الأحد ٧ أيار (مايو) ٢٠٠٦
فى عيد ميلاده الستين ...

نور الشريف ايقونة جيل المخاض وكلمة سر الحفاظ على القمة !

فى الثامن والعشرين من ابريل الماضى أتم الفنان الكبير نور الشريف عامه الستين وهى المناسبة التى لابد ان يحتفى بها كل المتابعين لمسيرة الفنان الابداعية والتى تميزت بالنضج الفنى والحرص الشديد على تقديم اعمالا تضيف اليه الكثير على مدى مشواره الحافل بالانجازات الفنية .....نور الشريف هو كلمة السر وحجر الزاوية فى جيل نشأ وشب وعيه فى فترة من المخاض السياسى والاجتماعى عاشتها الاقطار العربية فى النصف الثانى من القرن العشرين فقد تفتحت عيناه على ثورة يوليو المصرية 1952 وما تبعها من حكات التحرر العربية حين كان نور "اسمه الحقيقى محمد جابر" من حوارى وشوارع حى السيدة زينب والخليفة , حيث نشأ وترعرع بين اركانها وعرف فى بيوتها وهو الطفل اليتيم معانى الحب والمودة والعطف وظل طوال عمره مدينا لها بالكثير ولم يكن غريبا ان يرد لتلك الطبقة الجميل وان يظل الصوت المعبر عن امالها واحلامها ووالمثال الحى على طموح شبابها وقدرته على تخطى مصاعب الواقع المضنى والنجاح والوصول الى اقصى امانيه وغاياته .

يتحدث نور الشريف عن بداية عشقه للشاشة الفضية فيقول "عشقت السينما من كثرة ترددي على دور العرض المنتشرة في حي (الخليفة) حيث تربيت، فرغم أنها جميعاً كانت دور عرض درجة ثالثة أو (ترسو) كما يقولون عنها إلا أنها كانت تعرض ثلاثة أفلام في بروجرام واحد وكنت حريصاً على مشاهدة كل ما يُعرض بها، وكل ما أحصل عليه من مصروف أنفقه عليها سواء كانت أفلاما عربية أو أجنبية، وبعد عودتي للمنزل أقوم بتقليد الأبطال أمام أفراد الأسرة فيضحكون بشدة ويسعدون بي، وبعد التحاقي بالمرحلة الإعدادية جذبتني أدوار الإثارة واحتلت مساحة كبيرة من مشاهداتي فتعلقت بأفلام برلنتي عبد الحميد وهند رستم وأحببت فريد شوقي وزكي رستم، أما أكثر الفنانين الذين كنت أقلدهم كان الفنان عبد المنعم إبراهيم.

وعن خطواته الاولى فى عالم التمثيل يقول نور الشريف : في المرحلة الإعدادية انضممت لفريق التمثيل بالمدرسة، وكان المشرف عليه الأستاذ حمدي فريد (مدرس التربية البدنية) وكان يدرس في الوقت ذاته في معهد الفنون المسرحية، وكانت الدراسة في المعهد وقتذاك مسائية فقط، وكان يساعده في حصة التمثيل مدرس آخر هو الأستاذ عبد العزيز شحاتة (أستاذ المواد الاجتماعية) كما أن خالي (شعيب) كان رئيساً لقسم التمثيل بمدرسة أخرى هي مدرسة محمد علي الإعدادية، فكان يقدم أعمالاً من تأليفه وإخراجه لتلاميذ الحي ونقوم بأدائها مستخدمين العربات (الكارو) كمسرح وكان جمهورنا من الزملاء والأصحاب وسكان الحي، ومن هنا نشأ بداخلي حب التمثيل، كما أن المناخ المحيط بي شجعني على تمكن هذا الحب من نفسي، ونجح المدرسون في خلق اقتناع بداخلي أن الفن ثقافة له قواعده وأصوله التي يجب أن يتم تعلمها، ورغم هذا واجهت بعض الصعوبات التي كادت تصيبني بإحباط وجعلتني أفكر في ترك هذا المجال نهائياً.

وعن التحاقه بمعهد التمثيل والعقبات التى وقفت فى بداية طريقه قال نور .."

تعقدت ظروفي تماماً حيث عارض عمي دخولي المعهد بشدة وامتنع عن إعطائي أي مصروفات، فكدت أترك المعهد وألتحق بأي عمل إلا أن صديقي محمود تدخل وساعدني كثيراً ووقف إلى جانبي حتى أكمل دراستي، فهل تصدقون أنه كان يعطيني ربع راتبه كل شهر من الوظيفة التي التحق بها رغم أنه كان ينفق على أسرته بعد رحيل والده، لقد كانت تلك الصداقة من أهم العوامل المساعدة بالنسبة لي.. أكثر من ثلاثة جنيهات يمنحها لي صديق العمر من راتبه ودخله البسيط الذي كان لا يتجاوز في هذا الوقت 13 جنيهاً.. إنها كانت مستقبلي كله وأحلامي التي تحققت بفضل وقوف صديقي محمود الجوهري في أيام الكفاح الأولى.

نور الذى قدم للسنما المصرية ما يربو على 170 فيلما لابد وان تتذكر معظمها ان حاولت الحديث عن اهم الاعمال فى تاريخ السينما العربية يعتز بالكثير من اعماله ويفضلها ويختار من بينها اقربها الى قلبه قائلا :

"بالطبع هناك أفلام عديدة أذكر منها (بئر الحرمان) لكمال الشيخ عام 1969 و(المراية) لأحمد ضياء الدين عام 1970 و(بنات في الجامعة) لعاطف سالم و(البيوت أسرار) للسيد زيادة وكلها عام 1971 و(الإخوة الأعداء) و(أبناء الصمت) عام 1974 و(الكرنك) عام 1975 و(دائرة الانتقام) عام 1976 و(الشيطان يعظ) و(سواق الأتوبيس) و(ضربة شمس) و(البعض يذهب للمأذون مرتين) و(العاشقان) عام 2000 وكان من إخراجي وهو آخر عمل جمعني ببوسي بعد سلسلة أفلامنا الناجحة التي بدأناها ب (الضحايا) ثم (حبيبي دائماً) و(كرتونة) وقبلهم بالطبع في "قطة على النار" وبالطبع لا يمكن أن أنسى مجموعة من الأفلام الأخرى الهامة مثل (ناجي العلي) الذي أثار ضجة واسعة عند عرضه عام 1992.

وبالرغم من انتمائه إلي جيل استثنائي في عمر السينما المصرية إلا أن نور نفسه يشكل حالة استثنائية بين أبناء جيله فقد استطاع أن يبرهن دائماً علي أنه الأكثر ذكاءً وموهبة ولذلك استطاع أن يحتفظ بمكانته كنجم وبطل في السينما والمسرح والتليفزيون رغم اختلاف الموجات والمراحل وتذبذب الأمكنة وأسماء النجوم والنجمات وظل نموذجاً للخبرة الثرية والنجاح الذي يعتمد علي الجهد والذكاء وليس الحظ والطرق الملتوية خاصة وأن حجم العقبات التي واجهته كانت كفيلة بالقضاء علي طموحه سواء في مرحلة البدايات التي يصعب علي شاب يتيم فقير غير مسلح بالمال أالواسطة أن يخترقها,.

هو نفسه ايضا الذى استطاع ان يبقى نجما في المراحل اللاحقة التي شهدت صراعات عنيفة في حرب النجوم والتعامل مع ميديا الإعلام والمنتجين وشلل المنتفعين وحزب أعداء النجاح وتكفي واقعة واحدة للتدليل علي مدي الحرب الشرسة التي واجهها نور الشريف وهي محاولة هدمه عندما تصدي لإنتاج وبطولة فيلم (ناجي العلي) أصدق ما تم تقديمه حول القضية الفلسطينية وعكست رحلة نور الشريف علي مدار مسيرته الطويلة رحلة نجم محبوب تبوأ بالجهد والعرق مكانة متميزة في قلوب الجماهير العريضة وقدم في كل الحالات والأحوال صورة مشرفة للفن وصورة ناصعة للفنان المصري.

امتلك نور ـ في صورة نادرة ـ زمام السينما والمسرح والتليفزيون وأقام توازناً دقيقاً بين جماهيرية الفن وحب الناس وإعجاب النقاد وعشاق الفن الجيد وظل دائماً وسط التحولات العاصفة بمثابة الجسر الذي يربط بين الأجيال والتيارات والاتجاهات المتباينة والمتتبع لأعماله يستطيع أن يتعرف علي صورة دقيقة لشكل الحياة السياسية والاجتماعية والفنية في مصر.

جيل نور الذي يعلي القيمة لم ينشغل بالمعارك الشكلية ولم تفسده النجومية ولم تشغله المقارنات أو تفسد علاقات هذا الجيل ورغم أنه ظل الأكثر تألقاً والأكثر تميزاً ومواءمة لكل الظروف إلا أننا لم نسمع أن نور الشريف افتعل معركة حول ترتيب الاسم علي الأفيش أو أنه حاول فرض سطوته علي مخرج أو مؤلف أو أنه حاول التنصل من فشل أحد أعماله وإلقاء التهمة علي الآخرين أو أنه هاجم أحد نجوم جيله أو حتي الأجيال التالية وظل مثالاً للترفع عن مثل هذه الصغائر متفرغاً للمعارك الكبري التي يخوضها دفاعاً عن قضية وطنية أو فنية ومتصدياً للهموم والقضايا الكبري.

ونور خلال مسيرته الفنية الطويلة ظل الأكثر مراجعة وقدرة علي استيعاب وهضم المتغيرات ودائماً كانت تحولات الزمن والساحة في صالحه لا يستنكف عن الاعتراف بخطأ يستفيد منه ويحوله إلي مصدر قوة ولذلك ظل دائماً النجم المفضل لجميع المخرجين من مختلف الأجيال الذين استثمروا موهبته وظل دائماً المخرج الواعد الذي تخرج لتوه من معهد السينما يجد فيه ضالته كما يجد لديه المخرج الكبير الذي عرفته الحياة ما يريده.نور الذي غادر قبل ايام شاطىء الستين كان الفن ولايزال بالنسبة له مشروع حياة وفلسفة وجود لذلك ارتقي هو بمفهوم الفن وبقدر ما أعطاه الفن من حب ونجومية أعطاه هو معني وقيمة واحتراماً في وجدان الملايين وأبعد عن الأذهان صورة الفنان الذي تشكل حياته وجبة شهية للباحثين عن الفضائح والمغامرات المثيرة ولا يزال نور صاحب النجومية الطاغية يسكنه ذلك الطفل الصغير الذي خرج من إحدي حواري حي السيدة الشعبي مرتدياً لأول مرة مريلة المدرسة الابتدائية حيث اصطدم بسؤال الهوية عندما وغرست في روحه القلقة بذور الرؤية الفلسفية للكون وعندما نجح في القفز من فوق أسوار الفقر والعزلة التي عاشها في الحي الشعبي العريق أثبت أن الفرصة لا تأتي إلا لمن يستحقها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى