ••

بعد انصراف سوسن دخلت الأم إلى حجرة ابــنتها ، رأتـــها واجمة ، اقــتربت ببـــطء منها و ركزت نظرها عليها ، رفعت ريم عينيها باتجاه أمها ، كانت الحيرة تملؤهما ، جلست الأم على طرف الفراش و قالت برفق :

- اتفقنا ألا نخبيء شيئا عن بعضنا البعض يا ريم ، اليس كذلك يا حبيبتي ؟
تنهدت ريم و همست :

- ليس هناك ما يستحق أن نخبئه يا أمي ، لقد طلبت مني سوسن محاولة أقناع اخيها سيد بدخولها الجامعة ، و اعتبرت صمتي موافقة على هذه المحاولة ••
نظرت لأمها و هي تقسم :
- و لكني أقسم لك يا أمي أنني لم اشأ القيام بهذه المحاولة ، حتى أنني أرفض القيام بها ، لأن مجرد محادثة هذا السيد تزعجني و تضايقني كثيرا ، و أنا لا استطيع عمل مثل هذا الحوار معه ، لكنني لا أعرف ماذا أفعل و سوسن تعتمد علي ••

ابتسمت الام و ربتت على كتف ابنتها و قالت :

- غدا يكون لكل حادث حديث ، هيا لملمي أوراقك و اجمعيها في ملف ، سيمر الأستاذ سعيد غدا لأخذها و يجب أن تكون كاملة ، وفقك الله يا ابنتي و يسر لك الامور و أبعد عنك أولاد الحرام ••
راقبت ريم أمها و هي تغادر الغرفة و نبت الخوف مجددا في قلبها ، خوف يشبه ذلك الذي اقتحم قلبها يوم سافر أبوها ، كانت في دعوة أمها الاخيرة رنة حادة كأنها أصبع تشير به على أناس كثيرين دخلوا حياتها ، أو مازالوا سيدخلونها •

اضمرت سميحة في نفسها أمرا بعد حديثها مع ابنتها ، كانت و مازالت تشعر أن سوسن رفيقة ريم منذ الطفولة ليست بيضاء من الداخل كما ابنتها ، كانت تشعر أن سوسن تنظر إلى ريم بمنظار خاص ، منظار يرى ما لا تراه ريم في نفسها ، و يتــسع ليشمل ريم و أهلها و علاقتهم ببعضهم البعض و موهبة ريم و تلك الجاذبية الخفية التي وضعها الله فيها و كانت كثيرا ما تقرأ المعوذتين كلما أقبلت سوسن أو توجهت ريم لزيارتها ، لكنها لم تكن تستطيع منع ابنتها عن تلك الفتاة اليتيمة لمجرد شعور لا تؤكده وقائع ، و لمست في رغبة سوسن الالتحاق بالجامعة غيرة خفية تأكل قلب الفتاة إزاء دخول رفيقة طفولتها الجامعة رغم كل المحاذير و العقبات في الوقت الذي لا يقف أمام تحقيق هذه الأمنية لها سوى موافقة أخيها ، لذا وقفت سميحة أمام باب بيتها في موعد عودة سيد من عمله و تعمدت أن يراها و لم تمنعها التقطيبة التي يحسن سيد رسمها على وجهه دائما من اعتراض طريقه و مبادرته بالحديث :

- السلام عليكم يا أستاذ سيد ••

توقف سيد ، و نظر في اتجاه الصوت و تملكته دهشة كبيرة ، فهذه من المرات القليلة النادرة التي يتحدث فيها مع أم ريم ، لكنه أسرع نحوها و حاول رسم ابتسامة هي بكل تأكيد ضد طبيعته ، حتى ان سميحة قالت في نفسها :

- صدقت ريم ، إنه لثقيل الظل ••
لكنها ابتسمت و هي تراه مقبلا نحوها و انتظرت حتى تكلم :
- و عليك السلام يا أم قاسم ، كيف حالك ، هل وصلتكم رسالة من العم جهاد ؟
أجابت أم ريم بعد تنهد قائلة :
- مازال لم يصلنا منه شيء ، و هذا التأخير متوقع في البداية فهو لم يستقر و لم يتحدد له مكان العمل و اعتقد أنه بمجرد أن يتحدد له مكانه سيرسل إلينا رسالة ••
- الا تحتاجون شيئا يا خالتي ، إنني في مقام قاسم و مستعد لأي طلب ، هذا ما يفرضه الواجب ••
هزت أم ريم رأسها شاكرة و قالت :

- أشكرك يا بني ، لا شيء أكثر من سلامتك و رجاء صغير ••
تساءل سيد عن طلبها فقالت :
- الهاتف ، هاتفكم ، أريد أن أعطي رقمه لجهاد و أبلغه أن يهاتفنا فيه مرة كل شهر يحدد وقتها فنجيء عندكم و ننتظر المكالمة ، فهل هذا ممكن ؟

ابتسم سيد مجددا و قال بسرعة :

- بالطبع ، بل هو ممكن جدا ، فقط أبلغيني بالوقت الذي ستحددونه لكي أخرج لك الهاتف من غرفتي خلاله ، إذ كما تعرفين هو دائما في غرفتي المغلقة و لو أنا خارج المنزل لن تتمكنوا من استعماله ، تحت أمرك ••

ابتسمت أم ريم ممتنة و قالت و كأنها تلقي الحديث عابرا :

- الحمد لله ، بـــارك الله فيك يا بــني ، أنت تعــرف أن ريم ستــذهب للجامعة هذا العام ، و هذه المكالمات ضرورية ليعرف جهاد أخبارها و نعرف اخباره ••
عقدت الدهشة لســـان ســــيد فوقف واجـــما يطالـــع وجه أم ريم غـــير مصــدق ما يسمع و بصعوبة قال :
- ريم ستذهب الى الجامعة ؟
أومأت أم ريم و هي تُكبر في سرها و قالت :

- نعم ، لهذا السبب سافر جهاد ، يريد أن يتعلم الأولاد و يحملوا سلاحهم بأيديهم ، الزمن غير مضمون يا بني كما تعلم ••
قال سيد و الغضب يكاد ينطق على لسانه بعد أن صرخ في عيونه :
- و لكن ريم بنت و يكفيها ما وصلت إليه من تعليم ، إنها في النهاية ستتزوج مثل كل البنات و سيكون على زوجها إعالتها ••
قالت الأم بحزم :
- لن تتزوج ريم قبل أن تحصل على شهادتها ، و التعليم يا بني لا حد له و هو في يد البنت سلاح اذ من يضمن كيف سيكون زوجها ، أو يضمن حتى حياة من يعولها ••
هز سيد رأسه غير مقتنع و هم بالسير مجددا غير أن أم ريم قالت بسرعة :
- ليت سوسن تلتحق بالجامعة فتكون معها دائما يروحان معا و يجيئان معا و نطمئن على أنهما في رعاية بعضهما البعض ••

نظر إليها سيد بجمود لم تستبن منه موقفه ، ثم همس و هو يغادر المكان :

- السلام عليكم ••
تنهدت أم ريم و هي تدخل بيتها و ترد سلامه ثم قالت :
- الله ييسر ما فيه الخير للجميع ••
كانت ريم على الباب تنتظر أمها و بمجرد دخولها ابتسمت و رفعت يدها بعلامة النصر لأمها التي ابتسمت بدورها و توجهت للمطبخ ••
***
طوال الطريق إلى منزله كان عقل سيد يغلي كالمرجل :" ريم ستدخل الجامعة ، البنت إذا دخلت الجامعة فسدت أخلاقها و ضاعت نصف أنوثتها ، ماذا جرى للعم جهاد كيف وافق على هذا الأمر ، ريم في الجامعة ؟ ! و الزواج ؟ هل حقا ريم لن تتزوج إلا بعد الانتهاء من دراستها ، يا لضيعة أحلامك يا سيد ، غدا سيكون لريم زملاء في الجامعة و قد تحب أحدهم ، و تضيع ريم إلى الأبد ، لماذا هذا القرار الغريب ، كيف لم يخبروه ، و سوسن كيف أخفت عنه هذا الامر حتى عرفه صدفه من أمها ؟"

فتح الباب و نظر إلى سوسن الجالسة تطـــالع التلـــفاز و هي تتناول شيئا من المسليات و صاح :

- لماذا لم تخبريني أن ريم ستذهب الى الجامعة ؟
انتفضت سوسن لبرهة ثم تماسكت و قالت بلا مبالاة :
- و ماذا يعنيك في التحاقها بالجامعة من عدمه ، أنت لست ولي أمرها ••
- و لكن •• و لكن ••
أسقط في يده لم يدر ماذا يقول ، لا يمكن أن يفتح الموضوع مباشرة مع سوسن ، سيفقد قدرا كبيرا من هيبته أمامها إذا أعلمها برغبته في الزواج من ريم الآن ، لابد أن يناقش الأمر بهدوء مع نفسه أولا ••صاح طالبا للطعام ، ثم توجه إلى غرفته لتبديل ملابسه ، كانت سوسن قد عقدت العزم على الاستفادة من الموقف تماما ، هي لا تعرف ماذا حدث و لا كيف عرف أخوها ، لكن الفرصة مواتية الآن ، لذا سارعت بإعداد الطعام و جلست على المائدة بانتظار عودة سيد ، الذي جاء متجهما كعادته ، إلا أن نظرة عجز كانت تطل من عيونه ، لمستها سوسن و عرفت أنه الوتر الذي ينبغي ان تعزف عليه ما استطاعت لذا لم تضيع الفرصة و قالت :

- ذهاب ريم إلى الجامعة كان خبرا مفاجئا لي أيضا ••
لم يرد سيد ، نظر إليها و طلب منها الملح ، ناولته إياه و قالت :
- ريم فلسطينية كما تعلم ، و دخولها الجامعة أمر شديد التعقيد ، ليس فقط من حيث قبولها هناك ، فهذا امر وارد خصوصا إذا كانت هناك واسطة قوية تدعمه ••
انتظرت فترة ليرد بعد أن تعمدت الضغط على كلماتها الأخيرة و هي تنطقها •• رفع رأسه من طبقه و نظر اليها فأكملت بسرعة :
- و لكن أيضا من حيث المصاريف ، فهم يدفعون مصاريف باهظة و بالجنية الاسترليني أيضا و هذا امر يجعل المرء يكبر العم جهاد على تضحيته و غربته من أجل إتمام تعليم أولاده مهما كانت العقبات ••
تنهد سيد و قال و هو يزدرد طعامه بلا شهية :
- أخبرتني أمها عن هذا اليوم ، و لكن كيف تسنى لريم دخول الجامعة رغم مرور عام على تخرجها من الثانوية ••
قالت سوسن و هي متحمسة لإيصال أكبر قدر من المعلومات الخاصة جدا إليه عله يفيدها في قضيتها :
- الأستاذ سعيد •• الأستاذ سعيد ، ذاك الذي يقطن أول الشارع خلف منزل ريم ••
نظرت إليه تنتظر وقع الاسم عليه و لم يطل انتظاره فقد لوح بالملعقة و قال و هو يغص بالطعام :
- ذلك الشاب اللاهي ؟
ناولته الماء بسرعة و هي تقول :
- بالضبط ، هو بعينه ، استوقف والدها ذات يوم و عرف منه كل ظروفهم و عرض المساعدة ، بل أنه حتى أوصلهم يوم سفر الاب بنفسه إلى السويس ••
و كما غص سيد بالطعام عاد فغص بالماء ، و نهض واقفا و صاح :
- و كيف سمح له العم جهاد بهذا التدخل و اعطاه كل هذه الصلاحية ؟
نهضت سوسن سريعا و قالت و هي تعطيه المنشفة :
- العم جهاد رجل خالص النية ، يشقى كثيرا في عمله ، لا يعرف عن هذا السعيد ما نعرفه ، أقصد تعرفه انت ، لذا فقد وثق به جدا ، حتى أنه الآن يزورهم بانتظام و يتفقد أحوالهم بعد سفره ••

- غير معقول ، غير معقول ••
جلست سوسن إلى طاولة الطعام مجددا و قالت و هي تأكل :
- إنه حتى سيرافق ريم إلى مكتب التنسيق ليساعدها في تسجيل رغبتها مطلع الشهر القادم ••
جلس سيد على كرسي الصالة منــدهشا ممـــــا يســــمع و لم يحر جــوابا فقالت ســــوسن أو بالأحرى عاجلته :
- الأستاذ سعيد طلق زوجته منذ فترة و لابد انه يبحث عن عروس ••
نظر إليها سيد و صاح :
- يريد الزواج من ريم ؟
بسرعة أجابت :
- هو لم يصرح بهذا ، لكن كل الظواهر تدل عليه ، و لما لا و هو الآن يخدمهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، و غدا تصبح ريم في الجامعة طوال النهار و لا مانع من أن يحاول توطيد علاقته بها و زيارتها هناك من آن لآخر •• أنت تعرف ألاعيب الشباب و خاصة من هم على شاكلة سعيد هذا ••
قال سيد بصوت منخفض :
- و ريم •• هل تشجعه ؟

أجابت بسرعة و هي تحمل الأطباق :
- لا •• اطلاقا •• ريم لم تفطن إلى محاولاته ، لكنها وحدها سوف تصبح لقمة سائغة له بعد قليل •• أنت تعرف ريم قليلة الحيلة و وجود الشخص الآخر أمامها دائما من شأنه أن يؤثر عليها •• ليتني استطيع مرافقتها حتى أمنعه عنها ••
قال سيد بتهكم مرير :
- و كيف تستطيعين منعه ، هل ستمنعينه إذا حاول محادثتها ؟
وضعت الأطباق على الطاولة مجددا و قالت بسرعة :
- لا •• و لكن مجرد وجود شخص بجانبها ، صديقة قوية مثلا ، سيجعله يفكر ألف مرة قبل الاقتراب منها ، فإذا اقترب لن تعدو كلماته السؤال عن أحوالها ، ثم لن يستطيع أن يزيد ••
نظر إليها سيد بريب ، فنهضت سريعا و حملت الأطباق و ذهبت للمطبخ و هي تقول :
- ريم ابنة حلال ، جميلة و رقيقة و مهذبة جدا ، و هي بهذه الصفات مطمع لكل شاب ••
ألقى بنظراته أرضا و بدا و كأنه يوافقها تماما و استغرق في تحليل ما سمع فأطلت عليه و سألته بدلال المنتصر :
- تشرب شاي ؟!!

لم تصدق ريم ما سمعته من صديقتها سوسن حين ذهبت لزيارتها عصر هذا اليوم ، كانت سوسن تشرح لها بإسهاب طويل كيف انتهى الحوار بينها و بين أخيها سيد بموافقته على ذهابها إلى الجامعة بل أنه حتى قرر أن يقدم لها بنفسه في نفس الكلية التي ستذهب إليها ريم ، كانت تشرح بانطلاق كبير و سعادة فوق الوصف و لم يكن سيد هناك ليسمعها و هي تقول لصديقتها :
- أخيرا يا ريم ، أخيرا أيتها العزيزة سوف أذهب إلى الجــــامعة مثـــلك تماما ، الفضل لك يا عزيزتي ، الفضل لك ••

قاطعتها ريم و كأنها تصيح:

- غير معقول يا سوسن ، كيف تجرؤين على الزج بي في موضوع كهذا ، هل تريدين القول أن سيد وافق على التحاقك بالجامعة فقط لتكوني عينا علي ؟!

تلعثمت سوسن أمام غضبة ريم غير المتوقعة و قالت في محاولة لتلطيف الجو :
- و لكن يا ريم إذا كان هذا في حد ذاته سببا لدخولي الجامعة فلماذا لا ندعيه لن نخسر شيئا يا صديقتي •• إنها مجرد حيلة ، حيلة فقط لأدخل الجامعة ••
كورت ريم قبضتها ثم أرختها نحو الارض بسرعة و قالت بألم :
- و لكن لماذا أنا ؟
ابتسمت سوسن و نهضت فربتت على كتف ريم و قالت ببساطة :
- لأن سيد يحبك ••
التفتت ريم و نظرت إليها بملء عيونها و صاحت بتصميم :
- أما أنا فلا ••
ضحكت سوسن بهدوء المنتصرين و قالت :
- ما يعنيني أن يظل هو يحبك لأظل أحقق ما أريد بهذا الحب ••
نهضت ريم و قالت و هي تمسك بحقيبتها إيذانا بالمغادرة :
- لكنك استخدمت أسلوبا رخيصا ، مجرد ادعائك له بأن ثمة شيئا بيني و بين الأستاذ سعيد كان خطأ كبيرا لا أحب أن أغفره لك ••
سارعت سوسن و حاولت أن تثنيها عن المضي نحو الباب قائلة بطريقة ذات مغزى :
- و هل حقا كان ادعاء ؟

نظرت إليها ريم حانقة و توجهت بسرعة نحو الباب فتحته و خرجت و لم تلتفت لنداء صديقتها ، بمجرد خروجها استنشقت هواءً كثيرا و سارت بسرعة باتجاه بيتها ، كانت عبارة سوسن تغلي في رأسها ، هل حقا كان ادعاء منها ، أم أنها لمست شيئا حقيقيا نبت في قلب سعيد هذا تجاهك ، ما الذي يدفع سعيد إلى ما يقوم به ، هل هي الإنسانية ، رعاية الجار و السؤال عنه ، هل هي الشفقة ، أم هي أمر آخر بعيد عن كل هذا ، هل هو حقا يحبها ، نظراته الولهى تقول هذا ، شغفه بلقائها يقول هذا ، سعيه الدائم لارضائها ينبيء صراحة عن هذا ، ما هو الحب •• ما هو هذا الشعور ، كيف يمكن وصفه ، وهل ، هل تشعر هي به ، لماذا ترق نظراتها حين تطالعه فتعطيه استعطافا بدلا من الغضب ، و رجاء بدلا من الصد ، لماذا تحب أن تسمعه يتكلم و تراقب تفاحة آدم في عنـــقه و هي تجـــري صعودا و هبوطا أثناء حديثه ، لماذا تشعر أنه يسير دوما في الاتجاه الصحيح و يفكر و يقرر كرجل ناضج ليس لقراره من رفض ، أو ممانعة ، عندما ذهبت إليه ترجوه أن يثني والدها ، لماذا اختارته هو بالذات و لماذا لم تغضب عليه أو حتى تكرهه عندما جاء إلى أبيها واشيا و أخبره أنها قابلته و حدثته ، لمــاذا لم يغضبها هـــذا التصرف ، بل لمـــاذا أعجــبها و جعل منزلته أعظم لديها ، و لماذا وثق به أبوها و جعل منه و هو الشاب اللاهي المعروف بنزواته أمينا على عائلتهم بعد سفره ••ما الحكاية ، هل هو الحب •• وهل ما قالته سوسن لاخيها محض ادعاء ؟

وصلت إلى منزلها و لم تكن و هي تسير ترى الطريق ، كل ما كانت تشعر به وقتئذ أنها تريد الوصول إلى البيت بأسرع وقت لترسم ، شيئا ما يغلي و يهدر داخلها و تريد أن تخرجه على اللوحة البيضاء في انتظارها و لابد أن تفعل ،،،

كانت خطواتها صارمة أكثر من المعتاد كأنها غاضبة ، هذا ما قاله سعيد في نفسه و هو يراها تتجه إلى البيت ، أصبح يعرف بماذا تشعر حتى من خطواتها فلماذا تبدو هذه المخلوقة الضعيفة القوية جدا غاضبة •• ظلت عيونه تراقبها من الشرفة حتى استدارت باتجاه بابهم و اختفت عن عيونه ، لكنها لم تختف من أمامه ، ظلت بكامل هيئتها تشاغل خياله و سؤال كبير يضايقه بإلحاحه :
- مم هي غاضبة ••

أسرع فغير ملابسه و ارتدى ملابس الخروج ، كان مدفوعا بشيء أقوى منه و هو يتصرف ، كان يتحرك بآليه غريبة ، يلبس الملابس و الجوارب و الحذاء ، يمشط شعره يضــع عطــرا و يستعد للخروج ، طالع وجهه في مرآة الباب و فجأة توقف ، نظر إلى نفسه مليا و تنهد ثم قال لصورته :

- غبي ••
عاد بخطوات متثاقلة و بآلية بطيئة يبدل ملابسه و جواربه و حذاءه و يتسلل بهدوء إلى الشرفة يراقب النافذة المغلقة و يتساءل سؤالا كالهدير :

- لماذا هي غاضبة ؟
عندما دخلت ريم إلى المنزل كانت أمها في الصالة ترتب الثياب المغسولة و تطويها نظرت إلى وجهها و عرفت أن ثمة شيء ، و عندما حادثت ابنتها و استمعت اليها و هي تحكي التفاصيل بكثير من الحزن و الصدمة حوقلت و بسملت و قالت لابنتها :
- اللهم اكفينا شر أولاد الحرام ••

و عندما دخلت ريم إلى حجرتها لتبدل ملابسها قالت الأم و هي تتنهد :

- شيء ما في هذه السوسن لا يريحني ••
لكن ريم كانت تشعر بشيء مختلف •• سارعت إلى نافذتها المغلقة و فتحتها و نظرت مباشرة إلى الشرفة أمامها ، كان سعيد واقفا و عوضا عن إغلاق نافذتها بسرعة وجدت نفسها تبتسم ابتسامة كبيرة مضيئة مليئة بأشياء كثيرة انسكبت كلها رغما عنها فوق هذا الرجل في شرفته يطالعها بشغف ، و عندما استدارت كان هما كبيرا قد أزيح عن كاهلها و شعرت بنفسها خفيفة الحركة فاتجهت بسرعة نحو لوحتها و شرعت في الرســم و هي تدندن أغنية و ابتسامة جميلة لم تفارق وجهها ••

صبيحة اليوم التالي كانت ريم مستعدة تماما ، مرتدية ملابس الخروج الأنيقة البسيطة ، أفطرت و هي تبادل أختها المداعبات و تملأ البيت ضجيجا ، و ترد على أسئلة أمها العادية بمرح و حماس و تطلب إليها ألا تكف عن الدعاء لها و انتقلت إلى المنزل عدوى مرح ريم فبدا كل شيء جميلا و مرحا ، و في تمام الثامنة و النصف دق الباب و سارعت ريم لفتحه ، كان سعيد واقفا على الباب قلقا ينظر في الساعة و يزفر أنفاسا سريعة و عندما فتحت له ريم تطلع في وجهها و في ثوان أصابته عدواها فوجد نفسه يهدأ ويبتسم رغما عنه و قال :

- اعتقدت أنني تأخرت ••
هزت ريم رأسها و ابتسامتها لم تفارقها و قالت :
- أبدا ، بالعكس توقعت أن تتأخر أكثر فلابد أنك ذهبت لعملك لتأخذ اليوم إجازة أليس كذلك ؟

هز رأسه نفيا و قال و هو يبتسم :

- لا •• لقد تأخرت في النوم •• حدث سعيد سرق النوم مني ••
فقالت الأم :

- صباح الخير يا أستاذ سعيد ، أرجو ألا يزعجك مشوار اليوم ••
تبادل سعيد و ريم النظر و كأنهما اتفقا خلال هذه النظرة على استنكار قول الأم و لكنهما لم يعلقا ، و قالت ريم :

- أنا مستعدة ••
فقال سعيد :

- و أنا مستعد ••

إلا أن الأم استوقفت ريم و قالت :

- بدون أوراق ؟

انتبهت ريم إلى أنها لم تحضر الملف و لا حقيبة يدها ، لم تستأذن سعيد فقط نظرت اليه و ركضت باتجاه غرفتها ، و عندما حملت الملف و الحقيبة و أقفلت عائدة وجدت أمها في تجويف باب غرفتها تنظر اليها ، تبــادلتا النظر و فهــــمت كل واحــدة مــــنهن الأخــــرى و احتضنت ريم أمها و ضغطت على جسدها و هي تقول :
- اطمئني يا أمي ••

افلتتها و عدت و هي تقول :

- لا تنسينا من الدعاء ••

قالت الأم :

- اللهم وفقها و أبعد عنها أولاد الحرام و أهدها طريقك المستقيم ••

كان سعيد بانتظارها في الخارج و عندما أهلت تطلع إليها مبتسما و راقبها و هي تحازيه و سارا معا ، كان لابد لمن ينظر إليهما من بعيد أن يلاحظ اتساق خطوهما ، و كان لابد أن يلاحظ أيضا أن هذين الكائنين يرتبطان بشيء بلا اسم ، و كان لابد أيضا أن يلاحظ انهما صامتان •• و اخيرا فلابد أن الناظر إليهما عن بعد كان لابد أن يكون سيد ، الذي اعتذر عن العمل و صحب اخته و سار بها في نفس الوقت مع ريم و سعيد ، و لذا فلم تكن صدفة أبدا أن سمعت ريم صوت سوسن بعد قليل ينــاديها و عندما التفـــتت رأتهـــا و أخاها و في لحظات أصبح الموكب الذي كان صغيرا متفائلا ، كبيرا واجما و همست سوسن لريم :

- آمل ألا تكوني غاضبة مني ••

ضغطت ريم على ملفها و همست :

- لا ••

و انتهى الحديث

ظل الجمع يسير سويا ، سعيد و سيد و كلماتهم المقتـــضبة التي تخبيء أكـــثر مما تظهر و ريم و سوسن اللتان اكتفتا بالصمت الطويل ، استقل الجميع الحافلة و أصر سعيدا أن يدفع للجميع ، و جلست البنتان ووقف الشابان و كل واحدا في هذا الفريق كان يردد كلاما لا يتماشى مع الآخر و يشكل في مجموعه أغنية نشاز من يسمعها ينفر منها إلا أنها كانت لحسن الحظ حبيسة الشفاه ••

كانت الأم تستمع إلى تفاصيل اليوم من ريم و هي مصغية أشـــد الإصغاء و بين كل عبارة و أخرى كانت تردد دعاءً ، حكت لها ريم عن الزحام في مكتب التنسيق و عن أوراقها التي اختلفت عن بقية أوراق البنات و الشباب الذين جاءوا للتسجيل و تحديد الرغبات ، قالت لها أن أوراقها كانت فيها فقط خمس رغبات في حين كانت رغبات الشباب المصري تفوق الثلاثين و علقت الأم :

- في النهاية هو مكان واحد لكل واحد ••

ابتسمت ريم و استطردت :

- كتبت في الرغبات الثلاث الأول كلية الفنون الجميلة و في الاثنتين الباقيتين كليتي التربية و التجارة ، الأستاذ سعيد نصحني بهذا ••
ضحكت الأم و أكملت :

- و هكذا انتهت حيرتك سريعا فيما جلس الباقون يكتبون أكثر من ثلاثين رغبة و هم في غاية الحيرة ، أليس حالك أفضل ؟
تنهدت ريم و قالت :

- بلى و لله الحمد ، أرجو من الله أن يوفقني و أن يقبلوا بي و ألا يضيع سفر أبي بدون مقابل ••
أمنت الأم على دعائها و زادت عليه و عندما همت ريم بالذهاب إلى غرفتها سألتها الأم عن رفقتها و كيف كانت فعادت أدراجها و جلست على الأرض أمام أمها و قالت :
- سار كل شيء على ما يرام ، رغم محاولات سيد أن يتدخل فيما أكتب و رغم أنه أصر أن تكتــب أخته مثلما كتبت في رغباتها الخمس الأول ، ثم أن سعيدا كان صامتا طوال الوقت ••
و قالت الأم :

- لم يتكلم ابدا ••؟

نهضت ريم و هي تهز رأسها و توجهت إلى غرفتها و همست لنفسها :

