الثلاثاء ٣٠ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٠

شـفيــق حـبـيـــب في «تعاويـــذ مـن خـــزف»

نـــور عـــامـــر

ربما نتساءلُ وبشيءٍ من الدّهشة: لماذا انطلقَ الشاعر شفيـق حبيـب في ديوانه "تعاويذ ُ من خزف " من جوهر عقيدة "كافـــكا "- اليأس الميتافيزيقي "؟

لماذا هذا الشعورُ بالضّياع ِ والإحباط؟

لماذا أغمضَ الشاعرُ عينيهِ حتى ابتراق ِ اللحَظات ِ الوَمْضِيـَّة ِ التي تمنحُـنا دافعـــا ً في أحلكِ الأوقات؟

لسنا في مجال تحقيق ٍ حولَ موقفِ وأحاسيس ِ الشاعر، ولكن؛ قضية ُ اليأس هذه قد تضعـُنا أمامَ سؤال ٍ آخر:

لماذا يسعى الإنسانُ في ظرف ٍ مُعَيَّـن ٍ إلى تحطيم ِ قـُدُراتِـهِ المعْـنـويـّة؟

هل هي الرغبـة ُ في التـَّحَرُّر ِ من ضغوط ٍ وتوتـُّرات ٍ داخليـّــه؟

أم أن المسألة َ تدخلُ عَـمْدا ً أو اقتـِناعا ً في إطار ِ الرّومنطيقية ِ بمفهومِها الاستسلامي روحا ً ومادة؟!

ينساب ُ في صوتي الضـّبابْ
وعلى شراع ِ سفينتي...
في بحر ذاتي..
ينطوي أملُ الإيــابْ..
ألليلُ يلفظـُني...
فيجرعُني الضّـياعُ والاكتِـئابْ ..

من قصيدة "ضياع ٌ في بحر الذات "

هذا اليأسُ الميتافيزيقي بوجودهِ وخطرهِ يشكـِّلُ غـُربة ً قاسية ً، ويأخذ ُ شكلا ً آخرَ في قصيدة "تعاويذ ُ من خزف " إذ نستشِفُّ اللذة َ في الألم، من خلال ِ انصهار ِ-الذات - " في سراديب ِ الفـَناءِ الحيّ "، تلك القوة الجائرة الطاغية التي تنتزع ُ من الإنسان ارادتـَهُ، وتـُبقيهِ جسدا ً جافـّـا ً يطوفُ في دنيا الهمـوم ِ دونَ أن يفكــِّر بالنـّجاة، لأنه اعتادَ واقعَهُ البائس، بل أصبحَ يستعذبُ هذا البؤسَ دون أن يُعلنَ عن ذلك صراحة ً... لو واجَهْـنا هذه الحالة َ"استعذابَ الألم " من مُنطلق ِ عِلـْم ِ النـّفس، لوجدنـاهـا حالة ً شاذة ً!! لكنّ الوضعَ قد يختلفُ في ظروف ِ اللا ـ إختيار.

أسافرُ فوقَ أجنحة ٍ
منَ القصدير ِ تـُقصيني...
وتـُغويني...
وأغرقُ في مياه ِ البحر ِ
في أحشــاءِ تنـّين ِ
وتقذفـُني همومُ المـَوْج ِ
فوقَ رمال ِ هذا العمر ِ
أسمالا ً على أشلاءِ مسكين ِ..."

في قصيدة "لم أجدْ قبري " يعي الشاعرُ مأساتـَهُ عقليـّا ً، وهذا الوعيُ يتطوّرُ ويتغلغلُ في أعماق التصوُّرات، إنه يتحدّثُ عن عالمِهِ المحسوس ِ من خلال حركة ٍ ومرونة، ينتقلُ بين الذات وبين الموضوع ِ عَـبرَ الصورة الزمنية مُقصِرا إدراكـَهُ على الكيفيـّات التي تتساوقُ وتتلاقى في اللامكان، فتـُشكـِّلَ الشيءَ المُدرَك...
ألشاعرُ إذن ينطلقُ في هذه القصيدة من "الأنـــا " : يؤرِّقني .. يُمزِّقـُني .. أنا صدأ ٌ .. أنا صدأ ٌ..

فيجب أن لا نفهمَهُ خطــأ ً لأنه بدون "الأنــا " لم يكن في وُسعهِ إدراك ُ الكيفيّات، "فالكيفيّات " لا تعدو أن

تكونَ إدراكات ٍ منتمية ً "للأنــا " ويمكن ُ للأنــا بواسطتِها أن تتمثلَ الأشياءَ، كما نستنتجُ من ظاهريات الفِكر الهيجلي.

يؤرِّقــُني...
يمزِّقــُني...
جرادُ القمْع ِ والقهـْـر ِ
ويحرق ُ في شراييني
بقايا النبض ِ في عمري
حملتُ حطامَ أوردتي
وأسلحتي على ظهري...
وجُبْتُ العالمَ المخصيَّ
أنزفُ مثلَ جَذع ٍ
دامع ِ الجذر ِ
ولما عدت ُ مكلومــا ً...
مهيـــضا ً...
لم أجـــد ْ قبـــري...

حين نتابعُ القصيدة َ نجدُ أن الشاعرَ يبرّرُ يأسَه بشكل يقبـَلـُهُ المنطق، لكن، هذا التصوير ليس فوتوغرافيـّا ً، بل قدراتٌ تعبيريّة ٌ مدهشة ٌ تشكـِّلُ جزءا ً حيويـا ً من القصيدة.

قد تبدو هذه القدراتُ للعين سهلة؛ فالنـّسْجُِ الإبداعيّ لا يتيسّرُ لكل شاعر، وأعتقدُ أن الشاعرية َ الحَقــّة تتنوّع، ومنها الشاعرية ُ القادرة ُ على النـَّفاذ إلى روح الأشياء كما سنرى الآن:

أنا صدأ ٌ .. أنا صدأ ٌ ..
وصوت ٌ غاضَ في لج ٍّ
رُكاما ً صارخ َ النـّبر ِ
رغيفُ الخبز ِ من رمل ٍ
وماءُ النهر ِ مأسون ٌ
وأيامي مُحَنـّطة ٌ
تنوءُ على لظى
الأوبــاءِ .. والصحراءِ .. والقفر.ِ
حَلـَمْتُ بألف ِ سوسنة ٍ..
وأقمار ٍ..
وأكواب ٍ منَ الخمْـــر ِ..
حَلـَمْتُ بشهد ِ أيام ٍ..
يُبَــدِّدُ حنظلَ الفـقـْر ِ
أفقت ُ على مآسيـــنا
فذابَ المُـــرُّ في المُــر ِّ...

ويتابعُ شاعرُنا يأسَهُ المنبعث َ أساسا ً من معاناتِه الداخليةِ عبرَ تصوراتِه المحسوسة، حتى يبدو لنا الواقعُ متعَبا ً للغاية، وربما نحسّ في لحظة معيّنة أن الشاعر وضع هذه التصوّراتِ دون تعقــُّلـِها كما يفعل "كانـتْ " وأتباعُهُ من التصوّريين لكنه مجرّد إحساس ينتج حين تـُغلـَق جميع الأبواب...

ونجد أنفسَنا نتساءل: أيُعقلُ أن يكون الواقعُ قاتما ً ومخيفا ً إلى هذا الحـدّ؟؟؟
وإذا كان لكل شيء نقيضـُهُ فلماذا تغاضى الشاعر عن مسألة التناقض الذي يصبحُ في مدلوله الإيجابي قيمة ً جوهريـّة ، وكأني بالشاعر يأخذ بقول "أرسطو " الذي شـيَّدَ المنطقَ على قاعدةٍ جذريةٍ هي قانونُ عدم ِ التناقض.

كلُّ ما فينا خـُواءٌ في خـُواء ْ..
نتداعى...
حاضرا ً يغرقُ في البؤس ِ
وأوحال ِ الرِّيـــاءْ
نتهاوى مثلما تنهـارُ
أحلامُ القوافي في خيال ِ الشـُّعَــراء ْ..

وفي مكان آخر يقول:

نحنُ كالديدان في الظـّلمة ِ
تعشى عندما يبدو الضـِّياءْ
نحن لا نبني حضارات ٍ
ولكن نتغنى بتسابيح الدُّعـــاءْ
نحن صحراءٌ .. وجَدْبٌ...
وظلامٌ... وشقـــاءْ
فكرُنا قحْط ٌ
كغيم ِ الصّيْف ِ منثورٌ
هبــــاءً في هبــــاءْ...

"من قصيدة : خـُــــواءٌ وانشطار "

في هذه القصيدة نجد أنفسَنا في مواجهة ٍ حقيقية ٍ لأفكار ٍ لا نستطيعُ أن نقولَ عنها مدمِّرة.. ما دامت مدعومة ً في بعض جوانبها بالمحاجّة ٍ العقليّة التي تستندُ على الأدلــّةِ المنطقية، لكن الطريقة التي قولبت فيها هذه الأفكارُ تـَمسحُ عن الخارطة كلَّ الإنجازات العربية وكلَّ التحدِّيات، على الصعيدين الفكري والسياسي!! ومن ثم تضعُ الإنسانَ العربيَّ في دائرة الإحباط وشلّ القدرات، دونَ أيةِ إشارة ٍ إلى الظروف والملابسات التي أوجدت هذا الواقعَ العربيَّ الصّعب.

نعرفُ أن الشعرَ غيرُ ملزم ٍ بتقديم أجوبة ٍ عن اسئلة ٍ قد تدورُ في ذهن القارىء وهو يتابعُ نصّـا ً شعريّا ً، لا سيّما وأن خيالَ الشاعر بجُموحهِ لا يهمّهُ البحثُ عن علــّة تكوين ِ الأحداث.

لكن ما دام الحديثُ هنا يجري في معظمِهِ عن حقائق، وتأثير ِ هذه الحقائق على الإنسان، تصبحُ مسألة ُ العزف على وتـر واحد قابلة ً للرفض ِ أو القبول، وقابلة ً للنقاش الموضوعي، خاصة ً وأن موضوع َ الديوان في أكثره يتمحورُ حول قضايا تحملُ طابعا ً سياسيا ً.

آه ِ يا شعبَ الفراغ ِ
الضارب ِ الأطنابَ فينا كالوبـــاء ْ
كلُّ ما حولـَك َ من صُنع ِ عقول ِ الغرَبـــاء ْ
ما الذي أعطيت َ يا مشلولُ للدنيـــا
سوى ذ ُلـِّكَ ممزوجا ً بآهات ِ البُكـــاءْ
أنتَ مهزوم ٌ...
وللمهزوم ِ موتٌ .. وفنـــاءْ...

لا يهمـّنا أن الشاعرَ جعل المأساة َ العربية َ مُلهـِمَة ً له على الإنتاج ، فهو حرٌّ في اختيار نقطةِ الانطلاق، لكن ما يلفتُ النظرَ أنّ كثافة َ الأحداثِ ليست هي الشحنة َ الناقلة َ لبلورةِ الموقِف، بل الشعورُ الوجدانيُّ هو السببُ المباشِرُ في اشتعال القصيدة.

يناديني ...
يشـُد ُّ على شراييني...
ويأخذني قشورا ً...
جفّ منها النـُّسغ ُ عِشـْقا ً
ضاعَ بين الماءِ والطين ِ
أرى في كلِّ محرقة ٍ...
رجاءً هام عصفورا ً...
على وجه ِ الميادين ِ..
يناديني منَ المجهول صوت ٌ..
كانبعاث الويل ِ
من أعطاف ِ سكـّين ِ
أنا ورق ٌ خريفي ٌّ
تطاير كاشتعال الريح ِ
في أحضان ِ تشرين ِ

من قصيدة " تعاويذ من خزف "

وبعــــــــــــــــد......

لا أزعُمُ أنّ هذا المقالَ يكفي لإعطاءِ هذه القصائد حقــَّها من التقييم ِ والتحليل، فهذا الدّيوانُ بمضمونِـهِ الفكريّ والأدبيّ، يُشـَكـِّــل ُ مــــــادّة ً خصبـــــة ً ورحبـــــــة ً للكتابـــــةِ الموضوعيـّــــة.

نـــور عـــامـــر

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى