الخميس ٤ آذار (مارس) ٢٠١٠
بقلم يوسف طباخ

مقبرة أسرة أندرسون

لم يحدثني لدى زيارتي هذه المرة عن والده كما تعود أن يفعل متى شاء أن يهتف إليّ، ولم يذكر لي شيئاً عن أمه ولا عن بلدته التي غادرها إلى مملكة السويد منذ سنين فرطَ عقدُها ولم يعد في وسعه لَمَّ يسيرٍ مما كَوَّنَتْ حبَّاته المتناثرة وهو الذي يُغْفِلُهُ الزمن عن ستينها. كما لم يحدثني بنهم الوحيد كما بدا لي أول مرة التقينا فيها وكذلك خلال سنتي عمرنا اللتين قضيناهما معاً. كان، هذه المرة، صامتاً وصامتاً جداً ماعدا فحيح غطيطه يلتقطه صمت غرفة عناية مشددة ليغيّبه في عَتَمة لم يشفع لي الحرص من أن تمسني عدواها.

كان لقاؤنا الأول يوم أحد. وكان ذاك اللقاء مصادفة في الـ (كُلْتور هوسِتْ)1 في مركز مدينة استوكهولم. أذكر أنني كنت هناك مع أحد أبنائي، ذات أَحَد، عَرَضَ فيه مسرح الأطفال مسرحية (بيبي لونغسترومب)2. على الرغم من حبي للأطفال واعجابي بما تكتبه (أَسْتريد ليندغرِن) فإنني في ذلك اليوم الممطر حلَّ بي صداع نصفي -ورثة يتيمة عن أبي- بعد أن ركبنا قطار النفق ولم أعد في مزاج المتذوّق للأدب مهما كان. هربتُ. بلى، هربتُ من هرج الأطفال وضجيجهم الصاخب لأنتحي جانباً في قاعة مطالعة مجاورة للمسرح بعد أن أعلمت ابني بخروجي. وفور خروجي وقع نظري على جريدة عربية تَصَدّرَها عنوان بخط عريض أشرعها في الهواء ساعدا رجل قحفه أشهب الشعر. حرك الخبر حفيظتي وألهاني عن لياقة مفروضة فنظرت من فوق كتفه الأيسر خلسة وهو يجلس على مقعد جلد أسود. لَفَتَ رأسه قليلاً وشَخَصَ نحوي بصَفْحِ عينيه فانْزَوَرَتْ مقلتاه وتداعت ضوابط شفتيه واختلجتا لترسما على رقعة ناظريّ مايُشْبِهُ ابتسامة.

ولما أصبحتُ قبالته ومقلتاه تَتَبَّعاني أرخى قبضتيه عن الجريدة فحطَّتْ على حِجْرِه كخرقة بالية. ثم قال بلغة عربية قحَّة :
 هذا ما آل إليه حالنا !
أومأت برأسي ونهزت كتفيّ وضممت شفتيّ بعضهما إلى بعض بشدة فانفرجت ذراعاي دون إرادتي. نظرت، مجرد نظرةٍ في عينيه وبادلني نظرة رغبت عنها كيلا تَنْدَب نفسي.
 الأخ عربي؟

سألني بصوت يكاد أن يكون مبحوحاً.

تراجعت قليلاً، لماذا تراجعت لاأعرف، لكنني ربما خشيت أن أُزْكَمَ. حسبت أنه مزكوم إلا أنه غير مزكوم. هذا هو صوته الطبيعي كما تبين لي فيما بعد خلال لقاءاتنا.

أجبته بإيماءة من رأسي.

استوضحني:

 ومن أي قطر؟

شعرت أن الإيماءة لم تعد لتنفع: الموقف يحتاج إلى جهد وفتح فم، إن كان ينفع. كان يخاطبني بلغة عربية قحَّة. لاأدري إن كنت قد أحجمت عن الجواب لأنني أردت، آنذاك، ألا أرطن. زِدْ على أن موقف حَرَجٍ مثل هذا يجعلني، أحياناً، لاأعرف ماسأفعله. خطر ببالي أن مالدي من معارف جمعتهم على مُضِيِّ ربع قرن، في المهجر، لايتجاوزون أصابع كف واحدة، سواء أكانت يمنى أم يسرى. ولا أرى رغبة في نفسي أن أزيدهم شخصاً جديداً. لم أسع يوماً لزيادة عددهم لأنني لم أعثر حتى الآن على وسيلة أتواصل فيها مع القدامى. رفعت معصمي أنظر إلى ساعتي. (حسبت، آنذاك، أنني أعرف سبب تفكيري في الوقت، مع أني خرجت لتوي من صالة المسرح).

قلت:

 معذرة، إن إبـ...

هبَّ عن مقعده واقفاً ومدَّ يده، والتقت راحتانا عفوياً قبل أن يدركني تفكير جديد.

قال:

 إنني من سورية.

أُسقط في يدي وقد التحفت قبضتُه راحتي المبسوطة وكأنما أصابها شلل مفاجئ. نضبت كل كلمة عربية من داخلي تماماً كما نضبت حيل معَدَّة مسبقاً في تفكيري لمثل هذه المواقف ولم أعد أعرف ماسأفعله: كفّي مبسوطة مطواعة غَيَّبَتها قبضته وعيناه تمسحان ملامحي وقامته تحاكي قامتي وبات لايبعد عني أكثر من أنفاسه التي تَنْفَذُ إليّ.

 وأنا من سورية أيضاً.

أجبته وأنا أسمع كيف يبلغني صوتي كنقيق ضفدع هرم. وتجرأت، بعد ذلك، أن أملص راحتي من قبضته.

وتحولت لغته العربية الصرفة إلى لهجة لم أستطع بادئ ذي بدء أن أتبينها على خريطة لهجات سورية. خُيِّلَ إليّ، آنذاك، أنه من قرى حلب. ومن ثم قذفني تكهن إلى جنوب سورية لأرتدَّ إلى أقصى شمالها. ولما أخفقت في تثبيت لهجته على خريطةِ ذاكرةٍ واهنة قسرني فضولي فسألت:

 ومن أين في سورية ؟

 إنني من حِمْص.

قال وهو يعتصر ضحكة ثم نظر إلي متضاحكاً وأكد:

 بلى من حِمْصَ! أمن الغريب أن يكون في المملكة حِمصيّ!

وفقأتُ ضحكة مترددة وكأنني أستجيب لجهدٍ يبذله كي يستعرض هزرَ بلديٍّ انبجس من ماض بعيد. وضحك بعد ذلك ضحكة عادية كشطت وجلي. ومباشرة انخرط في حديث سريع طويل لخص به السياسة والسياسيين والأديان والعلمانيين وعَرَّج على المآكل والمشارب ومن ثم المملكة وانهيار اقتصادها ولم ينس أن يبين أنه يعيش في السويد منذ أكثر من ثلاثة عقود.

كنت أحس به وكأنه يغترف الكلام غرفاً لايهمه أن يسكبه في ساحةِ خواء. فكرت أنه مفجوع بصمت طويل. تركته يتحدث على سجيّته لأوفر على نفسي عناء حوار ومسايرة. وعندما أحسست أن وقتاً لابأس به، ربما نصف ساعة، قد مضى دق منبه مجهول في داخلي:

 فرصة سعيدة.

وقد مددت يدي أُوَدِّعُه جَذَبَتْ قبضتُه راحتي، مرة أخرى، كمغنطيس. قال وما يزال يمسك براحتي:

 ومن أين الأخ؟

 ليس من حِمْص!

وجذبتُ يدي وأحسستُ كيف أملص راحتي من قبضته.

ذبذب صوته حيرة بادية:

 الاسم بالخير؟

 صابر !

لماذا انتحلتُ اسم صابر آنئذ، لاأعرف بشكل قاطع حتى هذا اليوم. لاأدري، لربما تبادر إلى إنسانيتي أنني قد صبرت طويلاً وهو يُدَرِّجُ كلامه دون أن أسايره أو أحاوره بعض الشيء. أو لربما اعتقدت أنني أعطيته من وقتي أكثر من ربع ساعة مجامَلة. ولما لم أزد على ما انتحلته شيئاً حررتني نظراته فأدرت ظهري له وتركته واقفاً دون أن أميز إن كانت أفكاري أم نظراته المُشَيِّعَة ما يتسربل على عمودي الفقري وأنا أبتعد عنه دون إعطائه رقم هاتف أو عنواناً.

كان هذا لقاؤنا أول مرة وكانت آخر مرة كدت أحضر فيها مسرحية أطفال في ذلك الموسم. تركت المهمة، فيما بعد، إلى زوجتي المولعة بمسرح الأطفال. لماذا لم أعد، بعد أن تعرفت إليه، أحب المسرح، لا أدري. ربما اعتقدت أنه مافي داخلي من مسرحيات مقسورة تكفيني وهذا ليس تبريراً.
**

أما في هذه المرة الأخيرة وهو يستلقي على فراش العناية المشددة في مستشفى (كَارولينْسْكَا)، فإنني لم أتوقع منه أن يذكر لي أي شيء رغم حاجتي أن يقوم بذلك. ولماذا قام بهذه الفعلة لم أحاول أن أستبينه ذلك رغم حنقي وثورتي عليه. ولم أشأ، رغم خوف ملح ينقُّ في داخلي، أن أستفسره عن سبب خذلانه لي، وهو الذي أراه يتحلل متلاشياً في عالم عتم. كانت الشرطية قد أخبرتني بما من شأنه أن يهدئ من هلعي ولا يؤكد مخاوفي، لكنني لم أشأ أن أصدقها أو أَدَعَ كلماتها تشتت جزعي المزمن. فكم من ألم مُزْمِنٍ خَلَّفَ سراباً أبلغ منه لمَّا زال.

كانت الساعة الحادية عشرة ليلاً ذات أحد أيضاً عندما رن جرس الهاتف. نظرتْ إلي زوجتي وقد امتقع لونها عفوياً كردة فعل على أمر غير مألوف وقالت:

 خير إن شاء الله، كفانا الله شرّ هاتف ليل وفي ساعة مثل هذه !؟

خطفتُ السماعة لأُطْبِقَ على قرين ليلنا: قلقٌ مبهم. بلغني صوت نسوي مقتضب من الطرف الآخر أغبطني قليلاً أنه سويدي:

 هل أنت جابر محمود؟

 بلى، أنا جابر محمود.

 أنا (كَارين) شرطية وأهتف من قسم العناية المشددة في مستشفى (كَارولينْسْكَا). عثرنا على رقمك مدوناً على ورقة في جيب رجل، من أصل أجنبي، عندما التقطناه من مقبرة (سولنا)3.

 ومن هذا الرجل؟

سألت تلقائياً.

لم أفكر أن من تسميه الشرطية مجرد رجل هو عصام إلاَّ أن شعوراً غريباً أنبأني أنه عصام جابر ذاته. ولا بد أن ماحدثني عنه وتصرفه أحياناً في السنتين الأخيرتين، بعد إحالته على المعاش المُبَكِّر ماوَلَّدَ هذا التوقع المبهم المسبق بأنه عصام.

يوم صادفته للمرة الثانية كنت وثلة من زملاء العمل أُوفِدنا لتعزية أهل زميل عمل سويدي خلال (عيد القديسين)، موسم زيارة القبور. كنت أتبع طريقاً فرعية تؤدي إلى باحة موقف السيارات في جنوب المقبرة عندما برز وجهه أمامي تنعكس عليه أضواء الشموع في عَتَمة النهار. تمهلت في البداية أتبين صحة مارأيت. لم يكن غير ماظننته فتوقفت أمامه. كان يجلس على كرسي صغير قابل للطي أمام قبر ضخم وعتيق. كان القبر غير تلك القبور الحديثة، بدعة تقنين ا وكأنما الأرض ضنت على موتاها بما رَحُبَتْ. كان قبراً لايقل عن ثلاثة أمتار بثلاثة تتصدره شاهدة مرمرية كمد لونها من فعل السنين ولاحمَتْ شقوقَها طحالبُ سوداء وتخرشت صفحتها وتقارضت ذوائبُ حروفها. كان إلى جانبه إبريق ماء بلاستيكي أخضر وإلى جانبه رفش صغير كُتِبَ عليهما "ملكية مقبرة سولنا". كانت باحة القبر خالية من الثلج مشذبة الحصى وشاهدتها مزينة وُضِعَ إلى كل من جانبيها شمعة غليظة يتذاءب نورها على مرجٍ مثلوج. وفوق سور باحة القبر الحجرية المستطيلة وُضِعتْ اغصان شجر (زعرور) خضراء ماتزال ثمارها حمراء عالقة بها على الرغم من أنها في آخر موسمه. نظرت إليه نظرة تفضح مافي مصادفات حياتي من غرابة. دققت النظر أستوضح ماكتب على الشاهدة من أسماء- في هذا العصر قلما يعثر المرء على قبر بمثل هذه الضخامة. كُتِبَ على شاهدة القبر بخطوط (غاليكرافية) متداخلة:

هذه مقبرة أسرة أندرسون

وتحت السطر الأول مباشرة كُتِبَ :

أبونا الحبيب كارل غوستاف أندرسون 1940 - 1860

ويتلو السطر الثاني :

أمنا الحبيبة أنَّا كارين أندرسون مولودة غوستافسن1950 - 1870

وبعد الأم سطر رابع :

شقيقي أندرس أندرسون 1954 - 1899 .

أمعنت النظر جيداً تحت أضواء شموع متناثرة على القبور الأخرى ونور عامود إنارة قريب. كان يتابعني بعينين تطفح منهما دموع هتون، وكأنما اهتمامي وفضولي بعثا في نفسه نوبة بكاء. حرت بأمري وجعلتني مصادفة لقائه أتصرف، حتماً، بشكل غير متزن. تواردت عليَّ ملايين من الأسئلة والشكوك دِراكاً: أتراه توفي له والد فأنزله على رفات السيد أندرسون؟ أم توفيت له أم فأنزلها على رفات السيدة أندرسون؟ أم تراه يُزَيِّنُ لنفسه حياة دنيا؟ أردت أنسق أحدها لأطرحه عليه؛ أردت أن أكبح من تسارع ورودها فلم تسعفني مقدرتي: سبق السيف العذَل وبُغتُّ فعدَلت عن تنسيق ولباقة واستفسرته بصوت تناهى إليّ جافاً :

 ماتفعله هنا، هل هذا قبر...

نهض، ولما استوى، ألقى بساعديه على كتفيّ فاستقرتا كمرساة رُمِيَتْ إلى قاع؛ وهبط برأسه على صدري كمطرقة خَرَّتْ على سندان؛ وانخرط في بكاء شديد كمن نُكب بعزيز لتوه. شهق وتمخَّطَ وتنشق حسرات عميقة ثم سحب كَلَّه عن صدري وأخرج منديل ورق ومسح دموعه. زفر حسرة عميقة كادت تصطحب رئتيه وقال وأنا أقف متحجراً كمصعوق:

- بلى، ياصاحبي، عوارض الدهر مؤلمة! لربما على المرء قبولها خاضعاً وألا يسعى إلى قهرها فهذا تدبير العزيز الحكيم. لكنني ياصاحبي أناجي ربي دائماً: ياربي، أن تَرَدَّى أسرة برمتها الواحد إثر الآخر؟! أن تُغَيَّبَ الرؤية بغيابهم؟! ياربي، هذا أمر لايحتمله واقعي ولا يحتمله خيال إنسان.

دفع بيديه عالياً في عراء جاف مصقوع تكاد العَتَمة أن تملأ كل حجيراته ثم قال لي:

- هل علي أن أعيش وحيداً على ذكراهم لاغير، فليس لي من وسيلة لذلك! " إنني حزين حتى الموت " لفقدهم! كما أعتب على ثرى وطن أفتقده: أفتقِدُكِ يا الثرى الذي دَثَّرتَهم!

خفض يديه وأشار بيمنى مبسوطة راحتها:

 انْظُرْ إليهم! إنني أعرف كل فرد منهم اكثر مما تعلنه شواهدهم! هاهي أجداثهم! لقد باتت هماً وحيداً وشغلاً دائماً أُعْنى بها وهو قصارى مايمكنني القيام به الآن.

لاأدري إن كنت حانقاً أم خائفاً، كنت أحس بالرغبة في أن أثور عليه أو أصيح أو مجرد أن أكون هناك لاغير. لماذا، لا أعرف. أو ربما أعرف ولا أريد أن أُدْرِكَ. طغت عليّ مشاعر لَجَمْتُهَا خلف (مَأْربِي) لسبب جَهِلْتُه آنذاك. أعتقد، مجرد اعتقاد ولا غير ذلك بأنني عرفت، فيما بعد، لدى لقاءاتنا المتواظبة المُلِحَّة.

بعد هذا اللقاء في المقبرة، أصبح بعضنا بحاجة إلى بعضنا الآخر. غدونا صنوين يتقابلان، دون تخطيط مسبق، بشكل منتظم: كل يوم أحد في الساعة الثالثة صيفاً والواحدة شتاء. لماذا أصبح الحال على هذا الشكل، لاأجرؤ على سبره بتفصيل. كل ماأعرفه، زيادة على ذلك، ان صحبته كانت ضرورية ومريحة تخلو من مسرة. لربما كنت أرى صورتي الظليلية فيه أو ربما كان يؤدي عني قسط بكاء لا أتقن تحريره. كنت كلما ألتقي به وعلى الرغم من كل بكائه وكل مايُحَمِّلُني من هموم أحس بشوق إلى لقائنا المقبل لدى قبر أسرة أندرسون. وعلى الرغم من أنه كان يهتف لي مابين الزيارتين لم نكن نلفظ كلمة مقبرة أو موتى أثناء حديثنا. كان حديث القبر والموتى وأسرة أندرسون وجاهياً. وعندما يصادف أن يغفل عن مخابرتي خلال أيام الأسبوع كنت أحس أن أمراً غير طبيعي حدث أو على وشك أن يحدث. لذا كنت أضطر أحياناً، خلسة عن أنظار أبنائي وزوجتي كيلا أجدد عتابهم علي، أن أهتف إليه.

أما في هذه المرة، وهو مطروح على فراش العناية المشددة في مستشفى (كَارولينْسْكَا) وبعد أن هتفت إليّ شرطية تسألني إن كنت جابر محمود فهذا أمر أستغربه رغم تحسبات مألوفة مسبقة. أردت أن أحسب، للوهلة الأولى، أن الشرطة قد كشفت حقيقة أن من يحتلون القبر لايمتون إليه بصلة قرابة فأرادوا منعه من زيارته فاحتج وثار ووقع وارتطم رأسه بسور القبر ولذا التقطوه من مقبرة (سولنا) مُغْمًى عليه. أما أن أقف، الآن، بعد أقل من نصف ساعة من المخابرة، إلى جانب سريره فإنني لاأستوعب هذا الأمر بل أدرك، بشكل عفوي، أننا لن نحتفل بعيد ميلاده الستين في مكان مختلف عن المقبرة، كما كنا قد اتفقنا عليه منذ شهور.

وقفت أتأمل وجهه الممتقع بصفرة تضيء غبش الغرفة حتى صدَّقتُ شكي بأنه ميت. كان الطبيب، في الحقيقة، قد أنذرني، قبيل السماح لي بالدخول عليه، بأنني لن أرى منظراً مسراً، لكنني تشبثت برغبتي وعزمت على لقائه.

قلت لنفسي وسمع الطبيب:

 لاأعتقد أنني سأراه على حال أسوأ مما درجت أن أراه عليها.

خرجتُ عندما لم أقو على الوقوف بقرب سريره تصلني غرغرات صدره متواترة مع صَأوات راصد القلب وتشذ عنها بين الفينة والأخرى ليسترق شهقة أحسبها الأخيرة فينحبس نَفَسي في صدري. ترنحتُ خارجاً من الغرفة وأنا على وشك الإغماء. اندفعت نحوي ممرضة تقوم على ضبط الأجهزة والأشرطة الموصولة إلى خشمه والخرطوم الغليظ في فمه من خلال نافذة صغيرة قرب باب ينفتح على الرواق الطويل. سألتني:

 هل تشعر بالإغماء ؟

أومأتُ برأسي فعادت إلى مقصورتها وبعد لحظة قَدِمَتْ إليَّ ممرضة أخرى بكأس ماء وحبة صغيرة بيضاء. قدمتهما إلي وهي تقول:

 هَوِّنْ عليك. نأمل أن تمر أزمته بخير.

سألتها عن سبب وجوده في العناية المشددة، لمجرد أن أقول شيئاً، فأحالتني بلطف إلى الطبيب المعالج الذي غادر الجناح. وقفت وكأنني أُهَوِّمُ وكأس الماء أقبض عليه بشدة والحبة البيضاء تتحلل في قبضتي اليسرى.

 تناول الحبة قبل أن تنفرط من دفء يدك.

قالت الممرضة فأذعنتُ وتنبهتُ إلى ماينتشر في أطرافي من تلبد وما يجثم برأسي من دوار.

مدَّدَتني على أريكة جلدية عريضة. كنت أود أن أكبح تدفق دموعي. لم أكن أُعْوِلُ وأنتحب، إنما الدموع كانت تنساح على خدي دون إرادتي. كانت مقلتاي تطفحان بسرعة الصور التي تتوارد على خاطري. وَرَدَتْ عليّ صورة لقائنا الأول في (كُلْتور هوسِتْ) فاعترتني نوبة خجل بعثت رعشة اقشعرَّ لها جلدي. وتذكرت لقاءنا الثاني في المقبرة وانجلى التساؤل والاستغراب عن نفسي. وتذكرته في آخر مرة زرنا فيها مقبرة أسرته، (أسرة أندرسون)، وكيف كفكفتُ دموعه. وتذكرت كيف كان حزنه أبلغ من أية مرة سابقة. كان مكتئباً مُحبطَاً وكأنه قد وقع على معادلة سبب حزنه دون أن يتسنى له فكُّ رموزها. كان يشكو لي، دون أن أعي الأمر، أن مايتناوله من أدوية مختلفة لم يعد لها مفعول. وحكى لي كيف شكَّ طبيبه المعالج في أنه لايتناول أدويته بانتظام وهدده بأن يحتجزه في المستشفى للتحقق من ذلك. وتذمر أمامي من ذهابه كل يوم إلى مصحِّ منطقته لتناول دوائه في حضرة ممرضة مناوبة ليثبت أنه يواظب عليه بانتظام، لكنه على الرغم من هذا كله، قال لي:

 على كل، تصور إن لم يكن لي قبر أزوره وطبيبٌ يشكُّ في أنني لاأتناول الدواء، فما الذي كنت سأفعله ؟ إنني، في الحقيقة، لم أفعل ما يستحق النفي الطوعي! حتى الجنرال "سين" لم يُنف جزاء خيانة وطنه. ولما هرب من السجن لم يقو على البعد بل عاد ورضي بسجن السويد.

كان ذلك يوم أحد، اليوم الوحيد الذي تتاح لي فيه مغادرة بيتي وحدي، وكنا نلتقي في المقبرة. وهذا اليوم أحد أيضاً. خطر في بالي أنه ربما اختار هذا اليوم لأنه يعرف أنني أستطيع مغادرة بيتي دون عناء. لربما اختار هذا اليوم ليكون يوم لقاء ويوم وداع دون أن يدري ماأَوْدَعَ لدي.

تباطأ ورود صوره وبدأت أحاديثنا تَسَّاقطُ كشهب يُغَيِّبُها خواء معتم وازداد دوار رأسي وخَدِرَتْ مقلتاي وأتت الفَتْرَةُ على قواي...
**

حلمتُ أنه يمشي في مقبرة (سولْنَا) وقد حمل إبريقَ ماءٍ أخضرَ من لدائن حتى بلغ قبراً حُفِرَ حديثاً داخل صحن قبر أسرته المتبناة (أسرة أندرسون). وقف أمامه يرذّ الماء على راحة يده أولاً ومن ثم ينفُضُها بتواترٍ على شاهدة مرمرية بيضاء. لم يُنْقَشْ على الشاهدة أيّ اسم أو تأريخ وفاة يُعْلِنُ بداية عَدِّ الزمن التنازلي لتنطلق بصماته تخلف رسوماً أزلية. تقدمت إليه وسألته:

 قبر من هذا ؟

أجابني وقد حَلَّتْ به لغته العربية الصرفة:

 امين صندوق ذكريات وتاريخ الأسرة كلها.

تجرأت، في الحلم، أن أرد عليه قائلاً كما فعلت في مصادفتنا الثانية:

 لكنها أسرة (أندرسون) كما هو محفور على القبر الكبير وهم قد رحلوا منذ دهور.

رمقني بنظرة عتاب وقال:

 ألا ترى من يزورهم كل يوم أحد؟ كيف رحلوا إذن منذ دهور؟!

قلت بصوت لايخلو من رجاء:

 هذا أنت، ياعصام، ولا ضرَّ أن نقوم بزيارة قبر أسرتهم، لكنهم لايمتون إليك بصلة قرابة!

حدَّق طويلاً مطأطئ الرأس صامتاً ثم رفعه وقال:

 وما ضر ذلك؟ هي أسرتي وما اخترتها طوعاً!

سرََّح، في الحلم بنظراته بعيداً، حتى تصورت أنه يطوف محلقاً داخل أطياف عوالم بعيدة. تهادى لي من حلمه الوجيز، في حلمي الخاص وهو يقول:

 دفنتُ شقيقاً ولم أُكَفِّنْه. ولَحَدتُ أباً ولم أشَيِّعْه. وقبرتُ أماً ولم أَعُدْها. ووَرَدْتُ سَرابَ نَميرٍ تَقَمَّصَ محيطاً فغيَّبَ عني ذاتي. وها أنا أسترِدُّها ثانية لأجْمَعَ في ثناياها شتاتَ فُروضِ سِفْرٍ بكرٍ، ولن أُغْفِلَ صَحواً باتَ قاب قوسين أو أدنى.

رمحتُ عن الأريكة فانزلق جسدي عليها وسقطتُ على أرض الرواق المرمرية الباردة. خرجت إليّ الممرضة من مقصورتها تسأل:

 هل أصابك مكروه ؟

 لا، كيف حال عصام؟

 يصارع! لقد حضر الطبيب أثناء نومك، بعد أن أُغْشِيَ عليك، يعوده وأمر بإعطائك حبة أخرى في حال اللزوم كما طلب ألا تغادر المستشفى خلال الساعات القريبة.

نظرت إلى ساعة معصمي فلم أتبين عقاربها. تحجبُ بصري غشاوةٌ رقيقة تميل إلى زرقة فاهية. حدَّقت ثم زممت جفنَيّ أبحث عن عقارب الساعة فلم أعثر عليها. سألت الممرضة عن الوقت فأجابتني:

 الرابعة صباحاً. لقد ارتحت قليلاً !

 كان عليَّ ألا أرتاح. إنني هنا ليس من أجل أن أرتـ... ربما عليَّ أن أكون إلى جانبه.

قلت:

 آسف !

لاأعرف ممن كنت أطلب العفو.

بَلَغَتْنا صَأْوات ناشزة متواترة سريعة هرعتْ لإثرها الممرضة عبر الباب الرئيسي للغرفة. تبعتُها فلوحت بيدها اليسرى بنزق أن أخرج من الغرفة. بعد ذلك انتشر صفير حاد دائم في الرواق يرافقه وميض مصباح أحمر يرفُّ بسرعة فوق باب الغرفة. انتحيت جانباً أرقَبُ تسارع ممرضتين تدفعان عربة صغيرة يعلوها جهاز فضي اللون ودخولَهما الغرفة. كنت أشرئب بعنقي بين الفينة والأخرى أستطلع مايجري في الداخل. كان في وسعي اختلاس الدخول إلى الغرفة ولكنني لم أفعل. لاأدري إن كنت أخشى الحقيقة، التي تنبسط أمامي جلية، أم كنت أخشى على نفسي معايشتها واقع آخِرِ أفراد الأسرة. كانت حشرجاته تبلغني عميقة تُفَطِّنُني بأن ألوذ بالجدار. حشرجاته تتواهن حتى تكاد تغور في صمت طويل ثم تنفلت من جوفه مرة واحدة فتنفرط على سمعي وينبجسُ لها بكاء مكتوم في ثنياتي. ولما حاذاني الطبيب وهو يهم في دخول الغرفة بلغتني حشرجة عصام عميقة فانتظرت مترقباً خروجها من أغوار عتمته. ومَدَّدْتُ الانتظار داخل خوفي مرة ومن ثم مرة أخرى فلم تخرج من محبسها فأحسست بركبتيّ ترتطمان فجأة على أرض الرواق. لابد أنني بدوت وكأنما أبحث في حشرجته التي انفرطت داخل رواق عَتِمٍ طويلٍ أَرُدُّها إليه. وانطوى جَذْعِي وعويلي ينادي الحشرجة التي تتلاشى بعيداً تنشدُ بلهفة مقبرة أسرة (أندرسون) دون ان تجيب أو تحفل بتوسلي.

خرج الطبيب من الغرفة وتبعتهُ الممرضتان وبقيتْ الأولى في الداخل. انتشلوني عن أرض الرواق ونصَّبوني ثانية على أريكة الحلم الأول.

قلت للطبيب:

 لقد حلمتُ به يرذُّ ماء على قبر حُفِرَ لتوه ذي شاهدة بلا اسم.

لاأعرف إن كان الطبيب يهذر لأنني ماشعرت أنه يهذر. والتحفتْ ذاتي غضبي عندما قال:

 يمكنك أن تكتب اسمه على شاهدة القبر.

وعطف قائلاً:

 قلما ينجو إنسان من زجاجتيّ (سوبريل) 4!

سَلَّ الطبيب وريقة من اضبارة غير سميكة وقدمها لي بصمت. أراد شعور ما أن يشغلني عنها إلا أن يدي استبقته إليها. وانقلب ذلك الشعور إلى إدراك أن الوريقة جزء أو ربما كل عصام. أردتها أن تكون ثقيلة سميكة كيلا أقوى على حملها إلا أنها كانت مثل سيرة عصام: بسيطة، سريعة، مكثفة، شربَتْها معان تود استيقاف بداية تأريخ حياة أخرى. قرأتُ عليها بخط عربي مرتعش:

 سامحني يا "صابر"، مازلت أذكر اسمك لدى لقائنا الأول، ذلك الأحد البعيد، سامحني على ماعَرْفتُكَ عليه وما يسبب لك من عناء. أتمنى أن تدفنني قرب والديَّ.

وغدت الوريقة ثقيلة، كما تمنيتها، تقلصت معدتي موجوعة من بكاء عنيد وفتَرت يداي وانزلقتْ من قبضتيهما وتماوجت صورتها داخل عينيّ وهي تتهاوى إلى أرض الرواق كفراشة تدفعها ريح غريبة. لم يتسنَّ لي انتشالها قبل ولوجها نفقاً عتماً تسعى فيه إلى بصيص نوم أبدي لكن بصري المرهق تمكن من التقاط آخر صورة لأحرف سويدية ترتعش على صفحتها أكثر من الحروف العربية:

اهتفوا رقم 66666 واسمه محمود جابر.

وخَلَّفْتُ بعضَ عصام، ورِنَّةُ صوتِ أجش تَشُجُ موضعاً من ذاتي عزيزاً.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى