الأحد ٢٦ نيسان (أبريل) ٢٠٠٩

قصة عشق كنعانية

رعى وزير الثقافة د. صبري اربيحات في مركز الحسين الثقافي حفل توقيع الروائي صبحي فحماوي رواية "قصة عشق كنعانية" الصادرة عن دار الفارابي – بيروت،الذي نظمته الدائرة الثقافية في أمانة عمان الكبرى وأدار الحفل المهندس هيثم جوينات، نائب مدير المدينة للشؤون الثقافية والاجتماعية والرياضية، وتحدث فيه الناقدان، د. نضال الشمالي ود. مصلح النجار. وألقى وزير الثقافة كلمة وسط حضور مكثف من المثقفين والمهتمين ومحبي أدب الروائي فحماوي، قال فيها: من المؤكد أننا سنقرأ روايات وقصص صبحي فحماوي، خاصة هذه التي عنوانها (رجل غير قابل للتعقيد) لنرى ما إذا كان هناك "رجل غير قابل للتعقيد"؟ وإذ أننا سنطبع هذا العام نصف مليون نسخة من خلال "مكتبة الأسرة"، فلقد كنا نتمنى لو طبعنا هذه الرواية ضمن مكتبة الأسرة، خاصة وأنها تصور القدس في العهد الكنعاني، في عام "القدس عاصمة الثقافة العربية"، ولكنها لم تعرض علينا، إذ أن اختيار الكتب يتم من خلال لجنة متخصصة. وقال إن الطريقة التي تربينا فيها على القراءة كانت طريقة خاطئة، مما جعلنا نكبر ونحن لا نحب القراءة، ولكن دورنا الآن في وزارة الثقافة هو جعل الطفل يحب القراءة، ويكبر وهو يقرأ. وقال: نحن ندعم قراءة الإنترنت، فالكمبيوتر هو كتاب المستقبل، ولكنها يجب أن تكون قراءة موجهة للأطفال، كي لا تخرج عن مسارها التثقيفي والتعليمي. الربيحات ذهب إلى أن عنوان "قصة عشق كنعانية" يدل على الأرض الكنعانية، رابطا بينها وبين الاحتفال بالقدس عاصمة للثقافة العربية، وهي أرض كنعانية. وأكد على عمق العلاقة بين القدس والأردن، كما أنها تأتي في سياق مئوية عمان، مبينا أن "القدس وعمان بينهما علاقة تاريخية كنعانية يشهد التاريخ عليها".

الى ذلك قدم الناقد د. مصلح النجار دراسة نقدية حملت عنوان "قصة عشق كنعانية، قراءة في مسؤولية الأدب" بين فيها أن هذه الرواية ظهرت بوصفها حالة رائدة من حالات وعي الروائي في نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بأن الأدب ما زال مسؤولا، وأنه ينبغي أن يؤدي دوره الفكري والثقافي الحضاري.

وذهب الناقد د. النجار إلى أن فحماوي "يمارس وعي الكتابة، ويعي مسؤولية الأدب، من منطلق فهم خاص لثبات قيم مؤطرة، تحقق مقولة المفكرين الذين يكتبون أدبا".

وأشار د. النجار إلى أن قارىء الرواية يكتشف بسهولة أن الروائي قد اطلع بشكل واضح وجاد على التاريخ والأديان والأساطير واللغات السامية، ليخلط ذلك كله فيما بعد بعنصر الخيال الروائي، ليلتقي عمله الإبداعي مع جهود الآثاريين والباحثين والحضاريين، الذين بحثوا في مفردات الثقافة والروايات التي تأسست على الوجود العبراني ليخلصوا إلى أن كثيراً من هذه المفردات الحضارية كانت كنعانية فينيقية. لافتا إلى أن الروائي يستثمر المعطيات الحضارية الكنعانية والفينيقية ويرد مفرداتها إلى أصولها. وليس بعيدا ونحن نقرأ "قصة عشق كنعانية" أن نتساءل تساؤلا حول ماهية هذا العمل، فأنا أحسب أن نصيب العنصر الروائي كان عاليا، وقد أفادت هذه الرواية من مجموعة التداخلات، ومن ذلك تداخل السردي والشعري، وتداخل النظم السردي بنظم المدونات الدينية. وبين أن هذا العمل يمكن أن يندرج في جهود التاريخ الحضاري المضاد في حالة من الوعي، بأن من يفقد التاريخ يفقد الجغرافيا. ومن خلال التجربة العبرانية التي تعرض علينا أن من يحرز تاريخيا يحرز جغرافيا أيضا، وكما يندرج هذا العمل في إطار الرواية التاريخية المضادة، التي تتجرد من السياق الزمني الواضح ليبقى الإيهام هو سيد الموقف.

أما الناقد د. نضال الشمالي فلقد أشار إلى أن الرواية تنبني على فانتازيا تاريخية، مشتغلة على مفردات الماضي الكنعاني الأصيل برؤى الحاضر، مسطرةً في خمسة وعشرين مشهدا متنوع المساحة، وبين أن هذه الرواية تتوزع أحداثها على ثلاثة مستويات حكائية: الأول هو حكاية الحاضر المؤرخ بمطلع العام 2009، وبطله "عمر" أحد الباحثين في مجال الإرث الكنعاني في بلاد الشام، إذ يدخل إحدى المغارات الكنعانية ناهلا من عبق هذا التراث العظيم، ومتأملا تمثالا للربة "عناة" إحدى آلهة الكنعانيين، فترشده الربة إلى كنز وثائقي مدفون في المغارة، يلخص سيرة بني كنعان، ويثبت تأصلهم في المكان. أما المستوى الثاني، فحديث مستجلب من المخطوطات المكتشفة على يد عمر، يتحدث عن صراع الآلهة الكنعانية بين بعضها بعضا، وخاصة صراع الإله"بعل"مع الإله "موت". في حين تركز المستوى الثالث على قصة عشق الأمير دانيال للأميرة إيزابيل، ثم عشقه للأميرة فرح، مؤكدا أن الرواية قد نهجت السرد المؤطر (حكاية داخل حكاية) وهذا يذكرنا بألف ليلة وليلة، وبالنهايات لعبد الرحمن منيف، وفائدة هذا السلوك السردي تحجيم المساحة الفاصلة بين الواقع والمتخيل. ومن خلال ذلك يتتبع القارئ محتويات الرواية متوزعا على أكثر من خيط قصصي، ليكتشف بأن الرواية تستدرجه لعوالم كنعانية مفترضة، تثري زاده، وتشغله بأطر المكان، والصراع المستمر حوله حتى يومنا هذا. وقد استعانت الرواية براوي المخطوطة ليقدم هذا الكم من المعلومات، ويسمح في الوقت نفسه بالحوارات بين الشخصيات لتكمل المشهد الكنعاني ثرياً وواقعياً، فضلا عن التناص التراثي والأسطوري.

ومن جانبه الروائي صبحي فحماوي المحتفى به وبروايته وسط احتفاء نقدي رأى أنها تستثمر المعطيات الحضارية الكنعانية الفينيقية، وترد مفرداتها إلى أصولها. فقال للحضور:

لقد أشعرتموني أنني لا أكتب عبثاً، بل إن شيئاً ما يستحق القراءة في رواياتي الخمس حتى الآن. وإن اهتمام الدكتور صبري اربيحات وزير الثقافة بهذا الحضور يأتي ضمن انتفاضة ثقافية يقوم بها هو شخصياً، وهذا يجعلني أتمنى أن يمأسس هذه الأنشطة، ويضع أقدام الأردن راسخة على خارطة الثقافة العربية، التي نحن جزء لا يتجزأ منها.

وإننا بحضور الفنان هيثم جوينات، وهو مصور فنان، ومن كبار مهندسي أمانة عمان، قل أن يجاريه فنان في هذا المضمار، نشهد اهتمام أمانة عمان الكبرى بالثقافة خلال مئوية بلديتها المباركة.. وعمان ليست مئوية المولد، بل هي عمون ذات الألفيات التي لا نعدها، والتي لا تحتاج لمن يكتب عنها اليوم بقدر ما تحتاج لمن يؤرخ أصالتها الراسخة روائياً منذ آلاف السنين..

وأما روايتي (قصة عشق كنعانية) فلقد ابتدأت معي عند مغارة كرملية عفا عليها الزمن، وعندما عرفتُ أسرارَ ألف ليلة وليلة، صرختُ في بابها: " افتح يا سمسم!" ففتح سمسم، فإذا بي أمام تجاويف تشبه "مغارة جعيتا" في بيروت لمن يعرفها، ثم اتسع الأفق شيئاً فشيئاً في مسافات لانهائية ليشمل السموات والأرض، مما جعلني أعيش عالماً كنعانياً مذهلاً، يمتد من حلب شرقاً وحتى بلاد "الأمازيغ الكنعانيين" في غرب الوطن العربي.. عالم تخلقه الإلهة يم -حسب الأساطير الكنعانية-، ثم تورثه إلى ابنها ال، إله الكون الأوحد، والذي أكد أن الكنعانيين هم أول من آمن بإله واحد أحد، يحكم الكون كله، وليس إله جماعة محدودة من البشر. وَلَدت عشيرةُ زوجةُ إل عدة أرباب، كان منهم بعل الفوضوي المعطاء للخير والخصب والنماء والقوة، والسيدة العذراء الطهور عناة، وعشتار البغي المقدسة. وبدرية ربة الفجر، وشمس ربة النهار، ونهر رب المياة، وموت رب القتل والدمار والخراب. إنه عالم من الزراعة والصناعة والتجارة، جعل البحر المتوسط بحيرة كنعانية..إنه عالم عشق بعل، وخراب موت، اللذان ينتهي صراعهما بتغلُّب بعل الخصب والنماء والعشق والمحبة والحياة السعيدة.

ورغم أننا ما نزال نؤمن بالعشيرة، ونزرع أرضنا بعلاً، وأنا أسمي ابنتي إيزابيل، ونذكر اليمّ، ونصحو مع ربة الفجر" بدرية"، ونعرف عملة الشاقل أو الشيكل الكنعانية، ونستخدم معظم المفردات والمفاهيم الكنعانية، دون أن ندري أصولها، إلا أن الرواية ليست كتاب تاريخ، بل هي قصة عشق وغرام جمالية بين الأمير دانيال، والأميرة إيزابيل، ولكن دانيال يكتشف لاحقاً أن إيزابيل هي أخته التي لا يجوز له الزواج منها، وهنا تنطلق دراما جمالية مشوقة، لمعرفة تفاصيل قصة العشق الكنعانية هذه، وعندما تقرأونها، ستشعرون بدهشة عظيمة.
ومن أجواء الرواية "في الليل، كان الأمير دانيال يتقلب مستغرقاً في أحلامه الوردية بالأميرة فرح ابنة ملك أورسالم، وكان طيلة الوقت يركض معها في غابات خضراء، وخيول سابحة في فضاء رحب تركض معهما وتسابقهما، وأحياناً تقترب منهما وتحاصرهما من كل اتجاه، وكان يمسكها من يدها الرقيقة المستسلمة ليده القوية الشابة، ويكاد يطير بها في السماء، ويختفي معها بين الغيوم. بينما قميص نومها الحريري الشفاف يتماوج مع الريح العاتية، وهي تركض معه ملهوفة أينما اتجه، وأحياناً يجدان نفسيهما يتماهيان معاً في جسد واحد، يلفه قميصها الطويل الهفهاف، وأحياناً تطل عليه من شباك غرفة نومها في العلية، فيتسللان في السراديب، وعندما تشتد العتمة، تضيء عليه بنورها العناتي الطاهر، وتنبلج بدرية ربة الصباح ضاحكة..، جلست الأميرة فرح مقابلة لدانيال على مائدة الإفطار، وراحت تقدم له فطيراً ساخناً، ملتوتاً بزيت زيتون، فتدهنه بالزبدة، وتغمسه بعسل النحل، ثم تطعمه بيديها الرقيقتين، وفي كل لحظة، تضع في فمه حبة لوز جاف مقشر، فيأكل بشهية لم يشعر بها من قبل، رغم اضطراره للانطلاق سريعاً إلى مهمته، كي يحفظ موكبه من قُطّاع الطرق الليليين، إذ أنه بهذا التأخير قد يصل من أورسالم إلى أريحا في الليل البهيم، ولكن أمامه الآن سحر وجاذبية، تضطره إلى التباطؤ في تناول طعامه..".

وصدر لصبحي فحماوي خمس روايات هي: رواية "عذبة" عام 2005، ورواية "الحب في زمن العولمة" عام 2006، ورواية "حرمتان ومحرم" عام 2007، "ورواية الإسكندرية 2050"، عام 2009، ورواية قصة عشق كنعانية) حالياً ,وصدر له أربع مجموعات قصصية هي: "موسم الحصاد" في العام 1987، "ورجل غير قابل للتعقيد" في العام 1997، "صبايا في العشرينات" في العام 2006، ومجموعة "الرجل المومياء" في العام 2006.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى