فن التصميم والنظرية السببية
مبدأ السببية
يقول أرسطو: "إن العلم هو معرفة الأسباب"، فمن المستحيل أن يقوم الاستدلال العملي دون قيام مبدأ السببية، بل يمكن القول بأن كل المعارف البشرية قائمة على مبدأ السببية. وبدون هذا المبدأ لا يمكن للعقل البشري أن يتجاوز الانطباعات الحسية التي يكتسبها. ومن المعروف أن مفهوم السببية من بين المفاهيم الأساسية التي أقيم عليها العلم التجريبي.
و يرجع قانون العلية والسببية إلى قوانين التشابه والاقتران في الزمان والمكان
و يقصد بالاقتران في الزمان والمكان ـ أن ظاهرة السبب وظاهرة المسبب قد ألف الناس اقترانها في الوجود معاً متعاقبين في نفس الزمان والمكان. (1)
فقد ألف الناس أن اصطدام العصا باليد – في حالة الضرب بالعصا – تحدث شعورا بالألم، وأن هناك اقترانا بين الأمرين أو الظاهرتين في الزمان والمكان.
فبسبب هذا الاقتران توهموا علاقة بين الظاهرتين سموها علاقة السببية , وقد تحقق نفس الألم عقب الاصطدام بين العصا واليد، في كل مرة يحدث ذلك، فهناك تشابه في كل الحالات.
أن القول بالسببية والعلية ناشئ عن هذا الاقتران والتشابه , ويسمى ذلك: قوانين التشابه والاقتران في الزمان والمكان أو قوانين تداعي المعاني.
ويفسر قانون تداعي المعاني بما يسمى بالعلة , شيء حدث بعده تكرار حدوث شيء آخر , حتى أن حضور الشيء الأول يجعلنا – عن طريق تداعي المعاني – دائما نفكر في حضور الشيء الثاني , وأن العلم يمكن أن يقوم على مجرد القول بالتلازم الحاصل بين أجزاء الكون، بدون استلزام ذلك القول بالسببية والعلية.
بالنسبة لهيوم كل أدوات البناء الفكرية مستخلصة من احساساتنا الخارجية منها أو الداخلية، ومهمة العقل تنحصر في مزج و تركيب هذه الاحساسات. لقد ثبت بالتجربة أن الانطباعات البسيطة تسبق دائماً الأفكار التي تقابلها وما حدث قط العكس، فلا يمكننا أن نملك فكرة عن موضوع ما دون أن نمارس عليه تجربة، أي دون أن نملك عليه انطباعاً حسياً يمثله.
يمكننا أن نحصر العلاقات الفلسفية حسب هيوم في سبع مفردات أساسية:
التشابه،
الهوية،
المكان
والزمان،
العدد
والكم،
درجةالكيفية،
. (2).
هذه العلاقات هي الوحيدة التي يمكن أن تكون موضوعاً للمعرفة اليقينية.
أما التجاور في الزمان والمكان والهوية والسببية التي نتعلمها لا بتعقل مجرد بل بالتجربة فيمكن أن تتغير دون أي تغير في الموضوعات المقابلة لها , والعلاقات الأربع الأولى تنتمي إلى ميدان المعرفة أو البرهنة أما العلاقات الثلاث الأخيرة فتنتمي إلى ميدان الاحتمال.
الاختلاف بين العملية الفنية والعملية التصميمية
يكتسب فن التصميم صدق نظريته وفلسفته عبر تلك الجوانب التطبيقية التي تخضع تلك الافكار والرؤى والتصورات إلى واقع حي ملموس من خلال مجموعة مجريات ومتغييرات تضم الكيانين، المعنوي – الفكري والمادي.
وعموم هذه التحولات في القضية الفنية هي تحولات قبلية اي أن الجدل القائم بين نظرية الفن وجماليته من جهة وتطبيقاته العملية من جهة اخرى هو جدل يحسمه الفنان في ضوء معالجة افكاره وابداعاته في انتاجه للعمل الفني، ولكن هذا الجدل لا يحسمه المصمم في تلك التحولات القبلية كباقي الاعمال الفنية وانما تحدد قيمة تلك التحولات والعلاقات البعدية التي تختبر صدق عملية التصميم ووظائفيتها وادائيتها اي أن الجدل القائم في عملية التصميم واركانها جدل مستمر قبل التنفيذ وبعده.
لا شك أن اهم ما يميز فن التصميم هو أن مجمل العملية التصميمية تبدأ عندما تتبلور اشكالية محددة، وحاجة معينة، وليس هناك تصميم قبل تلك الحاجة.
أما بقية الفنون فان العملية الابداعية لا تستأذن تلك الاشكاليات او الرؤى التي تحيط بها كمعارف وعلوم، وانما يكتفي الفنان باعادة صياغة مفردات الحياة وفق رؤاه الابداعية، كما أن هذه الرؤى لا تحتاج إلى اكتساب صدقها أو حقيقتها القيمية من الاخرين.
على هذا الاساس يتضح الاختلاف الجوهري بين مجمل العملية التصميمية والعمليات الابداعية في الفنون الاخرى وقد لمسنا هذا الفرق بصورة غير مباشرة عندما ناقشنا الاسباب المسوغة لوجود التصميم كفن يلبي الحاجات الإنسانية على تنوعها واختلافها، وهذا الاختلاف بين المصمم والفنان يضع المصمم امام مسؤولية كبيرة تحمله وزر نجاح تصميمه او فشله وكل ما يتعلق به من مواصفات وكلف وجدوى ومقاييس ومستوى وفائدة... الخ.
بينما لا يتحمل الفنان اشكالية العملية الابداعية التي يطلقها دون شرط او قيد أو تحفظ مما لا يخضعها إلى قوانين الحسابات والجدوى ولا إلى شروط وظائفيتها او نفعيتها فذلك يضع الفنان عموما وفقا لنظرية التصميم على هامش الاطار الخارجي للحياة وصيرورتها الداخلية بينما يضع المصمم في جوهر العملية الحياتية وصيرورتها.
من هنا تتضح صعوبة العملية التصميمية كاهداف ونتائج تحتكم اليها بصورة نهائية فالعبرة الحقيقة ليس في انجاز التصميم كمنجز لعمل فني، وانما أن يؤدي ذلك التصميم هدفه وغرضه الذي انشأ من اجله، وقد سبق أن شبهنا ذلك بصناعة قلم جميل ولكنه لا يكتب او صناعة الة او جهاز لا يعملان او بدون كفاءة.
تتطلب العملية التصميمية استحضارات عديدة، فكرية، ومادية وهذه حقيقة غير متاحة الا لذوي العقول النيرة والثقافة المتخصصة الحاذقة ذات الابعاد الموسوعية التي تستشرف الحلول وتعيد صياغتها وفق الحاجات المستجدة وبما يلبي حاجة المستقبل اكثر من الحاضر والا تفقد العملية التصميمية حقيقة وجودها وتتحول إلى حرفة لا تتجاوز قوانين الصنعة.
إن العملية التصميمية ككل بناء متكامل متناسق، دقيق، يتوازن فيها الشكل مع المضمون وتسوغ نتائجها اسباب وجودها، وتتالف مفرداتها مع بعضها بفاعلية كبيرة تتيح لكل مفردة افضل ادائها وديمومتها مما يجعلنا لا نتمكن من الاستغناء عن اي من تلك المفردات.
إن تعدد مكونات العملية التصميمية بين الشكل والمضمون والموضوع والانشاء والمظهر والجوهر والتكوين والتركيب والتحليل كل هذه التوصيفات انما هي تعبير عن ذلك البناء المتكامل الذي نشبهه غالبا بالمعمار الذي يسعى الانسان في بناءه إلى حساب خطواته الدقيقة ضمن مراحل متعددة تكمل الواحدة الاخرى وتحمل كل منها اسباب وجوده.
لقد مست فلسفة ارسطو 384 – 322 ق.م جوهر الحقيقة في فلسفة التصميم عندما تكلم عن العلل في المادة فكانت فلسفته الاكثر قربا من الواقع والانسان وبيئته ومتغيراتها.(3)
وهكذا اقر بوجود وسيط بين الوجود واللاوجود وهو ما دعاه (الوجود بالقوة) ذلك الفعل الخلاق الذي يقوم به الانسان وبقدرته السامية في تحويل المادة من حالتها التي توصف مجازا بالعدم عندما تكون خامة مهملة. إلى قيمة عظيمة في كل تفاصيل بقائها وديمومتها. وقد حصل ذلك من خلال الفعل الذي انجزه الانسان بيده وعقله لتحويل المادة وتكوين الشكل.انها تلك القدرة الخلاقة التي وهبها الله للانسان لتجسيد ابرز صفاته وهي الخلق فكان بفعله هذا أن منح للمادة معناها بل اضاف لها قيمة جديدة في الحياة.(4)
النظرية السببية
إن النظرية السببية تبحث في قيمة المادة وتحولاتها بفعل قدرة الانسان وتصميمه.
وهذا ما يهدف اليه التصميم. وقد تلخصت هذه النظرية في علل اربعة:
العلة المادية:
وهي التي تحدد المقوم الاساسي في بنية الكائن بكل خصائصه حتى يكاد هذا الكائن يستعير كل خصائص المادة وفي ذلك معيار لديمومته ككائن او لبقاء خصوصيته ووظيفته ونفعيته وادائه.
ائص فيزياوية وميكانيكية ومستوى من الصلابة والقوة والمرونة ما لا تستطيع مادة اخرى أن تعوض او تلغي صفاتها او خصائصها.
وكانت صفة الصلابة والقوة هي السبب في اختيار رأس الفأس من صوان الحاد ومن بعدها اختيار معادن قوية لاجل اداء وظيفة القطع او القتل اي أن المادة كانت محرضة على اكتساب الوظيفة وادائها وكذلك فان الخشب محرض مادي على صناعة السرير او الاثاث الذي سينجم عنها بعد عمله.
لقد اكتشف الانسان مواد وخامات عديدة وما زال... دون توقف كما تنوعت طريقة معالجته لهذه الخامات بل اختلفت تقنياتها بشكل مذهل وكبير.
العلة الصورية:
وهو الفكرة والتصور الذي يحمله الصانع او المصمم في ذهنه بابعاد وقياسات ومواصفات تكسب هذه المادة شكلا خاصا ومعينا يخضع لاهداف محددة. وهو بذلك وضع حدود وشروط عند معالجة هذه الفكرة بوعي وادراك ولم يترك تصوراته الذاتية تفعل فعلها وانما احتكم إلى واقع موضوعي هو الذي يمد قيمة هذه المادة باهميتها.
إن أولى مراحل معالجة الفكرة في الذهن هي التصور المسبق للقرار الواعي لمعالجة المادة والذي سبقه معرفة تفصيلية بكافة خصائصها وامكانيتها الفيزياوية والادائية. ولم تكن العلة الصورية الا معالجة في جوهر جمال المادة عند تشكيلها وعند انبثاقها إلى الوجود في هيئة او شكل يحمل ملامح الجمال والبيئة وما اكثر النظريات والمفاهيم الجمالية التي بناها الفلاسفة على العلة الصورية ولغة الشكل.
العلة الفاعلية:
وهي الاداة المباشرة التي تفعل فعلها في المادة ووفق تصور ذهني مسبق من المصمم اي أن هذه الاداة التي تنفذ ليس بعيدة عن يد الانسان وفكره.
ويقول بنيامين فرانكلين: لم توجد اداة الا مع الانسان كما أن الانسان لم يتطور الا بظهور الاداة.
اي أن وجود الاداة كانت ملازمة لوجود الانسان ونشأته رغم انه هو الذي صنع الاداة فلم تكن الاداة لتستغني عنه ولم يكن يستطيع أن يعمل بدونها.
ويقول توما الاكويني:(أن الانسان عقل ويد، فاليد هي التي اطلقت عقل الانسان وانتجت الوعي الانساني).(5) وهكذا اقترن العمل والفعل بضرورة الوعي الانساني والادراك.
ورغم البون الكبير في الازمنة التي عاشها الانسان قبل التاريخ والى الان. الا أن فلسفة الوعي هي نفسها التي حملها انسان الكهوف. عندما وعى اهمية الاداة في حياته اليومية. وهو ذات الوعي الذي حمله الانسان في القرن الواحد والعشرين عندما استخدم اخر اجيال الحاسوب واكتشف خارطة الجينات الوراثية. فالاداة هي الاداة الا أن الفرق هو أن كل منها كانت وليدة عصرها فقط.
وكان بفعل الوعي الذى تنامى لدى الانسان أن وصلت الاداة إلى مدياتها القصوى ليس كمرحلة لفكر ووعي الانسان وانما في العملية الانتاجية للفكر واليد والتي نقلت الانسان ذلك الحيوان المستهلك إلى تلك العقلية المنتجة فكانت أن تحول الخشب إلى سرير.
والعلة الفاعلية قبل أن تكون مهارة وحرفة لاجادة تحويل المادة إلى افضل حالاتها فانها كانت دائما سببا في بناء هذه الحضارة وهكذا اقترنت دائما بفعل الخير التي كانت تخاطب الحقيقة والجمال في مذاهب شتى وكان الادراك والوعي بجمال الالة وقوة ادائها سببا في ترسيخ واهمية هذه العلة من الناحية الجمالية.(6)
العلة الوظيفية:
لقد بقيت العلة الوظيفية ذلك الهدف الذي يسعى الانسان أن يحقق من خلال وعيه وفكره وعمله وادائه بل غالبا ما كانت العلة الوظيفية مقياس صدقه لكل ادواته ومتى ما تحققت تلك الوظيفة فان ذلك قد اثبت صدق تلك الادوات والعقل. وكان يلزم ذلك منه أن يستثمر كل تلك العلل والاسباب للوصول بالمادة إلى نهاياتها النفعية الحقيقية والتي تضفي على قيمتها شيئا ما لم تكن تمتلكه من قبل.
فما فائدة فأس لا يقطع او قلم لا يكتب او عجلة لا تدور، أن عدم تحقيق وظائف هذه الاشياء تنفي كينونتها واسباب وجودها وعلى هذا الاساس اقترنت المادة بالوظيفة التي تحققها واقترن الفعل في التصميم بالوظيفة التي يؤديها.
فكانت وظيفة السرير هي النوم.
والعلة الوظيفية: الهدف الكبير ربطت قيمة المادة وجمالها بتحقيق وجودها ونفعها ووظيفتها، ذلك الوجود الذي ترسخت مفاهيمه لخدمة الانسانية والحضارة الانسانية على مر العصور.(7)
حتى اتسمت العديد من الفنون بنفعيتها وفائدتها للانسان وكانت العديد من الرؤى الفلسفية تحدد قيمة الفن من خلال ما يؤديه من نفع وفائدة وفضيلة للانسان وهذا يعني أن العلة الوظيفية وحتى وان لم تحقق الجمال الوظيفي فان الجمال النفعي قائم من خلال تداول الانسان للمبنى والاداة والقماش والمطبوع.
إن بداية انتاج الوعي الانساني وعند الفترة الاغريقية تحديدا كان هناك أهمية كبيرة لادراك قيمة ومعنى هذه العلل الاربعة في تحديد قيمة المادة والوعي الانساني واتجاهها. وحقيقة فلسفة التصميم في اتجاهاتها المتعددة واليات تنفيذه واشتراطاته لا يغدو أن يتجاوز هذه العلل الحقيقية ويسعى في تطبيقها. وعلى الرغم من معالجة هذه العلل الاربعة للمادة وصيرورتها الا أنها كانت تمس ذلك الشعور الخفي في ثناياها الا وهو الجمال.... الجمال الذي صيره الله وخلقه قبل أن تعبث به يد الانسان لتشوه العديد من معالمه. ولكنه في خضم الحياة المدنية الحضرية ومستجدات حاجتها اليومية لم يكن لتخلو اي مادة او فعل له من صفات الجمال.
ولكل مادة على وجه البسيطة جمال اخاذ حتى قبل أن تلمسها يد المبدع او الصانع وما اكثر مفردات هذه المواد من حولنا.
إذاً لم تغفل العلل الاربعة في جوهرها قيمة الجمال ومعناه وان كانت فلسفات عديدة فسرت بطرق مختلفة كانت تمس بيئة نشأتها والمناخ الفكري السائد وحركة المجتمع وفلسفته.
[1]
