الأحد ٢٦ نيسان (أبريل) ٢٠٠٩
احتفاء بالقدس عاصمة ثقافية

فلسطين في سبيطلة

بقلم: رشيد حسني/ تونس

أي أرض تلك سبيطلة؟ مروج فسيحة وعوالم بديعة ونضرة، جبال شامخة وامتداد لا يحدّ..

وصلناها عند هبوط الليل عبر مدينة القيروان تلك المدينة المقدسة الشامخة والتي هي أيضا تشهد احتفاءها الخاص بتظاهرة "القيروان عاصمة للثقافة الاسلامية 2009 للمنطقة الافريقية..

سبيطلة أو "سفيطلة" استقبلتنا بمناسبة الدورة التاسعة لمهرجانها "ربيع سبيطلة الدولي"..

طلبنا الربيع فكان المطر طيلة أيام المهرجان..

نعم المطر ونعم البرد ونعم الرياح عاتية لمدينة فلاحية هبتها الماء والخصوبة.. فاستبدل المسرح الاثري الروماني بدار الثقافة كفضاء لاحتضان الفعاليات.. ضاق المكان بجمهوره الكثير العدد لكن القلوب اتسعت لجميع الوجوه الوافدة من المدينة ومن خارجها وللشرائح العمرية المتعددة.

الاحتفاء كان مزدوجا: مهرجان مدينة سبيطلة في الوسط الغربي للبلاد التونسية "مغرب يحن الى مشرق".. مجال واسع للاحتفاء بالمدن.. فرق موسيقية حلت من مدن مختلفة.. فرق شعبية من مدينتي الكاف والقصرين المتاخمتين لسبيطلة وفرق أخرى جاءت لتحيي تظاهرة أخرى غالية على النفوس، تظاهرة "القدس عاصمة للثقافة العربية 2009 " للمنطقة الآسيوية... مهرجان داخل المهرجان.. ودّ متبادل ووفاء بالجميل.. جمال الانتماء الى حضارة العزة والاباء.. لطرد الكدر والاحزان.. اقامة ثابتة وبهية في وجه الارزاء وعجرفة المستبدين.. احتفاء عبر الغناء والرقص والحبور.. تلك ابرز علامات الغبطة التي لمحتها على محيا الشباب الفلسطيني وهو يستعد لعرض الدبكة على هامش مهرجان سبيطلة.

كان من الضروري تقسيم العرض الفلسطيني الذي حمل عنوان " القدس.. زهرة المدائن"، الى جزئين فترة صباحية وفترة مسائية نظرا لكثافة البرمجة في المهرجان من جهة ونظرا لدسامة العرض الفلسطيني في حد ذاته، فلقد كان البرنامج في حجم المدينة الحبيبة "زهرة المدائن".. القدس.. غابة وارفة الظلال ثمارها تسلب الالباب.. تلك المدينة المحاصرة.. عزاؤنا ما جاء في كتاب الحياة "وحدها الشجرة المثمرة ترمى بالحجارة".. بينما الشجر المجدب لا يأبه به أحد.
الدبكة هي رمز التراث الشعبي الفلسطيني وهي رقصة تؤدى في الأعراس والمناسبات والاحتفاء والنشوة، رقصة جذلاء محمومة، رقصة مليئة بالصخب والعنف رغم ملامحها الجميلة المتناسقة عبر حركة أرجل الراقصين وتوقيع اجسادهم تماشيا مع ايقاع الموسيقى.

ورغم ان الفرقة لم تكن مصاحبة بتخت موسيقي إلا أن العرض كان متكاملا وأدت فيه الفرقة أبهى لوحاتها على ايقاع موسيقى تم جلبها خصيصا للعرض وأبدع فيها الراقصون أيما ابداع، الطبل الفلسطيني كان حاضرا من خلال فرقة "الطبلة" الكافية لفرقة عبد الرحمان الشيخاوي ونغمات "القصبة" المتداولة في منطقة السباسب وهو الناي الخاص بنفس الفرقة الكافية عوض "اليرغول" او الشبابة الفلسطينية.. هذا في العرض الصباحي الذي كان عرضا مقتضبا ضمن عرض الافتتاح الرسمي.

أما العرض الثاني فلقد كان متكاملا عولت فيه الفرقة على امكانياتها الخاصة مستمدة من خبرة فرقة "الزوزنة" للفن الشعبي الفلسطيني التي أنشات في تونس والتي يقودها الطالب بهاء العطاونة وهو أصيل منطقة الخليل بأرض فلسطين. قدمت لوحات راقصة تخللتها قراءات شعرية قدم فيها الشاعر الفلسطيني طلال حمّاد ( المشرف والمعدّ للعرض الاحتفالي الخاص بمدينة القدس)، قراءات شعرية للشاعرين الفلسطينيين الراحلين محمود درويش وتوفيق زيّاد، وبعضاً من كتاباته الشعرية الخاصة، ثم قدمت قصيدة "شفق القدس" للشاعرة التونسية ضحى بوترعة الراشدي، بالعربية والاسبانية، مرفقة بلوحات الفلامنكو.. ولم تغب غزة المحاصرة وما عاشته من عدوان دموي مؤخّراً، عن الذاكرة وعن العرض بنصوصه وأغنياته.

كما تخلل العرض معزوفات غنائية بصوت عازف العود اسماعيل داوود وعازف الاورغ محمد جوادة (وهما باحثان جامعيان بتونس في مجال الموسيقى)، منها " أمي" لمحمود درويش ومارسيل خليفة، "وزهرة المدائن" للرحابنة وفيروز وغيرهما. وغنى الكندي واس ( أستاذ اللغة الانجليزية في جامعة القيروان) أغنية خاصة منه إلى القدس تدعو لسلامها، عازفاً على آلة القيثارة.

ولم يخل العرض من فقرة فنية ذات جودة عالية لموسيقى أوروبا الشرقية قدمتها العازفة البلغاريةعلى آلة الاكورديون واستاذة الموسيقى "كانيبا" بمصاحبة عازف على آلة النفخ ناي"الفيلارمونيك". كما قدم الشباب الفلسطيني المشارك في الوفد - وهم من الاتحاد العام لطلبة فلسطين فرع تونس، وينتمون إلى مدن فلسطينية مختلفة من غزة والضفة، وكذلك المخيّمات كشاتيلا والدهيشة- عرضا مسرحيا يظهر مشاهد من نضال الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة مساندة منهم لشعبهم المحاصر..

وقوبل العرض/ الأمسية بترحاب كبير وترك الانطباع الطيب لدى الجمهور الذي تابع فعاليات مهرجان ربيع سبيطلة الدولي، كما تابعت سيدة المسرح العربي سميحة ايوب ضيفة الشرف لدورة التاسعة الجزء الاول الصباحي لعرض الدبكة وأصرت على أن تحيي الشباب الفلسطيني وتشكره على تحمله المتاعب واصراره على تشريف بلاده رغم المصاعب وعقدت لقاء مطولا معهم قبل اختتام المهرجان في بهو نزل سفيطلة على إثر انتهاء البث المباشر الذي خصت به القناة الفضائية الاولى في تونس مدينة سبيطلة ومهرجانها وضيوفها.

بقلم: رشيد حسني/ تونس

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى