الأحد ١٥ حزيران (يونيو) ٢٠٠٨

(كريم الوالي) راهب في دير اللون

بقلم: رسول المرشدي

هبط فيها منذ دهر.. تسلق هضباتها وساح في جلدها هائما.. خلقها أولا وقرر النزول فيها حيث يحاول بث روح التمرد في خيول ذاكرته المجنحة لتنطلق في تضاريسها الملتهبة.. اللوحة أو قل هي معتكف الفنان الوحيد حيث لاهوادة في امتصاص نشاط الرأس المكتض بحقائق غائمة..

كريم الوالي يرسم عشقه ليزداد ضياعا فيه وليكون حضوره واللوحة واحدا..فكليهما يلبس بعضه وكأنهما ولدا معا هناك على ضفة الفرات المنسية في كوفتها العتيقة..في ازقة مهيأة بعناد لاصطياد الخيال وزجه في غيابة اللوحة وعلى شفة الورق أو بين مسارب الأحلام الهاربة من الموت.. كان قد ارتكب جريمة الغياب في عوالم الوانه تاركا لنا تتبع فضائاته بعيون مترصدة..غيابة ما الذها حين تطل علينا بأشكال الوالي المعجونة بعروق يديه رمادا تحته جمر التجربة المزدحمة بالوجوه.. بالاسماء..ببلد كان كالضوء الخاطف في منافي الغائبين...اللوحة عند كريم الوالي وطن معبأ في الاكريلك المتقلب كوجه سماوات الشتاء أو هو كجدار كوفي مسه أبا الطيب المتنبي فحنت عليه اكتاف كوفية خجلى داهمتها العيون في صباح أول أمس..أو سقف لرأس غرفة امتصت كل اخيلة عشاقها لتمزجها مع دخان السجائر والغزل والحروب.. ومتى ما لمست بعينيك جدار لوحاته تيقنت من ان اسرارك باتت مكتوبة باللون الغائم على غيابة كريم الوالي أو على كوفته بفراتها المزدري تحاول ربط جسر من الالوان إلى سواحل كاليفورنيا علها توجد معنى لتواصل الانين...لتواصل المستقبل الملون بقتامة ماض خبأ بين غيومه شموسا وشعرا ومناديل لعذروات الفرات.. خبأ نحيبا خافتا كانه غناء الملائكة وهو يودع صواني الشمع بين نهود امواج الفضة في فرات الثلاثاء..كريم الوالي شاعر اللوحة وبانيها..وله الحق في ان يغيب فيها كل الدهر لان غيابته تكون حضورا ابداعيا يعمر متعة المشاهدة بتساؤلات التكنيك وحرفة التعامل مع اللون.. كنت شاهدا على مسيرة هذا الفنان المتالق منذ ان هم باللوحة وهمت به..

ومنذ أن كان يغازل حقب التاريخ اللوني في ازقة الكوفة أو جمجمة العالم أو رحم المتنبي لافرق انها الكوفة وكان عندي أن لافرق بين الفرات وكريم الوالي إذا ما قررت الذهاب مشيا إليها.. وكان غائبا في لوحته مذ عرفته حتى كانت غيابته سمة الابداع لديه وتوحده الذي يخرجه الينا طليقا مثل صباحات العيد.. احسه وهو يحاول تجميع اعصابه ليفرشها عصبا عصبا على وجه اللوحة ثم يرش رماد اللون من خلال اصابع يديه ومسامات جلده ليرى انه قد ذاب كليا واستحال إلى ندوب وتضاريس في غيابته المعدة باتقان.. عوالمه يحرثها حرثا على خد لوحته البكر فتصير الوانا لاتجدها إلا لديه احسه قد اختزن كل ما درسه في بغداد وشاهده في مسيرة خروجه حتى استقراره في كاليفورنيا ليمزجه تجريبا وخلقا حتى تكون اللوحة مغلفة بالالام الطلق اللذيذ.. وعندما يفرغ منها تكون وليدا ناضجا بلغ من العمر مابلغه الوالي نفسه..تجربة جديرة بقراءات اكاديمية اكثر حيادية من قراءتي هذه لانني لم استطع انفكاكا من معرفتي بعوالم كريم الوالي وبصدق تجربته الفنية..ولكني احاول ان اترك للمشاهد الولوج إلى لوحة الوالي متأخذا من كلماتي سرا قررت ان ابوح به للمتلقي حتى يعرف سر النضج في بناءها.. ربما تساعده على فهم منحدر الفنان ومنطلقاته..كريم الوالي الذي قرر الاقتران بعوالم مشغله إلى الابد جدير بان يكون في صفوة الفنانين الذين اخلصوا لفنهم واخلصوا لتجربتهم وسكنوا ذاكرة العراق الابداعية إلى الابد

بقلم: رسول المرشدي

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى