السبت ١٦ تموز (يوليو) ٢٠٢٢
بقلم رامز محيي الدين علي

صراعُ الأضدادِ- الأملُ واليأسُ

مهْما ادلهمَّتِ الحياةُ وقسَت على البشرِ بأيدي وحوشِ البشريَّةِ، لا بدَّ من أملٍ نسْعى إليهِ ونجدُ فيه لذّةَ السَّعادةِ وتجدُّدِ الحياةِ، ومهْما احلولكَتِ اللّيالي يجبُ عليْنا ألّا نيأسَ، كما علَّمَتنا الأيّامُ وخطَّتْ أقلامُ الفكرِ على صفحاتِها حِكَماً ومواعظَ لعلَّها تكونُ نبراساً لنا. ومن هُنا أنطلقُ في التّحليلِ والإبداعِ الأدبيِّ والفلسفيِّ في هذهِ المقالةِ من خلالِ البحثِ في المعاني اللُّغويّةِ لكلٍّ من الأملِ واليأسِ، ومن ثمَّ أغورُ في الأقوالِ والأشعارِ الّتي تتناولُهما، ومنها أُطلقُ العنانَ لسجيَّتي وأفكاري في التّحليقِ في سماءِ الفكرِ والأدبِ.

الأملُ في اللّغة:

أَمَلَ: (فعل): أمَلَ / أمَلَ في يَأمُل / يأمِل، أَمَلاً، فهو آملٌ، والمفعولُ مأمُولٌ، أَمَلَ فَوْزَهُ: تَرَجَّاهُ، تَمَنَّاهُ، رَغِبَ فيهِ، أَمَلَ خَيْرَهُ: تَرَقَّبَهُ، تَمَنَّى وُقوعَهُ، أمَلَ منه العَونَ: رجَاه، توقّعَهُ وانتظرَه منهُ. الأَمَلُ: الرّجاءُ، وأكثرُ استعمالِه فيمَا يُسْتَبْعَدُ حصولُه والجمعُ: آمَالٌ.

اقترانُ الأملِ بالعمل

الأملُ وحدَه لا يكْفي لكي نسعدَ، ولا بدَّ أن يقترنَ الأملُ بالعملِ سواءً في نعيمِ الدُّنيا أمْ في فردوسِ الآخرةِ. من ذلكَ ما نجدُه في كتابِ اللهِ تعَالى من إشارةٍ واضحةٍ إلى أنَّ أملَ الإنسانِ المؤمنِ في لقاءِ ربّهِ في آخرتِه يتطلَّبُ عملاً صالحاً وإيماناً مطْلقاً بوحدانيَّة اللهِ، قالَ تعَالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (سورة الكهف 110). وفي الحديثِ الشّريفِ يدعُونا النّبيُّ محمَّدٌ ﷺ إلى حسنِ الظّنِّ باللهِ الّذي لا يُخيِّبُ الأملَ والرّجاءَ والدُّعاءَ، قال عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ: "لا يمُوتنَّ أحدُكُم إلّا وهو يُحسِنُ الظنَّ باللهِ عزَّ وجلَّ".

وعليْنا أنْ نَقرنَ الأملَ بالعملِ، وألّا نُطيلَ في آمالِنا؛ لأنّ ذلكَ يُسيءُ إلى العملِ، ويجبُ علينا أنْ نُخلِصَ في أعمالِنا حتّى نُحقّقَ أقْصى آمالِنا، من ذلكَ ما نراهُ في قولِ الإمامِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (رض): "مَن أطالَ الأملَ أساءَ العملَ". وفي قولِ العربِ: "كنْ مُخلصاً في عملِكَ تبلُغْ أقصَى أملِكَ".

كمَا يجبُ عليْنا أن نثِقَ باللهِ عزّ وجلَّ، وذلكَ أجَلُّ الآمالِ، وأنْ نتوكّلَ عليهِ، وذاكَ أوْفى الأعمالِ، مع ضرورةِ أن يقترنَ التَّوكُّلُ بالعملِ لا بالتَّواكلِ، وهذا ما عبّرَ عنهُ أديبُنا الكبيرُ مصْطفى صادقِ الرّافعيّ: "الثّقةُ باللهِ أزْكى أملٍ، والتّوكُّلُ عليهِ أوْفى عملٍ".

والآمالُ تُبْنى على حقائقِ العملِ الجادِّ والسَّعيِ المثْمرِ الدَّؤوبِ، وإلّا فكلُّ الآمالِ دونَ ذلكَ هي من وحيِ الأوهامِ الّتي لا تتحقَّقُ إلّا في الأحلامِ، كما عبّرَ عن ذلكَ بودلير بقولِه: "مَن يَبني آمالَهُ على الأوهامِ يجدُها تتحقَّقُ في الأحلامِ".
هذا، ولم يَبخلِ الشّعراءُ في الثّناءِ على الأملِ وبيانِ مآثرِه في الحياةِ، مع وجوبِ اقترانِه بالعملِ والجِدِّ والسَّعيِ المتواصلِ لتحقيقِ ما يصبُو إليهِ الإنسانُ من آمالٍ وطموحاتٍ، فالحياةُ الكريمةُ السّاميةُ لا تتحقَّقُ إلّا بجليلِ الأعمالِ، ولعلَّ من أجملِ ما قيلَ عن هذا الاقترانِ بينَ الآمالِ والأعمالِ، ما قالَهُ شاعرُ القُطرينِ خليلُ مُطران:

وإذا تمنَّيْتَ الحيَاةَ كبيرةً
بُلِّـــغْتَها بكبِـــــــــيرةِ الأعْـمـــــــــالِ

وكذلكَ فإنَّ الغاياتِ والأهدافَ لا يُمكنُ أن تَرى النُّورَ إلّا بالسَّعيِ والجهادِ والمجالَدةِ والصّبرِ، على نحوِ ما عبّرَ عنهُ الشَّاعرُ عليُّ بنُ المقرّبِ العُيوني:

إنّما تُدرَكُ غاياتُ المُنى
بمَســـيرٍ أو طِعَانٍ وجِلَادِ

ومن ذلكَ ما عبّر عنهُ أميرُ الشُّعراءِ أحمدُ شوقي، فمطالبُ الإنسانِ وأهدافُه لا تُنالُ بالتَّمنّي، وإنّما بالعملِ والجلَدِ والسّعيِ الحثيثِ:

وما نيلُ المطالبِ بالتَّمنّي
ولكنْ تُؤخَذُ الدّنيــا غِلَابا

ولذلكَ كان لا بدَّ من تقصيرِ الآمالِ وعدمِ الاستكانةِ إليها، واللَّبيبُ العاقلُ هو مَن يُدركُ أنّ عدمَ الاستِسلامِ لكثرةِ الأحلامِ هو طريقُ الفوزِ والنَّجاحِ، كمَا في قولِ الشّاعرِ ابنِ الورديِّ:

قصِّرِ الآمـــــــــالَ في الدّنيا تفُــــزْ
فدليلُ العقلِ تَقصيرُ الأمَلْ

أهمّيّةُ الأملِ في الحياة:

وعلى الرّغمِ من ضرورةِ اقترانِ الأملِ بالعملِ، يظلُّ الأملُ مبعثَ السّعادةِ، وشعاعَ الفرجِ بعدَ الضّيقِ والعُسرِ، ولولا الآمالُ لفقدَتِ الحياةُ معناها، ولعاشَ الإنسانُ في شقاءٍ وتعاسةٍ، كما قالَ تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾، وكما في قولِ الإمامِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (رض): "كلُّ الحادثاتِ إذا تناهَتْ فموصُولٌ بها الفرَجُ ".
ولذلكَ فإنّ الأملَ والرّجاءَ يظلّانِ مهمَّينِ في الحياةِ وأحوالِها، كمَا نرى ذلكَ في حالِ العشقِ، إذ يظلُّ الحبيبُ في أملٍ لنيلِ مرادِه من الوصلِ أو الظَّفرِ بالحبيبِ، على نحوِ ما عبّر عنهُ البحتريُّ في قولِه:

لولَا الرَّجاءُ لمتُّ منَ ألمِ الهَوى
لكنَّ قلْـــبي بالرَّجـــاءِ مُؤمَّــــلُ

ولا نَنْسى أنَّ الأملَ يخفِّفُ الدّمعةَ الّتي يسقِطُها الحُزنُ، فلَولا الأملُ بعالمِ الخلودِ في الجنّةِ لعاشَ البشرُ في تعاسةٍ وشقاءٍ وحزنٍ لا يُطفئُ غليلَ دموعِه غيرُ نظراتِ الإيمانِ في نعيمِ الآخرةِ، ولولا الأملُ لعاشَ النّاسُ في ضيقٍ نفسيٍّ شديدٍ، وهذا ما عبّر عنهُ الطُّغرائيُّ في لاميَّتِه:

أعـــلّــلُ النّفـــسَ بالآمــــالِ أرقــــبُها
ما أضيقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأملِ

ومن هُنا تتجلّى أهمّيّةُ الأملِ في الحياةِ، فليسَ العمرُ إلّا آمالاً ومُنىً نسْعى لتحقيقِها كما يسْعى الصَّيّادُ لاقتناصِ طرائدِه، كمَا في قولِ فِرجيلَ: "ما العمرُ إلّا آمالٌ ومُنىً نَسْعى خلفَها سعيَ الصّيّادِ خلفَ الطّرائدِ".
ويجبُ ألّا ننْسى أنّ الإنسانَ يعيشُ بالأملِ، فإنْ أضاعَه فقدْ ضلَّ في سعيِه وعملِه، فالأملُ ضرورةٌ حتميَّةٌ لوجوبِ العملِ، فلَولا سعيُنا للنَّجاحِ، لما بذلْنا الوقتَ والجهدَ في الدّراسةِ، ولولا الأملُ بالجنّةِ، لما قضَى المؤمنونَ حياتَهم في التَّهجُّدِ والتَّضرُّعِ والعبادةِ، ولولا الأملُ بالحياةِ الحرّةِ الكريمةِ، لماتَ الشُّرفاءُ كمَداً وهُم يناضلُون بالكلمةِ والموقفِ للوصولِ إلى مستقبلٍ إنسانيٍّ تسودُه قيمُ الإنسانيّةِ العظيمةِ، ومن ذلكَ ما نراهُ في قولِ الشّاعرِ جميلِ صِدقي الزّهاويّ:

يعيشُ بالأمـــــــــلِ الإنســـانُ فهْوَ إذا
أضاعَهُ زالَ عنهُ السَّعيُ والعملُ

الأملُ والأوهامُ:

وثمّةَ آمالٌ بعيدةُ المنالِ تدخلُ في دائرةِ الأوهامِ، كالأملِ في طولِ الحياةِ والعيشِ بصحَّةٍ وسلامةٍ أمدَ الدَّهرِ، وكأملِ الغريقِ الّذي يتمسَّكُ في لحظةِ الغرقِ بقشَّةٍ أو أفْعى، كما قيلَ في المثلِ العربيِّ: "الغريقُ يتمسَّكُ بقشّةٍ". وفي المثلِ التّركيّ: "مَن يسقُطُ في النّهرِ يتمسّكُ بالأفْعى".

وكذلكَ فليسَ كلُّ ما يتمنَّاهُ الإنسانُ يستطيعُ الوصولَ إليهِ؛ لأنّ الحياةَ تسيرُ في كثيرٍ من الأحيانِ في غيرِ رغباتِنا وأهدافِنا، كما أنَّ الرّياحَ تَجري على عكسِ اتّجاهِ السُّفنِ في اليمِّ، فلا تُبالي بمسيرِها ووجْهتِها، من ذلكَ قولُ المتنبّي:

مـــا كلُّ مــا يتمَـــنّى المــــرْءُ يـُـدركُهُ
تَجْري الرّياحُ بما لا تَشْتهي السُّفُنُ

ومن ذلكَ قولُ الإمامِ أبي مظفّر الأبيورديّ، إذ يَرى أنّ أملَ الإنسانِ في أنْ يعيشَ في سعادةٍ وسلامٍ دونَ أن تَنزلَ به نوائبُ الدّهرِ وأحزانُه هوَ وهمٌ، وعلى المرءِ أنْ يقتصِدَ في أمانيْهِ؛ لأنّ بعضَ الأماني ما يَفتنُ الإنسانَ فيُوقِعُه في شرَكِ الوهمِ:

يا مَـــن يؤمّــــلُ أن يعيـــشَ مُسـلَّما
جــذلانَ لا يَدْهى بخَطْبٍ يُحـزِنُ
أفرطْتَ في شطَطِ الأماني فاقتَصِدْ
واعلَــمْ بأنّ مــــنَ المُنى مــا يَفــتُنُ
ولادةُ الأملِ ولذّتُه

لقد علَّمتْنا الحياةُ من فلسفَتِها أنَّ كلَّ صورةٍ قاتمةٍ تحملُ في أعطافِها شعاعاً من النّورِ، وأنَّ كلَّ شقاءٍ يَحبلُ في رحمِهِ بجنينِ السّعادةِ، وأنَّ كلَّ سحابةِ يأسٍ تحملُ في جوفِها قطراتٍ من الأملِ، وأنَّ كلَّ ظلمٍ واستبدادٍ يفترسُ جمالَ الحياةِ تتَوارى في غياهبِ سجونِه وقهْرِه شموعٌ من العدالةِ والحرّيّةِ، كمَا عبّر عن ذلكَ فيلسوفُ الأدبِ جبرانُ خليل جبران بقولِه: "في قلْبِ كلِّ شتاءٍ ربيعٌ يختلجُ، ووراءَ نقابِ كلِّ ليلٍ فجرٌ يبتَسمُ". ونرَى ذلكَ المعْنى في المثلِ الفِنْلنديّ: "لا بدّ أن يُشرقَ الضّوءُ في آخرِ النَّفقِ".

ومهْما كانتِ الآمالُ بعيدةَ المنالِ، ومهْما حالَتِ الدُّنيا دونَ الوصولِ إليها، تظلُّ لها لذّةٌ تُنْسِينا همومَ موتِ بعضِها الآخرِ في عثراتِ الزَّمانِ، كمَا في قولِ الشّيخِ مصطفى الغَلاييني صاحبِ تُحفةِ (جامعِ الدّروسِ العربيّة):
إنّ للآمـــالِ في أنفُــسِــــنا
لــذّةً تُنْـــعِشُ مِنهـــا مـــا ذبَــلْ
لـــذَّةٌ يَحلُــو بهــا الصَّــبرُ على
غمَراتِ العيشِ والخَطْبِ الجَلَلْ
اليَأْسُ

اليأسُ في اللّغة:

يأْسٌ: (اسم) : مصدرُ يئِسَ. الْيَأْسُ: الْقُنُوطُ الِاسْتِسْلامُ أَوِ الْيَأْسُ. يئِسَ من ييْأَسُ وييْئِسُ، يَأْساً ويآسةً، فهو يائِسٌ ويَئِسُ، والمفعولُ ميؤوسٌ منهُ. يَئِستِ المرأةُ :عقَمَتْ، شخصٌ ميؤوسٌ منهُ: فاشلٌ، مريضٌ ميؤوسٌ منهُ: لا أملَ في شفائِهِ، وضعٌ أو موقفٌ ميؤوسٌ منهُ: يتعذّرُ التّراجعُ عنهُ.

عدمُ الاستسلامِ لليأس:

مهْما أغلقَتِ الحياةُ أمامَنا من أبوابِ الأملِ رغمَ سعيِنا وجهودِنا، عليْنا ألّا نستسلمَ لليأسِ؛ لأنَّ الاستسلامَ هزيمةٌ وضعْفٌ، بلْ لا بدَّ منَ الصّبرِ والجِلادِ حتّى آخرِ العمرِ، والحياةُ مليئةٌ بالأمثلةِ والعبرِ الّتي نقرأُ فيها قصصَ ولادةِ الأملِ بعدَ سحاباتٍ مظلمةٍ منَ الإخفاقِ والتَّعثُّرِ.

وقدْ أنبأَنا اللهُ عزَّ وجلَّ في كتابِه العزيزِ بأنَّ رحمتَه واسعةٌ تشملُ جميعَ المخلوقاتِ، وحتّى النّاسَ الّذينَ أسرفُوا في الخَطايا والذُّنوبِ، ودعَانا إلى عدمِ القنوطِ من رحمتِه، وبشَّرَنا بغفرانِ الذُّنوبِ جميعِها؛ لأنّ اللهَ جلَّتْ قدرتُه غفورٌ رحيمٌ، كمَا في قولِه تعالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة الزّمر 53). واللهُ عالمٌ بطبيعةِ النَّفسِ البشريّةِ القائمةِ على المللِ والضّجرِ، واليأسِ والقنوطِ، والجُحودِ والكفرِ بنعمِ اللهِ، والتّكبُّرِ والاستِعلاءِ حينَ تملكُ القُوّةَ، والضّعفِ والتّذلُّلِ حينَ يمسُّها الشّرُّ وتُحيقُ بها نوائبُ الزّمانِ، كما جاءَ في وصفِهِ لهُم في قولِه تعَالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَٰهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَـُٔؤوسٌ كَفُورٌ) (هود - 9).

ولذلكَ عليْنا ألّا نستسلمَ وألّا نقنطَ من رحمةِ اللهِ مهْما اشتدَّتِ المحنُ والنّوازلُ واستوطنَتِ المكارهُ والخطوبُ حولَنا، فمِن رحمِها يولدُ الأملُ وينبلجُ فرجٌ قريبٌ، وخيرُ دليلٍ على ذلكَ أبياتُ الإمامِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ (رض):

إذا اشتملَتْ على اليأسِ القلُوبُ
وضــاقَ لمــا بهِ الصَّـدرُ الرّحيبُ
وأوطــــنَـــتِ المـــكارهُ واســـتقَــــرّتْ
وأرسَـتْ في أمـــاكنِها الخــطُـوبُ
ولمْ تـــرَ لانكشـافِ الضُّــــرِّ وجْهاً
ولا أغْــنى بجـــــيلَـــتِه الأريـــبُ
أتـــاكَ على قُنـــوطٍ منــكَ غــوثٌ
يَمُـــنُّ بــــه اللّطيفُ المســتَجيبُ
وكـلُّ الـحــــادثــاتِ إذا تـنَـــاهَــــتْ
فموصُـولٌ بهـــا فـــرَجٌ قَــــريبُ

وعلى هَذا النَّحوِ منَ الدَّعوةِ إلى التَّمسُّكِ بالأملِ وعدمِ القنوطِ مهْما اشتدّتْ نوائبُ الزّمنِ، يَمْضي الشّعراءُ في التّأكيدِ على أهمّيّةِ الفرجِ بعدَ الشِّدّةِ، من ذلكَ ما قالَه الشّاعرُ العبّاسيُّ صالحُ بنُ عبدِ القُدُّوس:

لا تيأســـــــنَّ من انفــــــــراجِ شـــــديدةٍ
قد تَنْجلي الغمَراتُ وهي شدائدُ
كم كُـــــــــــــربةٍ أقســـــمْتُ ألّا تَنْقضي
زالتْ وفـــرَّجَها الجلــيلُ الواحـــــــــدُ

ومن ذلكَ قولُ الشّاعرِ الأندلسيِّ حازمٍ القَرطاجنّي صاحبِ تحفةِ (منهاجِ البلغاءِ وسراجِ الأدباءِ) في قصيدتِه (ما أَقربَ الآمالَ من يدِ مُرْتجٍ):

وإذا عــــــرتكَ من اللَّيالي شــــــــدَّةٌ
فاعـــلـــــــم بــــأَنَّ مآلـــها لتــــفرُّجِ
لا تيأَسنْ من رَوح ربِّك وارجُهُ
في كلِّ حــالٍ فهو أَكرمُ من رُجِي
عواقب اليأس

ويجبُ ألّا ننْسى أنّ اليأسَ يُهلكُ صاحبَه وقدْ يُودي به إلى الانتحارِ، فعلَينا ألّا نستسلمَ لليأسِ؛ لأنّ عواقبَه وخيمةٌ وآثارَه مضنيةٌ، كما في قولِ ريختر: "اليأسُ هو انتحارُ القلْبِ". ومنهُ قولُ الشّاعرِ الكبيرِ جميلِ صدقي الزّهاويّ:

ما طالَ عهدُ اليأسِ في قلبِ امرئٍ
إلّا أســتبانَ على الجـــــبينِ خُطـــوطُ

فإنّ أسوأَ العواقبِ وأعضلَها على الإنسانِ هو انتكاسةٌ بعدَ أملٍ، ومن ذلكَ قولُ البُحتريّ:

شــــــــــــرُّ العــــــواقبِ يأسٌ قبلَهُ أمـلٌ
وأعضلُ الـدَّاءِ نُكْسٌ بعد إبْلالِ

كمَا أنّ يأسَ الإنسانِ من تحقيقِ أملِه في شيءٍ يؤدّي إلى استغنائِه عنهُ، على نحوِ قولِ أرسطُو: "من أَيِسَ من الشّيءِ استَغْنى عنهُ" . (أَيِس من إصلاحِ حالِه: قنِط، يئِسَ وانقطعَ رجاؤُه).

والقُنوطُ من رحمةِ اللهِ الّتي وسِعَت كلَّ شيءٍ أشدُّ من ذنوبِنا، كما في قولِ زيدِ بنِ عليّ بنِ الحسينِ: "لقُنوطِكَ من رحمةِ اللهِ الّتي وسِعَتْ كلَّ شيءٍ أشدُّ عليكَ من ذَنْبِكَ".

ومَن يقتلُ الآمالَ في نفوسِ البشرِ، فهؤلاءِ أكبرُ القتلَةِ، كما عبّرَ عن ذلكَ راجي الرّاعي بقولِه: "أكبرُ القَتَلةِ قاتلُ الأملِ".

ولهَذا وجبَ عليْنا ألّا نيأسَ؛ لأنّ انقطاعَ الأملِ وعدمَ التَّمسُّكِ به هلاكٌ، كحالِ الإنسانِ يُلْقي بنفسِه في البحرِ قبلَ غرقِ السَّفينةِ، كما تقولُ الحكمةُ الصّينيَّةُ: "لماذا نُلْقي بأنفسِنا في الماءِ قبلَ أن تَغرقَ السّفينةُ؟". واليأسُ طريقٌ سهلُ المسالكِ، ولا يسلكُه إلّا العاجزونَ في رأيِ الكاتبِ والمفكّرِ أمينِ الرَّيحانيّ: "اليأسُ طريقٌ سهلٌ لا يسلُكُه إلّا العاجزُون". وهو لا يليقُ بالنُّفوسِ الكبيرةِ في قولِ الكاتبِ والمفكّرِ الكبيرِ أحمد أمين: "اليأسُ لا يليقُ بكبارِ النّفوسِ".

وأخيراً أختتمُ حديثي عنِ اليأسِ بحكمِ الحياةِ الّتي تعلِّمُنا بأنّ اليأسَ داءٌ وأنّ دواءَه الأملُ، وبأنْ لا حياةَ معَ اليأسِ، ولا يأسَ معَ الحياةِ، ولو انقطعَتِ الآمالُ من نفوسِنا، لما ظلَّ للحياةِ أيُّ معنىً ولما بقيَ لها أيُّ طعمٍ؛ لأنّ اليأسَ سيغمرُ حياتَنا بالبؤسِ والضّياعِ والهلاكِ!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى