عبد الباسط أبو بكر محمد يصدر (أوقات خارج الوقت)
عبد الباسط أبو بكر محمد شاعر ليبي معاصر، يخطو،بثباتٍ، نحو فرْض ذاته وإثبات وجوده في الساحة الشعرية الوطنية والعربية كذلك، عشِق الشعر منذ حداثة سنه، واحتكّ بجميل نصوصه، وقرأ لـعديد من شعراء العرب وغير العرب مِمّن تركوا آثاراً في عالم القصيدة المعاصرة بعــامةٍ، وجرَّب نظـْم الشعر منذ سنوات بعيدة ونشْره في جملة من الصحف الورقية (مثل: "شعريات" – "الحركة الشعرية"؛ وهي صحيفة ورقية تصدر في المكسيك،بانتظام، منذ 1992، وتُعْنى أساساً بالشعر العربي المعاصر، ويرأس هيأة تحريرها قيصر عفيف – الملحق الثقافي لصحيفة "الجماهيرية" الليبية...) والإلكترونية (مثل: "بلد الطيوب" – "أجيال ليبيا" – "السلفيوم" – "الورشة"...) والمُدَوَّنات. وقد تجمَّع لديه من هذه النصوص المنشورة مجموعتان شعريتان؛ أولاهُما بعنوان "في متناوَل القلب"، ستصدر لاحقاً عن دار البيان، وقصائدها منظومة ما بين 1998 و2001. واخـــتار للمجموعة الـثانية عنوانَ "أوقــات خارج الوقــت"؛ وهـــي التي تَعْـــنينا،بالدرجة الأولى، في هذا المقال المركَّز. ولأهمية شعره، وقيمة قصيدِه، اخْتِيرَت بعضُ نصـوصه وأدْرِجَت في أنــطولوجيات؛ منها "نهــر الليثي"؛ وهو عنوان أنطولوجيا شعرية صـدرت،العامَ الماضي، في الجزائر، تحت إشراف جمعية "البيت" للثقافة والفنون. ومنها كذلك "نماذج من الشعر العربي المعاصر من المحيط إلى الخليج: قصائد مختارة". وعِلاوة على كونه شاعراً، فهو صِـحافي وناقدُ أشعارٍ وصاحبُ كتابات نثرية عديدة نشَرها تحت عنوان "القليل الكثير".
لـــقد تولّـت مجلة "أبابيل.نت" الإلكترونية،المتخصصة في الشعر، نشْـر مجموعة الشاعر الثانية رقمياً، في يوليوز 2008، بعد أنْ تعذر عليه نشرها ورقياً. وقد جاءت المجموعة (60 ص.) في حلة إخراجية أنيقـة، متضَــمِّنة بين ثناياها اثنتـــين وعشرين قصيدة نـــــــثرية تتفاوت فيما بينها طــولا وقِصَراً، ومنظومة كلها في الفترة الممتدة ما بين 2000 و2004. وعناوينُ نصوص المجموعة هي على الترتيب: هامش صغير (2001) – منام (2000) – ربما (2001) – أحبكِ (2002) – طقوس (2002) – بعض ما يُقال (2002) – ارتباك (2003) – لــه (2003) – مرة (2002) – أشياء لا تعني أحداً (2002) – الوقت سُلمي إليكِ (2002) – قناديل (2002) – هطول (2003) – أقوال!! (2003) – برُغم!! (2003) – وقت قاحل!! (2003) – عندما يأتي (2004) – الشاعر – أوقات خارج الوقت!! (2004) – أسئلة!! (2004) – نواقص (2003) – هــي!! (2004). إن النصوص التسعة الأولى والنص ما قبل الأخير في هذا العمل الشعري مأخوذة من مجموعة أخرى للشاعر ما تزال مخطوطة، هي مجموعة "أوقات متقاطعة!!"، حسبما ورد في موقع الشاعر على الأنترنيت "تفاصيل". ونقرأ في الموقع نفسِه أن للشاعر مجموعة شعريةً أخرى لم ترَ نور النشر بعدُ، عنوانُها "ذاكرة التيه". وافتتح الشاعر مجموعته "أوقات خارج الوقت" بمقطع شعري للشاعر المكسيكي المعروف أوكتاڨيو باث (1914 – 1999) يقول فيه:
بين ما أراه وما أقولهبين ما أقوله وما أصْمت عنهبين ما أصمت عنه وما أحلم بهبين ما أحلم به وما أنساههناك يكون الشعر!!
والملاحَـــظ أن الشاعر آثرَ أن يسمّيَ مجموعته بعنوان أحــد نصوصها المتميزة، وهوالنـــص الشعري التاسع عشر فيها، نَظَمَه في الثامن والعشرين من ماي 2004، وكان قد نشره – قبْلاً – في موقع "دروب" الإلكتروني في الرابع عشر من دجنبر 2007.
إن مَن يقرأ نصوص "أوقات خارج الوقت"، التي أهداها عبد الباسط محمد إلى السنوات الهاربة من عمره التي قايض فيها راحته بوجع الحِبْر، يلمس فيها شعرية طافحة، وشعوراً مُرْهَفاً، وبَوْحاً شفافاً في قوالب فنية مكثفة موحية، وقدرة كبيرة على التحكم في زمام الكلمة لما تجْمَح فرســـــانها، وتــتقدُ شَرارتها. وتمتاز هذه النصوص بتوظيف لافتٍ لــــضمير التــكلم، وببروز النبرة الغنائية، وبحضور قوي لقوامــــيس المرأة والكتابة والحلم والزمن، وباستثمار موفَّق لعدة سِجلاّت كلامية وبلاغية. وهي كلها أمورٌ تكشف عن رُسوخ قدم شاعرنا في تربة القريض، وعلوّ كعْبه في عالم الشعر المعاصر الحَداثي، وتوفّره على إمكانات مهمة يمْكن أن تؤهّله لتبَوُّء مكانة سامقة في مستقبَل القصيدة العربية المنثورة. ونستشفّ من مستوى النضج الذي بلغته نصوص المجموعة إلى حد بعيد أن صاحبها لا يمــكن إلا أن يكون مسكوناً بجـــنّ الشعر، خاضعاً لسلطانه "القــاسي" الذي تَمَلـَّـــكه وسَيْطر على كِيانه كلِّه. ويمْسي هذا الحكمُ مُسْتَساغاً إذا علمْنا أن الشاعر عبد الباسط يَعُدّ الشعر، كما قال في حوارٍ أجْراه معه الشاعر والناقد رامز النويصري، "ضرورة في زمن باتت تسود فيه الأسئلة التي لا تجد أجوبة.. في زمن بات كل شيء فيه مُعلَّباً.. وباتت الأحاسيس أقربَ إلى شكل العلب المعدنية.. الشعر هنا كفيل بجعْل الحياة تخرج عن رتابتها.. الشعر هنا مفتاح.. الشعر في عصرنا هذا ضرورة أكثر من أيّ عصر آخر... الشعر عندي أفق واسع... الشعر عندي حياة مُوازية.. هامش متسع أكـــثر من أيّ مَتن غاصّ بالوُجوه والوجْهات..." (مجـــــــلة "المقتــطف"، ع.46، 2005)