- لم يقل إلا عبارة واحدة و هو يودعني رغـــم العـــيون حولنا " هذا أجـــمل أيـــام عمــري و ابتسامتك لن أنساها "••

تطلعت إلى وجهها في المرآة ، كانت حمرة جميلة تعلو خدودها ، و كان شعرها قد تشعث قليلا إلا أنها بدت جميلة ، حتى أنها لاحظت أن عيونها تبتسم •• رفعت رأســــها للسمـــاء و قالت :

- يا رب ••
توجهت الى خزانة الملابس ، أخذت من رفها العلوي حزمة الورق و الظروف و جلست على السرير ووضعت الوسادة على حجرها و شرعت في الكتابة

" ابي الحبيب ••
كيف حالك يا أعظم أب ، هل تشعر بي يا أبي على البعد ، أنا و الله أشعر بك ، أحس بك في كل لحظة ، لا تفارقني نظراتك و لا تغيب عني كلماتك و لا أنسى و لن أنسى تضحياتك من أجلنا ، اليوم يا أبي سطرت أول سطر في كتابي الذي أردتني أن أكتبه ، خطوت أول خطوة في الطريق الذي مهدته لي بصبرك و شقائك و غربتك ، اليوم يا أبي ذهبت إلى مكتب التنسيق ، كان معي كل من سوسن و أخيها و الأستاذ سعيد ، سجلت رغباتي و كأنني أسجل رغباتك ، كنت أريدك معي يا أبي ، لقد طمأنني الأستاذ سعيد بأن النتيجة ستكون بعد أسبوعين في صالحي إن شاء الله ، لقد اخذ وعدا بهذا أمامي من الموظف معرفته في المكتب ••

أبي إنني سعيدة ، سعيدة جدا و لا يضايقني إلا أنك بعيد لا تستطيع أن تلـــمس سعادتي و لا أستطيع أن أهديها لك و لو حتى بنظرة امتنان ، لكنك لابد تشعر بها ، فقلبك الرقيق معنا و حبك في قلوبنا و لن ننساك أبدا وفقك الله و سدد خطاك ، اطمئن نحن جميعا بخير و أمي دائما تذكرك و تدعو لك و سمر تسأل عنك و قاسم أدى امتحاناته كأحسن ما يكون ••
دمت لي يا أغلى أب

ابنتك المحبة •• ريم ••"

عندما أغلقت ريم رسالتها تذكرت أن لا عنوان لديها يمكنها أن ترسلها عليه ، فذهبت إلى أمها تسألها فقالت الأم :

- أتوقع قريبا إن شاء الله رسالة منه و لعلها تكون في الطريق الآن يا ريم ، من يدري ؟ احتفظي برسالتك و سنرسلها حالما تصل رسالة منه ، اللهم طمأننا عليه يا واسع الرحمات ••
عندما التف الجميع على سفرة الغذاء ، كان الحديث كثير كثير ، قاسم يحكي و ريم تحكي و سمر تعلق تعليقات ظريفة و أمهم تحثهم على الأكل و تدعو لهم و لوالدهم ••

كان يوما مميزا جدا لديهم و لدى سعيد و لدى سوسن ، و الوحيد الذي كان يشعر ضيقا كبيرا كان سيد ، لقد شعر فجأة أنه كان مسيرا في أمر ادخال أخته الجامعة ، و أنه اندفع لأول مرة في طريق لم يكن له فيه خيار ، و سأل نفسه إن كان تعلقه بريم سيدفعه إلى المزيد من التنازلات ، و سأل نفسه إن كان حقا يريدها خاصة بعد أن تصبح جامعية ، هل ستناسبه ، و أفكاره عن الزواج أين ذهــــبت ، كان رأســـه يكاد ينفجر ، كل الأمور فجــأة و بسرعة انقلبت رأسا على عقب ، تغير اليوم ما لم يكن متوقعا له التغيير يوما فهل سيستطيع مواكبة هذا التغيير و تقبله ؟ كان يريد أن يحادثها على انفراد و باية طريقة و مهما كانت العواقب لذا اندفع إلى غرفة سوسن و صاح مناديا إياها ، فلما لبته و جاءت سريعا قرأت في عيونه حيرته و سمعت في تنفسه غضبته و توقـــعت شـــرا فلم تتــكلم و انتظرته أن يبادر فقال :
- أريد أن اعرف شيئا هاما الآن ••

نظرت إليه متسائلة فأكمل :

- ريم •• هل تريدني أم لا ؟
تطلعت إليه سوسن لكنها هذه المرة حاولت إجهاض ابتسامة تريد أن تفضح نفسها و قالت ببراءة :
- ريم ؟ ماذا تعني ؟ السؤال الصحيح هو أنت تريدها أم لا ؟
نظر إليها أخوها و لسان حاله يقول "ألا تعرفين ؟ " لكنه لم يتكلم فأكملت :
- كيف تريد لريم أن تحدد موقفها منك و أنت لم تحدد موقفك أو على الأقل تعلنه حتى الآن ؟
جلس سيد على الكرسي و همس :
- أنا أريدها ••
ضحكت سوسن و قالت :
- اذن لابد أن تعرف هي هذا
- و كيف ؟
صمتت قليلا ، كانت تفكر و تحاول وزن الأمور في رأسها ، لو أنها دفعت أخاها الى حديث صريح في هذا الوقت بالذات لأصبح ذهابها إلى الجامعة رهن بموقف ريم ، ذلك الموقف الذي تعرفه تماما ، فكرت أنها يجب ألا تخاطر باقتراح يضيع عليها فرصتها لذا قالت :
- أعتقد يا أخي أن هذا الأمر يمكن أن يتم بعدة خطوات ، أولها أن أحاول أنا مــكـاشفتها ، و أعتقد أنها ستمانع ، طبعا خجل البنات سيمنعها من القبول السريع ، عندها تبدأ أنت الخطوة الثانية ، و هذه لن تكون قبل دخولنا ، أقصد دخولها الجامعة ، إذ هناك ، و هناك فقط بإمكانك أن تكلمها كما تشاء و الحجة دائما موجـــودة و هي أنك جــئت لتصحبني ، أو للسؤال عني و ما إلى ذلك ••
قال سيد بكثير من الفضول :
- أتعتقدين أن هذه هي الطريقة المثلى ؟
أجابت بسرعة :
- و لكن ليس قبل التحاقنا بالجامعة ، فقبلها لن تستطيع أبدا •• صدقني ••
تنهد سيد و فجأة قال :
- و لماذا لا أختصر المسافة و أخطبها فورا ••
استشعرت سوسن الخطر مجددا فصاحت :

-  لا يمكن ••

ثم بهدوء قالت :

- لا يمكن لأن أباها مسافر و لأن أمها أكدت لك أن ريم لن تتزوج قبل إنهاء دراستها ، أليس كذلك ؟
هز سيد رأسه موافقا و ابتسمت سوسن و عادت تقول بدلال المنتصرين :
- تشرب شاي ؟
***
حملت الأيام القليلة الباقية على إعلان نتائج التنسيق أكثر من أمر هام لريم فقد وصلت من أبيها الرسالة الأولى و كانت سطورها تشي بسعادة الأب الكبيرة بتوجيهه للعمل في توسعة المسجد الحرام بمكة المكرمة و ترك في الرسالة عنوانا يستطيعون مراسلته عليه ، و انتهت امتحانات قاسم على خير و أرسلت ريم لأبيها خطابها الأول و بدت الأمور أكثر مرونة و أكثر تحملا ، و لم تعد هناك أشياء تنغص على ريم استبشارها و انتظارها للنتيجة المرتقبة ، و كان سعيد يداوم على زيارتهم و تفقد أحوالهم فيــجلس معه قـــاسم و تجلس الأم و أحيانا تجلس ريم بعد أن تعد أكواب الشاي للجميع ، و بدا أن روحا عائلية تلفهم في كل جلسة فيتحدث الجميع في أموره براحة و بدون خجل حتى أن الأم فتحت مع سعيد موضوع زوجته و تحدثت معه مطولا فيه :
- مريم ابنة حلال يا أستاذ سعيد فلماذا العناد ••؟

ابتسم سعيد و قال و هو يرشف كوبه و كأنه كان متوقعا لهذا السؤال منذ زمن :
- هي بالفعل ابنة حلال ، لكنها لا تناسبني ، لم نستطع مواصلة الحياة معا و كان لابد من الفراق
- و الأولاد يا ولدي ؟

- الأولاد من مصلحتهم أن يكون أبواهم منفصلين بدلا من حياة لاجدوى من ورائها ، حياة يشكل العراك قسماتها و أنت تعرفين يا خالتي أن العراك لا يهيء جوا صحيحا لتنشئة الصغار ••
كانت ريم تستمع إلى الحديث و أكثر من سؤال يراودها ، لكنها لم تشأ أن تتدخل فهذا الحديث لم يغير كثيرا من حكمها الأول عليه ، إن العيب فيه بكل تأكيد و إن الظلم كان من طرفه ، و عندما وجه إليها سعيد سؤاله لم تكن منتبهة تماما لما يقول فأعاده ثانية :
- آنسة ريم ، ما رأيك بالموضوع ••

نظرت إليه مليا و نقلت نظراتها الى أمها ، ثم أرخت عيونها و قالت بغموض :

- كل امرىء أدرى بما يحتاج ••
ابتسم سعيد مطمئنا إلى إجابتها و استأذن بالانصراف ••

رواية تستحق القراءة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى