الثلاثاء ٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١١
بقلم محمد شداد الحراق

عـدوى الاستبـــدال

إن مسألة القديم لا يمكن ملاحقتها أو محاصرتها في هذا السياق الحضاري المعاصر.لأن السرعة القياسية التي تسير بها هذه الحضارة تجعل الإنسان عاجزا عن تصنيف ما يلاحظه أو استيعاب ما يصادفه أو ما تأتي الأيام به، هل هو من النوع القديم أم هو من النوع الجديد؟ لأن هذه المفاهيم فقدت اليوم معانيها المألوفة و مدلولاتها المعهودة التي كانت عليها في الثقافة التقليدية.فلم يعد القديم في زمننا هذا هو كل ما يعمر طويلا في حياة الناس، أو يستغرق عقدا في دنياهم، أو يستوطن قلوبهم ويشغل عقولهم مدة من الزمن،قبل أن ينسخه الجديد و يسلب منه بريقه ويلفت أنظار الناس عنه، فيحتل مقعده ،ويشغل مكانة في انتظار أن يلقى هو أيضا نفس المصير.

هذه السنة الحضارية فقدت صلاحيتها في زمن التكنولوجيا المعاصرة وفي عصر التقنيات الدقيقة و الصناعات الحديثة . فقد تغير مفهوما القديم و الجديد، ولم يعد تصنيف ما تقدمه هذه الحضارة معتمدا على معيار الزمن.إذ لم يعد باستطاعة أي جديد أن يضمن لنفسه الاستقرار على كرسي الحداثة أو الاستمرار على عرش الشهرة أكثر من أشهر أو أسابيع أو ربما ساعات. فقد كثر الناسخ و المنسوخ بشكل يومي، ولم يعد الإنسان يجد الوقت الكافي ليعلن عن إعجابه بالشيء أو يحقق تعلقه به.فلا يكاد يألف شيئا أو يبدأ في الارتباط به حتى يطل عليه الجديد،فيستهويه ويجذبه إليه ويأسر عقله ولبه. فتجد القلوب تهوي إليه و الأنظار تتجه نحوه والكلام يكثر عنه..الإعلانات و الصور و الملصقات و البرامج والوصلات. وهكذا تتداخل فصول الإنتاج ، فيقف الإنسان حائرا وغير قادر على اتخاذ أي قرار أمام هذا الزخم الهائل من المعروضات التي تتزاحم وتتبرج للناظر قبل أن تصبح عوانس في ريعان شبابها.فيخاف المرء أن يقترن بسلعة ثم يكتشف بعد حين بأنه قد تسرع في اختياره حينما يطالع إعلانا يبشره بجديد قادم.

ولهذا أصبحت الصناعات الحديثة تعمل على إنتاج السلع الأقصر عمرا و الأرخص ثمنا، لتبقى سلطة السوق متحكمة في جيوب الناس، وفارضة منطق الاستهلاك و مكرسة لثقافة الاستبدال وروح التغيير.ولقد سيطر هذا المنطق على عقول الناس وعلى أسلوبهم في الحياة، وحدد لهم قيما جديدة يؤسسون عليها أذواقهم و اختياراتهم. ويلعب الإشهار في هذا المجال دورا خطيرا بفضل قدرته الإقناعية و التأثيرية التي توجه عقول الناس و أذواقهم، و تدفعهم إلى تكييف سلوكاتهم الاستهلاكية و الاجتماعية مع مقتضيات الخطاب الإشهاري. فتجدهم يخضعون بشكل لاإرادي لسلطة هذا الخطاب، و يلجأون إلى الشراء و الاقتناء بدون وعي وبصورة هستيرية. وكأنهم في سباق محموم مع الزمن. فتجد البعض منهم يسرع لتغيير سيارته الجديدة بأخرى نزلت مؤخرا إلى الأسواق. ويسعى البعض الآخر إلى استبدال حاسوبه أو محموله بآخر الصيحات في ميدان التقنية المعلوماتية.ويلجأ الآخر لبيع منزله لاقتناء آخر أكثر انسجاما مع ذوق العصر أو لتغيير أثاثه بحثا عن الأشكال و الألوان التي تفرضها فصول الموضة... وهكذا تستعر حمى الاستهلاك وتهيمن روح الاستبدال ويسيطر منطق التحرر من الأشياء.

لكن خطورة هذه الثقافة الاستهلاكية تكمن في تسللها و تسربها إلى مجال القيم و في امتدادها العنيف الذي يصيب الثوابت و يجتاح المعتقدات و يمسخ الهويات. فهي تجعل الإنسان يحول عادة التغيير و الاستبدال إلى عبادة، فيلجأ إلى تغيير قيمه وإلى التحرر منها كلما دعت الظروف إلى ذلك، وكلما هبت موجة من موجات الموضة. فيخلع عنه أخلاقه كما يخلع ثيابه التي تجاوزها الزمن، ويستخف بثوابته ومعتقداته و يخجل منها، ويريد التمرد عليها. تسيطر عليه عقلية الاستسهال، ويتحكم فيه منطق الاستخفاف ، فيكون مستعدا للتخلي عن كل مقومات شخصيته الثقافية من أجل مواكبة ذوق العصر و عقيدته. وهكذا تنقلب عنده المفاهيم وتتغير مدلولاتها، فيصبح الخلق عنده قيدا لا معنى له، وتصير العفة بالنسبة إليه نوعا من الضعف ويتحول الخلق عنده شكلا من العقد الاجتماعية المتجاوزة.. وهكذا تفقد هذه القيم وغيرها مكانها في فكر هذا الإنسان ووجدانه، ولا تعود تشكل مسلمات ومبادئ ثابتة في كيانه. فتجده يستسهل تغيير جنسيته في سبيل قضاء مصلحته، ويرضى بتحويل عقيدته إرضاء لطلب عشيقته، وتهون عليه خيانة وطنه تحقيقا لأحلامه و أنانيته.

هكذا تفتك عدوى الاستبدال بعقل الإنسان وروحه وتجعله فاقدا لجهاز المناعة الدينية و الخلقية و الوطنية. فيكون معرضا باستمرار لكل الفيروسات الفكرية المعدية. فيصبح سهل الاختراق سريع التأثر مهيئا للاستيلاب ومستعدا للذوبان. يعيش بدون هدف أو مشروع، مسلوب الإرادة و الكرامة، سطحيا في تفكيره،مائعا في سلوكه، غارقا في بحر الانتظارية و السلبية، لا وازع له ولا ضمير، يستخف بكل شيء،يتقن فن التبرير و البحث عن الذرائع، لا يحس بالمسؤولية و لا يملك وعيا لايساهم في بناء ولا يبدع في إنتاج. همه الوحيد تغيير لون شعره و شكل ملابسه و نوع هاتفه.لباسه موقع و عقله مرقع. هذه هي النسخة المتوقعة لأبطال المستقبل في ظل سيادة حمى الاستبدال.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى