السبت ٢٨ آذار (مارس) ٢٠٢٠

كورونا والحلاقة...

محمد موسى العويسات

والمقصود حلاقة الشّعر... صديقي صاحب صالون إسماعيل هادية في العيزريّة... صالونه مغلق بأمر أو رسم السيّد كورونا... تحسّست شعري فوجدته يلحّ عليّ أنْ طلت وتشعّثت وأصبحت الحلاقة ضرورة... حاولت أن أرجّله وأخضّبه بزيت الزّيتون ليتلبّد ولكنّه أبى إلا الاستشزار إلى العلا... والعقص على الجانبين... والفودان المشوبان ترى لكلّ بيضاء فيهما نشوزا في اتجاه مخالف... فكسرت الحظر... فوجدت العيزريّة كما وجدها العُزير الذي قال فيها: " أنّى يحيي هذه الله بعد موتها"... فقلت نرجع إلى أيام شعر (النّيغرو) أيام الصّبا... وهو شعر مجعّد ملوّى مثل زُبانيات العقارب... والذي كان يزعج أبي أيّما إزعاج... إذ كان يظنّ أو يجزم أنّ هذه الجِزّة المنفوشة وراءها ما وراءها... وربّما يكون صاحبها شيوعيّا... كانت الأجواء من حولنا تفرض عليه ذلك الظّنّ... كانت الكتب ذات اللّون الأحمر تستفزّه كثيرا... كان رحمه الله أمّيّا... لكنّه مثقّف... كان له قدرة على القيافة لافتة... ولا يسلّم بكلّ شيء يسمعه أو يراه... كثير التّساؤل... كنت أهابه وأطيعه ولا أجرؤ على مخالفة أوامره ونواهيه... رأى شعري وكأنّه جزّة الخروف...

ولا نسمّي صوف الخروف جزّة... وإذا قُصّ نسمّي صوفه قُصْبَه... وكانت قُصْبَة الخروف ناعمة وخصلا ملتوية معقوقفة... تتطاير بأقل نسمة هواء... كنت أحب أن أقصّ الخروف... لتعمل لي أمّي منه، بعد غسله وتجفيفه، مخدّة... يهبط فيها رأسي في نوم عميق... كان له في الشّتاء ميزة دفء عظيمة... نظر إليّ أبي بشزر... وأنا أقف أمام المرآة... أنفش شعراتي بأصابعي... التي لطولها ما زلت أستعملها في تسريح شعري، إن طال، حتى هذه اللّحظة... لماذا لا تحلق شعرك يا ولد؟ أيعجبك هذا المنظر؟ ما قصّتك؟.... وفي أثناء هذه الأسئلة كان ينادي أمّ محمد رحمها الله... طالبا منها أن تبحث عن مقصّ الغنم... في الصّيف الفائت وضعناه في الرّف الفلاني... كانت تستهجن الطّلب... وعندما تسأل يقول لها: هذا وقته؟... كنت أسمع كلّ هذا وأدري أنّه مجرد تهديد... ولكن لا أجزم إن كان يفعل ذلك أم لا... وقد خبرته يجيد الحلاقة لإخوتي الصّغار... ولكن بمقص حلاقة للآدميّين... لذا قرّرت يومها أن أحلق رأسي بعد الانتهاء من الدّوام... خوفا وطمعا... كانت المحاضرة الأخيرة تنتهي عند السّاعة الرابعة... وكنّا في فصل الخريف... وكما يقولون: في أيّام الزّيت... انتهت المحاضرة ونزلت إلى باب الدّير... في مدينة سيدنا المسيح عليه السّلام... وكان هناك حلّاقا (البلبول) من قرية الخضر... كان ماهرا ولطيفا وكان يجعل للطلاب أسعارا خاصّة... حلقت وعلى عجل توجّهت إلى محطّة باصات بيت لحم القدس... وكانت الشّمس قد غابت... لمّا وصلت باب العمود... كان لي خياران... أن أركب في حافلات (إيجد 44) التي تمرّ بقمّة جبل المكبّر في الطريق المؤدّية إلى بيت لحم... ومن هناك أمشي مسافة تقدّر وقتا بنصف ساعة أو أكثر... أو أن أركب في حافلات السّواحرة الشرقيّة التي تمرّ من رأس العمود فقبسة فأبو ديس فالسّواحرة... تحيّرت... فتوجّهت إلى باصات السّواحرة وفي ذهني أنّ الطريق من السّواحرة، وهي طريق خالية وغير معبّدة، أقرب إلى الحيّ الذي أسكنه من الطّريق من قمّة جبل المكبر إلى نفس الحيّ... دفعت الأجرة وركبت وما لبث أن تحرّكت الحافلة... فلمّا حاذى باب السّاهرة.... دهمني شعور مفاجئ أنّه يجب أن أنزل وأرجع إلى حافلات (إيجد) فالطّريق من الجبل إلى بيتنا عامرة مؤنسة... قرعت الجرس فتوقّفت الحافلة عند المحطّة المقابلة لمدرسة الرّشيديّة أي في باب السّاهرة...

وعدت إلى باب العمود وركبت الحافلة إلى جبل المكبر... نزلت في قمّة الجبل عند قهوة (أبو جوهر)... وانحدرت مع الطّريق باتجاه حيّ الشّيخ سعد... ولما بلغت الثّغرة الّتي بين الحيّ والجبل وجدت نفسي وجها لوجه مع عدد من دوريات جيش الاحتلال النّظاميّ... فاستوقفوني... وكعادتهم طلبوا الهُويّة... وسألوا بعض الأسئلة... فعرفوا أنّي طالب ومتوجّه إلى بيتي... وسألوني إذا ما كان هناك طريق تربط هذا الحيّ بالسّواحرة الشّرقيّة... فنفيت ذلك... وكنت صادقا... ولكنّهم ظنّوا خلاف ذلك... فنزل عدد منهم من العربة... وأخذوا يشتمونني... وهمّوا بضربي... كيف تكذب على الحكومة؟ ..ِ فقلت مستدركا: لم أفهم السّؤال؟... فأعادوه عليّ مرّة ثانية وبلغة محطّمة.... فقلت لهم الآن فهمت: الطّريق من هنا توصلكم إلى السّواحرة.... تقطعون الوادي فإذا بكم هناك... قذفوا الهويّة في وجهي بعنف... انطلقوا بالاتجاه الذي أشرت إليه... وانطلقت أنا... بل أسلمت ساقيّ للرّيح بالاتجاه المؤدّي إلى بيتنا... وكانت المسافة طويلة... لا أحد في الشّوارع... سكون وظلمة جلّلا كلّ شيء... لما وصلت البيت وجدت أبي وأمّي وجدّي في حالة رعب وهلع وخوف شديد عليّ... كيف نجوت؟

ألم تصدفك دوريات الجيش؟ ...بلى صدفوني... ولكن ما الأمر؟... حصار... وتفتيش دقيق في كلّ حارة أو مكان مهجور أو شِعب... وكلّ من ضبط في الطّريق القادمة من السّواحرة الشرقيّة نكّلوا به... حتى فلان العاجز أنزلوه عن حماره... وضربوه... بحجّة أنّه ربّما رأى الأسير (راضي) من قرية العبيديّة، الذي فرّ من معتقل المسكوبيّة أثناء اقتيادة للمحكمة... اختطف السّيارة ويداه مكبّلتان... وألقى بها عند (طَوْر الغولة)... الكائن في وادي العين المحاذي لحيّ الشّيخ سعد من الجهة الجنوبية الغربيّة... كان هذا تقريبا في عام 1985... كانت فرحة أهلي بوصولي سالما كبيرة... ولكن لمّا قصصت لهم قصّة تراجعي عن ركوب حافلة ركاب السّواحرة الشّرقيّة دون علم لي بهذا الأمر ذهلوا وارتاعوا وحمدوا الله... نظرت أمّي إلى أبي نظرة عتاب ولوم قائلة: أكان يجب أن يحلق اليوم؟... اعتذرت لأصحاب الشّعور المنفوشة الهليبة والرّؤوس الهدباء عن إغلاق الصّالونات... لم أجد مِقص الغنم... فقد ذهب المقص وصاحبه والغنم منذ سنين طويلة... ويبقى شعري يذكّرني بأنّني في حظر ومنع...

محمد موسى العويسات

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى