صورة الذات في شعر الماغوط
يحق لقارئ شعر محمد الماغوط أن يتردد طويلا في الحكم له أو عليه، لا أعني بالطبع ما إذا كانت قصيدة النثر التي يعد أحد مؤسسيها شعرا أم لا، ولكن لكثرة ما يزخر به ديوانه من متناقضات ومفارقات عجيبة على مستويات عدة أسلوبية وموضوعاتية وتعبيرية، بل حتى مشاعرية. غير أن الذي لا يتغير فيه، ويكاد يسيطر على أغلب إنتاجه هو صورة الذات العربية والشرقية بنمطيتها وتفاصيل أجزائها، حتى لنكاد معها نجزم بأن الشاعر بلغ حدا من اليأس في التغيير يغرق صاحبه في السلبية والعزلة والاغتراب.
عايش الماغوط كغيره من أبناء جيله تطورات البلاد العربية مند النكسة عام 1948 مرورا بحرب 1967، و 1973، وأحداث لبنان عام 1982، ووصولا إلى ما شهده هذا العالم خلال السنين العشرة الخيرة من حياته، وكان خلالها الشاعر الذي نجح في تصوير جزء من معاناة الإنسان العربي النفسية والفكرية والمادية.
لقد كان لهذه الأحداث جميعها آثارها الواضحة على كتاباته، فجسدها في صور قاتمة اللون، متنوعة الأشكال هي مزيج من التهكم والسخرية، ومن الحزن والرثاء، ومن السخط والثورة، ومن النبش في التاريخ لرسم الصورة الأخرى لهذا الإنسان الذي آل غلى درك من الضعف والهوان، بعد أن كان سيدا للعالم؛ يهزه بصرخة تهديد، أو جرة قلم.
ورغم أن الماغوط لا يعتبر نفسه مثقفا، بل واقعيا يصور الواقع المعيش (1) إلا أن ذلك لا ينقص من وعيه وقدرته الكبيرة على التأثير في القارئ. فالصورة التي ارتكز عليها شعره لا تقل أهمية عن عناصر أخرى ميزت إبداع غيره، مثل اللغة الراقية، والرموز المبهمة وغيرها. فالصورة هي الأساس في التأطير الموضوعي للنص، ومن خلالها نستطيع قراءة الواقع السياسي والاجتماعي المحيط بالشاعر من جهة، وإدراك موقف الشاعر منه وتفاعله معه من جهة أخرى.
وإذا كانت صورة الواقع العربي مشتركة بين شعراء حقبة تمتد من نكبة فلسطين إلى أحداث لبنان واحدة في مجملها، فإنها مختلفة كل الاختلاف في دقائق تركيبها إبداعيا، وجزئيات تفاصيلها وظلالها على حياة الإنسان العربي، وطبيعة ما يضيفه الشاعر على ألوانها من أصباغ خاصة، هي نتاج تكوينه الشخصي ووعيه السياسي، وقدرته اللغوية التي تستطيع، بعيدا عن صرامة البلاغة وقوانين الجمال الكلاسيكية، أن تقتحم على القارئ صمته أو حياده أو لامبالاته، ولتدخله عالم التفاعل والتجانس مع الواقع بشكل أو بآخر.
يفتح الماغوط عينيه على واقع مر مأساوي، تغتلي فيه الأحداث، وتتعاظم فيه المؤامرات، وتتراكم فيه الإخفاقات على أصعدة جمة. الأمر الذي أشعره أنه في سجن اسمه الشرق الوسط.(2) سجن ذو بعدين: الأول، انعدام الحرية في التعبير عن الذات والواقع، والثاني المآل المحتوم لكل من يحاول كسر القاعدة، و المساهمة في تصحيح الأمور الآيلة إلى لمزيد من الكوارث. و(ليس هناك من مأزق وجودي يعدل في مأزميته من كون الإنسان في غير موضعه، أي يكون خارج المكانة والدور والمشاركة والإدارة والقرار، وبالتالي العطاء والنماء.. إنه الضياع الوجودي). (3) لهذا عندما سئل الماغوط عن نجم من نجوم السياسة في المنطقة يكون قد أعجب به يوما، يقول: لا أحب هذا السؤال وكأنه يقول في الحقيقة "لا أحد "وكيف يكون والإنسان العربي – في نظره – لم ير الحرية في حياته، فهناك دائما من يتكلم وعلى الآخر أن يسكت " (4)
هذه النظرة التي تبدو متطرفة لها ما يبررها، عند جيل عايش المآسي السياسية والاجتماعية والفردية، كما عاش التجربة الثقافية وآثارها. ذلك الجيل الذي لم يكن همه المأكل ووسائل العيش، بقدر ما كان يصبو إلى الحاجات الأخرى التي تحقق للإنسان كيانه ووجوده. وإذا احتكمنا إلى سلم ماسلو5 فإن أهم حاجتين يسعى المثقف إليهما هما حاجتا الدرجتين الرابعة و الخامسة، أي إلى احترام الذات، و تحقيقها. لهذا كله لا نملك إلا أن نقدر في هؤلاء نظرتهم القاتمة وتشاؤمهم الزائد ونقدهم الرثائي للواقع والتاريخ، حتى وإن لم يكونوا دائما على صواب.
والمتصفح لشعر الماغوط يلحظ هذا التنوع في صور الذات، وهي هنا الذات العربية بكل حمولاتها الدينية والتاريخية والقومية. تلك الذات التي يمكن أن ترى من زوايا مختلفة، وتحمل وجوها متغايرة ولكنها في النهاية ذات طابع واحد هو الهزيمة، أو هكذا ينظر الماغوط إليها من خلال قصائده، بل من خلال مجمل أعماله بما فيها المسرحية.
لكن، من الصعب الحديث عن كل الجوانب التي تعكس صورة الذات في دواوين الماعوظ المختلفة، فأنت أمام أخطبوط تتعدد أرجله، ويتعذر الإمساك بها بإحكام في آن. لهذا سنحاول في هذه المقاربة تسليط الضوء على ثلاثة من تلك المظاهر المشكلة لما يمكن وسمه باغتراب الذات، ويتعلق الأمر بالتسكع والخوف والتفاهة.
التسكع:
تمثل(رسالة إلى القرية)(5) واحدة من قصائد الماغوط المعبرة عن التسكع والضياع؛ فهي بوحدتها الموضوعية، وجزئياتها التعبيرية، ترسم صورة التائه المشرد الذي لا يعرف لوضعه حلا.. فمأساته الكبرى أنه يكتب في وسط لا يحب الكتابة !
يتقاسم النص ثلاثة مواقف:
في الأول، يطلب من أبيه أن يأتي لنجدته، مناشدا فيه عاطفته التي- مهما تكن الأسباب أو الحيثيات التي حالت دون قربهما- تفرض سلطانها، وتستجيب لنجدة الابن الضال، فتعيد لهذا الفلاح المتهالك على محراثه شيئا من دوره الوراثي في حماية دمه وكرامته.
أناشدك الله يا أبيدع جمع الحطب والمعلومات عنيوتعال لملم حطامي من الشوارعقبل أن تطمرني الريحأو يبعثرني الكناسون.
يستخدم الماغوط في هذا المقطع تكثيفا معنويا مقابل تقليل كلامي، صور من خلاله حال أبيه الواقع بين هم الحياة اليومية، والاهتمام بأمر ابنه، ثم ينقل حاله التي وصفها بالحطام فيعكس بها صورة الذات المتسكعة التائهة، من خلال عبارتين تحملان ثقل التعبير المأساوي. فالريح يمكن أن تطمره كأي قشة في الشارع، فإن لم تكن الريح، فالكناسون وهم بشرلا يجدون فرقا بينه وبين أي شيء تافه يميطونه عن الطريق. ومهما تكن رمزية الكناسين، فإن الصورة لا تتغير: ذات تافهة لا شيء فيها يلفت الانتباه، أو يدل على قيمة.
في الموقف الثاني ينقلنا الشاعر إلى علة ما آل إليه؛ إن الأمر لا يتعلق بمرض جسماني يذيب فيه اللحم و الشحم، ولا جوع يهزله فيجعل منه شبح إنسان، بل هو القلم وهو الكلمة.
في المساء يا أبيمساء دمشق الباردحيث هذا يبحث عن حالةوالآخر عن مأوىأبحث أنا عن كلمةعن حرف أضعه إزاء حرف.
إنه الزمن الذي تتحول فيه الكلمة إلى هاجس حقيقي ليس للإبداع فقط، بل للخوف أيضا. ذلك هو واقع المثقف المغترب روحيا ونفسيا عن وطنه أو مجتمعه. لقد كان من المفترض أن تكون الكلمة مبعث فخر وسعادة للشاعر والمجتمع على حد سواء، لكنها في حال شاعرنا مبعث خوف وقلق. وفي هذا السياق يأتي الاستفهام الساخر ليشوه الصورة الرائعة للإبداع الأدبي والفكري، لمجرد كون الإنسان مثقفا واعيا.
لكن
أوتظنني سعيدا يا أبي ؟
أبدا.. يجيب الشاعر ! كيف يسعد وفعل الكتابة جرم يقود صاحبه إلى المهالك، أو يقوده إلى التشرد والتسكع في أحسن الأحوال؟
إن هذا القلم سيوردني حتفيلم يدع سجنا إلا وقادني إليهولا رصيفا إلا مرغني عليه............................أنامولا شيء غير جلدي على الفراشجمجمتي في السجونقدماي في الأزقةيداي في الأعشاشكسمكة سنتياغو الضخمةلم يبق مني غير الأضلاع وتجاويف العيون.
في الموقف الثالث، يتراجع الشاعر عن طلب عون أبيه، كأنما وصل إلى قناعة يائسة بأن الوضع لن يتغير، بل كأنما ما دعاه أصلا في مطلع النص إلا ليخبره بما آل إليه.. ليتكلم حتى لا ينفجر بما في جوفه وقريحته، لعل الكلام أن يخفف شيئا من مأساته الثقيلة. لذلك يطلب منه هذه المرة أن يمحوه من ذاكرته، وأن يعود إلى محراثه وأغانيه الحزينة، لأن الذي آل إليه لا يمكن تصحيحه:
لقد تورطت يا أبيوغدا كل شيء مستحيلاكوقف النزيف بالأصابع.
وفيما عدا (رسالة إلى القري) فإن ملمح التسكع في لغة الماغوط طاغ طغيانا عارما؛ ففي قصيدته (في المبغى) (6) يقول:
من قديم الزمان..أنا من الشرقمن تلك السهول المغطاة بالشمس والمقابرأحب التسكع والثياب الجميلة.
وفي (جناح الكآبة) (7):مخذول أنالا أهل ولا حبيبةأتسكع كالضباب المتلاشيكمدينة تحترق في الليل.وفي (الرجل الميت)(8):... مستعدا لارتكاب جريمة قتلكي أرى أهلي جميعا وأتحسسهم بيديأن أتسكع ليله واحدةفي شوارع دمشق الحبيبة؟
فما الذي جعل الماغوط يحب التسكع، وهو مستعد أن يرتكب من أجله جريمة قتل؟ إنه ليس حبا في واقع الأمر، بل هو الشعور بالملازمة اللصيقة بينهما، إلى درجة أصبح معها التسكع متعة وطبعا؛ فهو الرفيق مهما يكن قبحه يظل المترجم لما يحيط بصاحبه من مظاهر الغبن و الغربة.
لكن لفظ التسكع وحده، و إن تكرر في قصائد الماغوط، لا يكفي لرسم اللوحة المأساوية بفنية. وهكذا، فإن الشوارع والأرصفة والأزقة ألفاظ دالة كلها على وضع واحد مشترك، ينقل صورة الذات المعذبة المحطمة في أمانة تعبيرية تامة. أما الذي ساهم في تشكيلها فهو في نظر الشاعر الغير الناقص، والغير المتعالي على الحقيقة، وعليه فنحن لسنا أمام ذات سلبية تجد ولا تأخذ، ويفسح أمامها المجال فلا تتفاعل، ويطلب منها الاجتهاد فتكسل، بل أمام ذات تبدو مقهورة، تفرض عليها السلبية ولا تجد منفذا لصرفها.
الخوف:
لا يختلف اثنان في أن الخوف أعدى عدو للإنسان، وضد الأمن الذي يعد من النعم التي تفتح الباب أمام سعادة الفرد. لهذا نجد القرآن الكريم ينكر على قريش شركها وكفرها بالنعم الكثيرة التي من أهمها القوت والأمن فقال تعالى: فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. (قريش3-5)
هذا الخوف الذي يمكن استثماره فنيا، لأنه حقيقي لا مفتعل.. الخوف من السجن، الخوف من التعذيب. يقول الماغوط في مقابلة مع الجزيرة:(إذا دق بابي ليلا لا أفتحه، أقول في نفسي إنهم قادمون لأخذي رغم كوني محميا من الدولة.) ويقول في موضع آخر(لخوف حفر في مثل الجرافة داخل أعماقي، بقلبي بروحي بعيني بأذني، فلا أرجف من البرد ولا من الجوع بل أرجف من الخوف.)(9)
ربما تكون قصيدة (الوشم)(10) واحدة من أكثر القصائد تعبيرا عن ظاهرة الخوف عند الماغوط، وهي تتوزع على أربعة مقاطع تتحد في رسم الصورة الثانية في الثالوث العجيب.
في المقطع الأول صرخة تحاول تغيير الواقع، أو انتفاضة في وجه مخترعي الخوف، تشبه إلى حد كبير محاولة اليائس الذي يعرف مسبقا عدم جدوى ما يريد:
الآنفي الساعة الثالثة من القرن العشرينحيث لا شيء يفصل جثث الموتىعن أحدية المارةسوى الإسفلتسأتكئ في عرض الشارع كشيوخ البدوولن أنهضحتى تجمع كل قضبان السجون وإضبارات المشبوهينفي العالموتوضع أماميلألوكها كالجمل على قارعة الطريقحتى تفر كل هراوات الشرطة والمتظاهرينمن قبضاتها أصحابهاوتعود أغصانا مزهرة مرة أخرىفي غاباتها
إنها صرخة رومنسية حالمة، لكنها واعية، تلك التي تستهجن تحويل الأشياء عن طبيعتها الابتدائية البريئة. فليست القضبان للسجون ولا الإضبارات للمشبوهين ولا الأغصان للهراوات أصلا، بل جعلت هذه لتلك لانحراف الإنسان عن كينونته وغايته، ولتشوه العلاقات الإنسانية نتيجة لتضارب الاتجاهات والرغبات والأفكار؛ فينتج عن ذلك جميعا حب الظلام والاستتار لدى الظالم والمظلوم، إذ يختفي كل منهما لغايته، الظالم ليتربص بضحيته، والمظلوم هروبا من جلاده:
أضحك في الظلامأبكي في الظلامأكتب في الظلامحتى لم أعد أميز فلمي من أصابعيكلما فرع باب أو تحركت ستارةسترت أوراقي بيديكبغي ساعة المداهمة.
ولئن كان الظلام ملاذا للشاعر، فإنه لا يعني الاطمئنان، فالمداهمة يمكن أن تحدث بين اللحظة والأخرى، لأن الآخر المتربص يمارس ظلامه هو الآخر. فالظلام الثنائي الوجه حلبة لصراع مرير بين عالمين: عالم الحق والحرية، وعالم الظلم والتجبر.
ويأتي المقطع الثالث بسؤال كبير:
من أورثني هذا الهلع
هذا الدم المذعور كالفهد الجبلي؟
إن تضمن السؤال كلمة(أورثني) يتجه بالخوف هنا إلى عوامل أبعد من أن تكون وليدة الأحداث السياسية أو الاجتماعية المستجدة. والماغوط لا ينفك يتحدث عن طبيعة الإنسان العربي الضاربة بجذورها في عمق التاريخ. ويسلط الضوء على كثير من الخلفيات الذهنية المتحكمة فيه، غير أنه لا يذهب في ذلك مذهبا عنصريا تعميميا، بل يحاول بوصفه عربيا أن ينقد الماضي ويستنطق أحداثه إيجابية كانت أو سلبية.
فهل يريد الماغوط تبرير حالة الهلع بإرجاعه إلى العامل الوراثي الذي يعلم الجميع أن ليس للإنسان دخل مباشر فيه، أم إن الشاعر يسعى بتأصيل الخوف إلى الانتقام –بصورة أو بأخرى – من المجتمع الذي يقض مضجعه؟
ويصل الخوف بالذات المعذبة إلى حده، حين يصبح طيفه كمثوله:
ما أن أرى ورقة رسمية على عتبةأو قبعة من فرجة بابحتى تصطك عظامي ودموعي ببعضهاويفر دمي مذعورا في كل اتجاهكأن مفرزة أبدية من شرطة السلالاتتطارده من شريان إلى شريان.
إن لفظتي(دمي) و(سلالات) الدالتين على العامل الوراثي تكشفان بوضوح عن حجم المأساة في عمق الشاعر، إذ عليه أن يكون دائما في تأهب أقصى وبالتالي في قلق دائم، في انتظار المفاجآت.
ويشكل المقطع الأخير حالة الجزم بالواقع المرير، والاستسلام للأمرالواقع:
عبثا أسترد شجاعتي وبأسيالمأساة ليست هنافي السوط أو المكتب أو صفارات الإنذارإنها هناكفي المهد... في الرحمفأنا قطعاما كنت مربوطا إلى رحمي بحبل سره
بل بحبل مشنقه.
فالحالة إذن ميئوس منها، ونبرة الشاعر الحزينة تغرقه في التشاؤم والغربة النفسية والاجتماعية. ومثل هذا الشعور يعكس في واقع الأمر الشعور بالسلبية، أو بالتهميش. ويدخل الشاعر والمجتمع في سجال حول تحديد المسؤولية عن هذا الوضع، ومهما تكن نتائجه فإن خللا واضحا يعتري الواقع، ولا بد من تصحيحه.
التفاهة أو احتقار الذات:
من الطبيعي أن يكون التشرد و الخوف عاملين مهمين في الوصول إلى أهم ملمح في صورة الذات الماغوطية وهو التفاهة، وبهذا تكتمل أضلاع المثلث المأساوي، بحيث يؤدي كل منها إلى الآخر. فالتفاهة تؤدي إلى الخوف، و الخوف إلى التشرد، و التشرد إلى التفاهة، و هكذا دواليك.
وإذا كان من عادة الإنسان أن يسعى جاهدا لتغطية عيوبه، ورفض أي شكل من أشكال الاحتقار التي قد يتعرض لها، فإن ما نجده في دواوين الماغوط الثلاثة (11) من قصائد تعبر عن تفاهة الإنسان في المجتمع لا يكاد يحصى. لهذا آثرت في هذا الجزء من البحث أن أقتطف بعض فقرات تجسد هذا الملمح بشكل واضح سافر، بدل عرض قصيدة بعينها.
ففي قصيدته(النخاس)(12) يلعب الشاعر دور بائع متجول بضاعته أشياء لا يمكن لأحد شراءها،إما لأنه لا يملكها أصلا مثل السماء الزرقاء والعواصف الثلجية، و إما لأنها مما ينفر منه الإنسان، و يسعى للتخلص منه مثل الرمد للأطفال أو التذمر للآباء !
ويمضي الشاعر في عرض البضاعة بنفس لا يتعب جامعا بين المادي والمعنوي، والمعقول واللامعقول، لنعرف في النهاية أنه في عجلة من أمره، وأنه يريد إنهاء صفقته لا ليسعد بربح أو يهنأ ببيع بل ليغرس في صدره شيئا ويموت.
هذه العبثية الصارخة ما هي إلا شكل من أشكال التعبير عن التفاهة، عن التيه والضياع وانحطاط القيمة، إذ يبدأ الماغوط نصه بقوله:
الاسم: حشرةاللون: أصفر من الرعبالجبين: في الوحلمكان الإقامة: المقبرة أو سجلات الإحصاءالمهنة: نخاس
هذه البطاقة التعريفية واضحة الدلالة، صريحة اللفظ، فهو لا يعدو كونه شيئا خارج المجتمع، وخارج الحياة. وهي صورة تجمع التفاهة إلى الخوف من خلال صفرة الوجه والتشرد من خلال مكان الإقامة وهو المقبرة، وهكذا تبدو هذه الثلاثة المكونات الرئيسية في صورة الذات.
غير أن الملفت في شعر الماغوط أن التفاهة الشخصية التي يعبر عنها تجر معها أحيانا تفاهة لما يرتبط بها في ملمح انتقامي – على ما يبدو-. ففي معرض بيعه تمتد سلع البيع إلى أعزما يزين تاريخنا:
كل الفتوحات العربيةمقابل سريركل نجوم الشرقمقابل عود ثقاب.
إن تفاهة الذات أدت إلى تفاهة الآخر، فردا كان أو جماعة؛ فكأن الشاعر يسقط حاله على محيطه، باعتبار أن هذا المحيط هو السبب في ما آل إليه. وهذه (حال متطورة لعدم التوافق وعدم السواء لانفصال الذات عن الفرد والمجتمع.) (13)
غير أن سخط المثقف على المجتمع الصغير أو الكبير يأخذ –عند شعراء كالماغوط- منحى بعيدا، فهو يتوغل في الإرث الحضاري وفي التاريخ، ولا يتوقف عند مجرد المكونات المادية، أو ما له علاقة بحياة الإنسان الضيقة. وعندما يركز الشاعر على الفتوحات العربية إنما يريد أن يعبر عما آل إليه المجتمع الكبير من صغار وضعة، يستشعرها الفرد من خلال ذاته أولا، ومن خلال علاقاته بالمحيط، ومقارنة هذا المحيط بغيره من المحيطات التي تبدو أكثر منه انسجاما وتحقيقا لأحلام الأفراد.
إن الإحباط الذي بدا من خلال المقطعين ليدعونا إلى التساؤل عما إذا كان الولاء للمجتمع ما يزال قائما عند الشاعر. لكن لا مفر لنا من ملاحظة، وهي أن سخط المثقف- كما هو عند الماغوط- سخط واع لا يهدف إلى الهدم إطلاقا. إنه ضرب من النقد العنيف الذي يحاول فضح الظواهر السلبية لإعادة النظر فيها وتصحيحها. ويذكرنا هذا الجزء من النص بـ(المهرج)، المسرحية التي استعاد فيها الماغوط شخصية صقر قريش، وبعثه إلى الحياة ليكتشف التحول العظيم للإنسان العربي، لكنه ينتهي به المطاف إلى أن يباع مثل أي تحفة أثرية إلى أعدائه الأسبان و بأبخس الأثمان. أما بائعه فهو ابن جلدته، والمنتظر منه الاحتفاء به وتمجيد بطولاته.
ويمضي الماغوط في التعبير عن التفاهة واحتقار الذات في قصائد أخرى كثيرة ؟ ففي(أغنية لباب توما)(15) يقول:
ليتني وردة جورية في حديقة مايقطفني شاعر كئيب في أواخر النهارأو حانة من الخشب الأحمريرتادها المطر والغرباء............................أشتهي أن أكون صفصافة خضراءقرب كنيسةأو صليبا من الذهب على صدر عذراء
إن تركيز الشاعر هنا على الموجودات الجامدة، ورغبته أن يكون واحدا منها، لمظهر آخر من مظاهر التفاهة، حتى وإن كانت الأشياء هذه ثمينة ماديا أو معنويا. فمهما تكن قيمة هذه الموجودات، فإن حياة الإنسان هي الأهم. وعندما يفقد الإحساس بذلك لسبب أو لآخر تتجسد المأساة في أجلى صورها.
والنبرة نفسها نراها في(خطوات ذهبية)16 فالشاعر ما زال يرغب في أن يكون غير ما هو عليه.. كأنما يريد أن يفر من ذاته، حتى وإن كان ما يؤول إليه عبودية:
آه كم أود أن أكون عبدا حقيقيابلا حب ولا وطنلي ضفيرة في مؤخرة الرأسوأقراط لامعة في أذني.
يبدو إذن أن الماغوط يتموضع في مثلث السلبية الذي أضلاعه متساوية، وزواياه متقابلة، ومتحدة ضده في آن. أينما اتجه في حلبته البائسة لا يجد غير الشكوى والأنين، والأوجاع والأمراض. إنه المحاصر بأحلامه وكوابيسه.. بتاريخه وحاضره، يحاول أن يتمرد على نفسه ومحيطه ويفشل، وكأنما كتب عليه أن يعيش كئيبا مهزوما، والدنيا من حوله لا تأبه إلا بعيشها وقوت يومها.
و ما أبعد الماغوط عن شعراء العنتريات و الفخر، أين هو من عنترة والمتنبي والحمداني، وأين هو من القباني ومفدي زكريا وكثيرين غيرهم،عرفناهم بفخرهم رغم ما طالهم من الغربة وضيق العيش، وكأنهم كانوا يكابرون ليقولوا إنهم أقوياء. أما الماغوط، فيبدو أنه لا يعرف في حياته إلا الضعف والاستكانة رغم جرأته وصراحته. كيف لا وهو المرعوب بالولادة، الخائف من كل شيء، حتى من آذان الحيطان.
ولئن كان هذا حاله، فالحق أنه خلف لنا شعرا معبرا أفضل تعبير عن واقع الحال في المجتمعات العربية والشرقية. ويكفي هذا رسالة من شاعر قتلته البساطة حتى أضحى شهيدها.
[1]
