الجمعة ١ آب (أغسطس) ٢٠٠٣
رواية من أدب السجون

عاشق من جنين ـ الحلقة الثالثة

رأفت خليل حمدونة ـ سجن نفحة الصحراوي

أما خليل فأُعجبَ بتراث الحركة الوطنية الأسيرة في السجون ، والتي تعبر عن مجتمع واعٍ وديمقراطي مسئول ، فكانت وحدة من خلال التعدد عبر انتخابات نزيهة في إفراز قيادة لكل تنظيم ثم انتقاء مناضل ذي خبرة اعتقالية وقدرة قيادية ليمثل فصيله في اللجنة الوطنية العامة التي تعمل علي بناء الأسير وتحافظ عليه وعلي كرامته وتكسبه الثقافة والتجربة وتضع القوانين الاعتقالية واللوائح الداخلية .

كانت لحظات انتصار جميلة حين اطمأنت أم خليل علي ابنها الوحيد عند أول زيارة له ، بعد انتهاء الإضراب عن الطعام ، وانتصار السجناء علي إدارة السجن ، بعدما دفعوا مقابل تحقيق مطالبهم أرطالاً من اللحم وكثيراً من الهم والتعب وعدداً من الشهداء الذين ساندوا قضيتهم في انتفاضة الأسري والتي تصدرها أهالي المعتقلين والمؤسسات المعنية والمخلصون من أبناء الشعب المقاوم والمكافح والعنيد .

وجد خليل في السجن مدارس وجامعات ، فالأمي سرعان ما يتعلم القراءة والكتابة ويتحول إلي مثقف يحب المطالعة والمتعلم يتوسع في دراسته ، فيدرس اللغات ويحفظ القرآن ويطالع في شتى العلوم والأبحاث ، ويتخصص في مجالات يميل إليها .

فوجد الجلسات التنظيمية والحركية والفكرية والتاريخية والاهتمامات الأدبية والثقافية داخل الغرف وساحة السجن ، وشهد الكثير من الحوارات والنقاشات والتحاليل السياسية والاهتمام بالقضية الفلسطينية والهموم العربية والإسلامية والتطورات الدولية .

تشرَّف خليل بالانتساب لهذه الشريحة المخلصة والشريفة من أبناء شعبه .

هؤلاء الرجال الذين ضحوا بأعمارهم وزهرات شبابهم لنصرة دينهم وشعبهم وقضيتهم وتحقيق الكرامة والاستقلال ، فيتحملون الألم ويتطلعون بالأمل للمستقبل ، يفخرون بتضحياتهم ويتطلعون بثقة لتحقيق أهدافهم ، اجتمعوا علي محبة الله والوطن واستعلوا علي الصغائر والماديات والمصالح التي أشغلت الكثيرين وتواصلوا بكلمة الحق ، وتعاهدوا علي مسيرة النضال والمقاومة .

كلٌ له همه وبحجم الجبال ، ومع هذا يستعلون عن الشكوى ، ويتحملون ما لا يتحمله الآخرون ، الكثيرون فهم من حكمت عليه المحكمة العسكرية الظالمة مدي الحياة وله في الاعتقال ما يزيد عن عشر سنوات والعشرين السنة ، فشعروا بالإحباط وخيبة الأمل من القوي الوطنية العاملة ، والتي تجاهلت واجبها الأخلاقي والإنساني اتجاههم في التحرير والإفراج واللقاء بأحبائهم وتعويضهم عن سنين اعتقالهم ، فتعاملت معهم كقطعة أثرية تاريخية نادرة وجميلة وغالية الثمن في متحفٍ يؤمه الزائرون ، وجعلت منهم رصيداٌ للتباهي والتفاخر ، فالكثيرون من مرت عليه أكثر من عملية لتبادل الأسري ، وافراجات عملية السلام والتي تجاهلتهم لقضاياهم وأحكامهم العالية أو لأسباب انتمائهم .

فمنهم من أصبح جداً ، وكثيرون من فقدوا أمهاتهم وآباءهم أو أبناءهم العزيزين علي قلوبهم ، وكنتيجة للاعتقال هدمت بيوتهم أو أغلقت .

أشد ما كان يقلق خليل في سجنه هو مصيره مع ليلي كان يتذكر لحظة عقد قرانه وكلمات القاضي التي رددها ويوم أن وضع الجد أبو حسن مهرها في يد والدها ويتذكر الشبكة التي انتقتها بنفسها والصور التي التقطاها واحتفظا بها ، ويتساءل ما هي واجباتي المادية والمعنوية اتجاها ؟؟ هل تستطيع زيارتي قبل اعتمادها زوجتي في البطاقة الشخصية ؟؟ هل يحق لي تعليقها دون أن تختار هذا الطريق الذي اخترته بنفسي ؟؟ قطع خليل علي نفسه كل هذا القلق وسار خطوته الأولي ، فكتب رسالة لأهله يوصيهم بليلي وبكامل احتياجاتها ، وضع مخصصاً شهرياً لها وطلب منهم أن يصحبوها معهم في الزيارة المقبلة وأوصى على مجموعة من صور الخطبة, وكتب رسالة أخري لليلى وشرح فيها إخلاصه وحبه ومودته لها وطلب منها التفكير في مصيرها معه وخيرها بين التواصل أو الانفصال, وطلب منها الحضور لزيارته .

وأكد لها أن التخيير من حقها , وأنه لن يتحامل على أي رغبة اقتنعت بها .

استقبلت ليلى رسالة خليل وتوقعت منه مضمونها وتوصية أهله عليها لأنها كانت على ثقة بقدراته ورجاحة عقله ومستوي إيمانه ، وإخلاصه وصدق كلماته وتوجهه .

رفض الصليب الأحمر تسجيل اسمها لزيارته قبل إثبات خطوبتها عليه في بطاقتها الشخصية ومع هذا سافرت للزيارة على بطاقة أخته .
وقبل يوم من الزيارة أهتم خليل بنفسه وقص لحيته وكوي ملابسه وأشترى الحلويات المعتاد إهداؤها للأهل عند كل زيارة ، وفى صباح يوم الزيارة نهض من النوم مبكراً وأخذ حماماً دافئاً وتناول فطوره وانتظر قدوم الأهالي .

ازداد قلقه حينما تأخر اسمه ، ولم يتبق إلا فوجاً واحداً من الزيارات ، فيئس من الزيارة وفقد الأمل وما هي إلا لحظات حتى حضرت ورقة الفوج الأخير التي تضمنت اسمه أول الأسماء ، اختلط حينها الفرح بالقلق خوفا من عدم حضور ليلي .

جلس خليل علي مقعده في غرفة الزيارة يمعن النظر بالمزيد من الترقب ودقات القلب علي الأهالي الذين لوحوا بأيديهم وتشابكت أصابعهم بأحبابهم من بين قضبان الحديد دخلت ليلي وأم خليل التي سلمت عليه وتركته إدراكاً منها بخصوصية الزيارة ، وذهبت لتصافح المناضلين الآخرين .

تشابكت أصابع الحبيبين وذرفا الدموع ، وتبادلا حرارة اللقاء والشوق وكلمات السلوى والمواساة .

عاتبت ليلي خليل علي رسالته وعاهدته علي الانتظار والتواصل وتواعدا علي دوام المراسلة ودوام الزيارة .

انتهت الزيارة بلمح البصر ، واختطف السجان الأسري من أحبابهم اختطافاً ، بقي الحبيبان يلوحان بأيديهم حتى اختفي كل منهم عن الآخر .

عاد خليل لغرفته وهو يحمل في قلبه أولاً وفي يديه مجموعة من صوره مع ليلي ، ومنذ ذلك لم تمر ليلة دون التكحل بصورتها وبقي علي المراسلة بها بكل معاني الحب والوفاء .

شعر خليل بالقلق لامتناع ليلي عن الزيارة متعذرة بالخطر الأمني الذي يلحق بها جراء المجازفة علي بطاقة ليست لها ، وزاد قلقه حينما مرت أشهر طويلة وهو علي هذا الحال من عدم الزيارة وانقطاع المراسلة .

دخل الشك في قلب خليل الذي أحس بأن ليلي لا تبادله نفس الحب ، أو أن لديها حسابات جديدة ، وكان يرجو الحقيقة أياً كانت ليرتاح .

سأل خليل والدته عن ليلي فقالت له :

خطيبتك تغيرت يا بني ، فهي الآن تعمل في إحدى المؤسسات وخلعت المحبس وغير قلقة عليك أو مهتمة بك.

لم يصدق خليل هذه الأخبار .

وسألها : وماذا تعمل في هذه المؤسسة ؟

قالت أمه : في البداية كانت موظفة عادية ، ومن ثم أصبحت سكرتيرة للمدير .

استبعد خليل هذه الأخبار رغم ثقته الكبيرة بأمه ، وأصر أن يري ليلى في الزيارة المقبلة وبأي طريقة .

مر الأسبوعان علي خليل وكأنهما سنتان ، وكان يرجو الله ويتأمل أن تكون الأخبار التي وصلته غير صحيحة .
دخلت ليلي علي الزيارة بملابس لم يعتدها علي خطيبته التي تمسكت سابقاً باللباس الشرعي .
فتعرض خليل للإحراج وخيبة الأمل ، فتجاهل الأمر ، لم تكن الزيارة بحرارة اللقاء بعد فراق طويل دام أشهر طويلة ثم سألها عن حالها فقالت : أنني تعبانة يا خليل وبت أكره نفسي والحياة ، وليس عندي ما أبرره لك عن تقصيري بحقك ، وليس عندي ما أقوله لك سوي الأمل في أن يفرج الله كربك .

عاد خليل لغرفته مليئاً بالكآبة والحزن ، ومع هذا وضع لها الأعذار ، واعتبرها في حالة ألم وحزن كأي فتاة لم تفرح في حياتها ، وتحقق أمانيها وأحلامها .

لم ييئس من الأمل في دوام العلاقة مع خطيبته وبقي علي مراسلتها ، وطلب لاحقاً من أهله مواصلة زيارتها له .

أصيب خليل بخيبة الأمل من الحال الذي وصل إليه ومن نهاية الطريق المجهولة مع ليلي ، وقبل موعد إفراجه بأيام ، كان يتساءل هل بقيت ليلي علي حالها وإحباطها ؟؟ لماذا قطعت الزيارة لأكثر من سنة ؟

ألم أخيرها من البداية فرفضت الانفصال ؟

هل بقيت علي حبها لي ، أم أن قلبها تعلق بآخر فتجاهلتني ؟
بقي خليل مخلصاً لحبيبته ويجد لها الأعذار ، كان يشعر بالواجب تجاه هذه الفتاة ، التي رفضت الانفصال عنه ، وانتظرته لسبع سنين .

في ليلة الإفراج ، لم يكن في تفكيره إلا تعويض ليلي عن الأيام الصعبة التي قضتها ، ولم يفكر إلا في الزواج ، وبناء حياة جديدة ، وفي الأبناء والتغلب علي آلام السجن.

كان خليل يتخيل لحظة دخوله للمخيم بعد غربة دامت سبع سنين ، يتصور أول لقاء له مع ليلي ، كان يراها وهي مقبلة نحوه بابتسامة عريضة وسعادة غير محدودة وفرح ليس له مثيل ، يراها وهي متجهة صوبه مسرعة يدفعها الشوق والحنين .

ودع خليل ومحمود رفاق السجن الذين شاركوهما الألم والأمل ، وكل اللحظات السعيدة والصعبة ، وقاسموهما لقمة العيش .

شعر الصديقان بميلادها الجديد ، وهما يريان نفسيهما خارج جدران السجن ، كانا لا يشعران أنهما يلامسان الأرض ففرحة الحرية تضاهي أفراح الحياة مجتمعة ، عانق الصديقان والديهما والجد أبا حسن ، الذين حضروا لاستقبالهما عند الحاجز العسكري .

وصل خليل للبيت وقدمت بوصوله جموع المهنئين ، أقام الحاج أبو حسن غداءً كبيراً احتفالاً بسلامة حفيده الأقرب علي قلبه ، ودعا إليه كل الأقارب والأحباب والأصحاب.

أتت ليلي وأهلها لتهنئة خطيبها بإفراجه ، فأقبل خليل عليها إقبال المحبين ، وقد تلاشت من ذاكرة خليل برويتها تعب وآلام السنين ، لمست ليلى يده وكأنها تعرفه لأول مرة ، فلم يجد فيها تلك الصورة التي رسمها لنفسه في بهجة هذا اللقاء ، كان سلاماً بارداً وأقل من حرارة لقاء المهنئين ، وصُدم أكثر حينما لم يجد محبس الخطوبة في أصبعها ، حينها قرأ كل شيء ، وشعر بالمسافة التي أحدثتها السنين .

انتظر خليل انتهاء حضور المهنئين ، وذهب لبيت ليلى لعله يجد ما يبرر له صنيعها .

ابتسم خليل في وجه ليلي وأخفى في نفسه ودفن في قلبه آلام المفاجأة وقال : انتهت الأيام المؤلمة يا ليلى فمنذ اللحظة سنكون أسعد وأقرب حبيبين ، إني أعدك بتعويض السنين التي مرت ، والحرمان الذي عانينا منه .

لم يكن لكلام خليل وقع في قلب حبيبته ، التي تجاهلت حضوره ومشاعره .

ذهب خليل لبيت جده أبي حسن وصارحه بما جري قال الجد : الزواج قسمة ونصيب يا جدي ، ولكن الأهم تحديد هذه العلاقة ، وبأي شكل .
ذهب خليل لخطيبته في اليوم الذي تلاه ، وطلب منها تحديد موعد للزواج ، تبعثرت الكلمات من فم ليلى وبدأت تستحضر الأعذار الواهية .

أنا لا أريد ارتداء اللباس الشرعي يا خليل .

قال لها : الأمر يرجع إليك ولقناعتك .

تفاجأت ليلي من جوابه لأنها كانت علي إدراك بحساسية الأمر بالنسبة له ، كانت تعرف أنه يكره العمل لزوجته في مكان اختلاط ، ومع هذا قالت : العمل جزء من حياتي ولن أتخلي عنه .
أجاب خليل وبهدوء : كما تريدين ، أن ما يهمني هو أنت وليس أي شيء أخر .

أغلق خليل عليها كل الأبواب ، وطلب منها المصارحة هل أنت مقتنعة بهذه الأعذار ؟ وهل أنت تريدينني ومقتنعة بي ومحتاجة لي ، وعلي استعداد للزواج مني ، وتحبينني ، وتبادلينني نفس المشاعر ، أم أن في نفسك شيئاً آخر ؟

أدركت ليلي بأنه يبحث عن إجابة واضحة ، فترددت ثم قالت : أنا يا خليل أحترمك ، وأقدر فيك رجولتك وكرمك علي طوال فترة اعتقالك ، ولكنني لا أستحقك فأنت أفضل مني بكثير ، وصادق في حبك واخلاصك ومشاعرك ، فعندما كنت ترسل إلي الرسائل ، كنت أسرح وأبكي بكاءً شديداً ، لان رسائلك كانت تُحدث في نفسي صراعاً كبيراً ، أنت تستحق من هي أخلص وأوفى وأصدق منى فزواجي منك لن يسعدك لأنني فتاة محطمة ويائسة ، وأنا أجد فيك الأخ وليس الزوج ، وأتمني منك أن تتكرم علي بالطلاق وفسخ الخطبة .

تمزق قلب خليل الذي تمني حينها لو بقي في السجن علي ألا يسمع هذه الكلمات ، أو أن يقف في ذلك الموقف ، فتحامل علي نفسه وجراحاته ، وتذكر كلام جده وقال : أوافق بشرطين أن يعلم الناس أنكِ أنتِ التي طلبت الطلاق لألا أكون صغيراَ في عيونهم ، فيقولوا : ترك خطيبته التي انتظرته سبع سنين ، وأن تعيدي إلي رسائلي والصور لأنها تحمل في طياتها كل مشاعري وعواطفي .

وافقت ليلي علي الشرط الأول ، وحرق قلب خليل حينما أخبرته بحرق الرسائل الذي كتبها بدموعه وكل مشاعره .

عاد خليل لجده مكسور القلب والخاطر وذرف من عينيه الدموع ، فهم الحاج أبو حسن كل شيء ، فبكي قلبه علي حفيده الذي خسر محبوبته ومدخراته وسبع سنين من زهرة شبابه .

وضع يده علي رأسه ثم ضمه إلي صدره وقبلّه وقال له : لم تكن ليلى قدرك ونصيبك يا جدي ، ولكني علي يقين بأن الله سيعوضك بمن تستحقك ، هذا قدر الله فَارضَ به .

علمت أم خليل وأخواته بما دار بين خليل وخطيبته فلم يكترثوا بآلامه وجراحاته ، وقالوا له : سنزوجك بأفضل منها والكثيرات من البنات يتمنين مثلك ، ولأنها التي طلبت الطلاق فعليها أن تعيد لك المهر والشبكة والأموال التي أنفقتها عليها طوال سبع سنين من سجنك .

لم يكترث خليل بكل ما يسمع ، وحدث نفسه ، ما قيمة هذه الأمور أمام خسارتي الكبيرة ، لن أنظر لهذه التفاهات ، فيكفيها الانتظار وضياع سبع سنين من عمرها ، كان يقول لأهله إن هم أعادوا لي حقوقي فسآخذها ، وإن لم يعيدوها فلن أطلبها . فواجه أهله ومحبيه وأقاربه الذين رفضوا موقفه ، ونظروا إليه بعجب وإزدراء .
طلب خليل منهم عدم التدخل بخصوصياته ، ورأي في نفسه الكفاءة لحل مشاكله والخروج من أزمته ، كان يشعر أن موقف ليلى شفقة عليه ورحمة به ، فما قيمة أن تكون في بيته وقلبها وعقلها خارجه ، تذكر وسط هذه العاصفة كلام الله عز وجل " فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف " فحرص علي أن تنتهي هذه العلاقة بذكرى طيبة ومعاملة جميلة .

لم يملك خليل بعد الإفراج عنه من السجن أي شئ من المال ، في ظروف يحتاج فيها منه إلي كل شيء ومع هذا سامح ليلى في مهرها وشبكتها وكل النفقات وكان علي يقين بأن الله أكرم وأرأف وأحن ولن ينساه وسيعوضه .

وفي اليوم التالي ذهب بمفرده للمحكمة الشرعية التي كانت تنتظره فيها ليلى وأهلها ، وجلسا أمام القاضي الذي نصحهما بعدم الطلاق .

لم تترك كلمات القاضي أثرها في نفس ليلي ، فلم يكن في وسع القاضي إلا أن أتم ورقة الطلاق التي بموجبها تنازل الطرفان عن الحقوق .

أعطي خليل ليلي ورقة الطلاق ، وقبل أن تفارقه قال لها : أتمني لك حياة هادئة ومستقبلاً كله سعادة وأوصيك بنفسك ، وأنصحك بالا تنخدعي بأي شاب وأنا علي استعداد لأية خدمة تحتاجينها فأنا في مقام أخيك كما ذكرك .

افترق الطرفان وسار لوحده هائماً علي وجهه حزيناً ، نظر نظرةً إلي السماء ، وأخرج الورقة من جيبه وتساءل : كل رأس مالك يا خليل هو ورقة طلاق ؟

غريبة هذه الدنيا ، فهل كُتب علي بعد سبع سنين الحرمان أن أضحي بكل شيء ، وألا يبقي لي أي شيء ؟

لم يترك الحاج أبو حسن حفيده وحيداً في هذه الظروف ، ولم يثقل عليه كالآخرين في العتاب في مسامحة ليلى .

كان يؤكد له أن الله سيعوضه خيراً ، ويقول يا بني حسبك الله ونعم الوكيل .
وضع الحاج في جيب حفيده مبلغاً جيداً من المال ، لأنه كان يدرك الحساسية التي نشأت بين خليل ووالده في موضوع المال بعد رفضه لمقترحهم في تحصيل الحقوق .

رفض خليل المبلغ ، فقال الحاج : هذا دين عليك يا جدي حتى تتيسر معك الظروف .

عانق خليل جده الذي سانده في محنته ، وتفهم خطواته ، ولم يثقل عليه أو يعاتبه .

واستأنف دراسته التي تركها بسبب الاعتقال ومساءً داوم في عمله في جمعية لدعم الأسرى الذي رأى من واجبه مساندتهم وعدم التخلي عنهم .
لم يمر سوي خمسة وسبعين يوماً حتى تم اعتقال خليل مرةً ثانية علي حاجز عسكري حوكم إداريا لمدة أربعة أشهر ، كان يري في هذا الاعتقال قدر الله الجميل الذي لايدركه ، فجدد الحياة مع أهله الذين لم يتخلوا عنه في محنته ، وكان بحاجة لترك المكان الذي يُذكره بالآلام والأحزان ، كلما مر بابنة جيرانهم ليلى .
كان محمود صديقاً مخلصاً ووفياً لخليل ، فواصل المراسلة معه طوال فترة اعتقاله، وأرسل له الملابس وكل الاحتياجات التي يعرفها لكل أسير ، فيحقق كل مطالبه دون أن يحرجه ، وفي يوم الإفراج عنه كان أول المستقبلين ، وأعز المهنئين علي قلبه .

كانت أم خليل تحلم بزواج ابنها والاطمئنان عليه ، وتتمنى رؤية أبنائه .

وقف أبو خليل مع ابنه الوحيد ، وطلب من زوجته أن تبحث لابنها عن زوجة .
ذهبت أم خليل لأهل الفتاة الأولى ، فأبدوا مدحهم للعائلة وشرف النسب بها ، وأثنوا علي ابنهم وأخلاقه ، ولكنهم اعتذروا بتعليم ابنتهم .

رأفت خليل حمدونة ـ سجن نفحة الصحراوي

مشاركة منتدى

  • انا من اشد المعجبات في مثل هزا الفارس الفلسطيني وغيره الكثيرون واتمنا ان يمن الله عليه بالحياة السعيدة ويعوضه الخير الكثير واطلب منه عدم النصياع للاحزان بل مواصلة كل ما هو جميل ومن شانه سعادة الاخرين ومواصلة الكتابة مهما حدث فهي عزائنا الوحيد بعد ان اصبح البشر همهم الوحيد المادة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى