الخميس ١٩ شباط (فبراير) ٢٠٠٩
بقلم حلمي الزواتي

نُقوشٌ بالدمِ عَلى صَدرِ الحَبيَبة

(1)
تُفاجِئُني الرِّيحُ في ساعَةِ الفَجْرِ
أَنَّ زَواتا تَشُدُّ الرِّحالَ إِلى الأَرْض سِرّا
تُفاجِئُني الشَّمْسُ في لَحْظَةِ الانْصِهارِ
بِأَنَّ زَواتا تُحِبُّ الظَّلامَ
وتُبْحِرُ في الليْل طَوْعاً وكَرْها
تُفاجِئُني الشَّمْسُ
ما أَصْعَبَ الشَّمْسَ حينَ تُفاجِئُ
والجُرْحُ يَنْزِفُ ما بَيْنَ قَلبي ويافا
تَرَجَّلْتُ مِنْ فَوق هذي السِّنينْ
تَطَيَّبْتُ بِالذِّكْرياتِ وهذا الحَنينْ
ولكِنَّ جُرحي تَنَبَّهَ لِلمَرَّةِ الأَلْفِ
أَنَّ الجِراحَ تُحِبُّ شَذى البُرْتُقالْ
وتَكْدَحُ في الصَّخْرِ مِثْلَ الرِّجالْ
وتَحْفِرُ دَرْبَ الفِدا والنِّضالْ
 
(2)
تُفاجِئُني الرِّيحُ في لَحْظَةِ الانْتِظارِ
وما أَصْعَبَ الانْتِظارَ وجُرحي
وروحي تُسافِرُ ما بَيْنَ يافا وغَزَّهْ
وكُلُّ دَوالي الخَليل وسَرْوالجَليل
وكَرْمِلُ حَيْفا يُعِدُّ الجَنازَهْ
هُنا الحُبُّ كانَ
هُنا الليْلُ طافَ
هُنا الفَجْرُ ناحَ
هُنا العِشْقُ يَزْرَعُ روحي جِراحْ
تَبَسَّمْتُ مِنْ خَلْفِ دَمْعي
تَيَبَّسْتُ في مَدْخَل للمَنافي
ولكِنَّ جُرْحي المُعَتَّقْ
تَفَتَّقَ عَنْ نَرْجِس بَلَّلَتْهُ عُيوني
فَنامَ ونامَتْ عُيونِيَ بَيْنَ النَّدى
والرَّحيلْ
 
(3)
تُفاجِئُني....
ولا شَيءَ عِندي يُفاجِئْ
تَخَشَّبَ قَلبي بَيْنَ السَّنابِل والارْتِحالْ
تَوَزَّعَ قَلْبيَ بَيْنَ الحُروفِ وحِبْرِ المَطابِعْ
ولكِنَّني الآنَ لا أَسْتَطيعُ
لأَنَّ الرِّياحَ تَسوقُ المَراكِبْ
ويَغْرَقُ لِلمَرَّةِ الأَلْفِ جُرْحي
ولكِنَّ روحِي سَتَبْقى تُسافِرْ
وهذا الزَّمانُ سَيَبقى المُحاصِرْ
وعُمري تَحَوَّلَ ما بَيْنَ يافا وغَزَّةَ
طِفلاً رَضيعاً يُناضِلْ
وعُمري تَحَوَّلَ ما بَيْنَ روحي وأَرْضِيَ
قَمْحاً وسَيْفاً يُقاتِلْ
أَنا لا أُحِبُّ المَناجِلَ
حينَ تَجُزُّ رِقابَ السَّنابِلْ
أَنا لا أُحِبُّ الضَّفائِرَ
حينَ يُعَلَّقُ في ذَيْلِها قَلْبُ شاعِرْ
أَنا لا أُحِبُّ الرِّياحَ التي تَصْفَعُ العاشِقينْ
ولَسْتُ أُحِبُّ الشُّموسَ
التي تَحْرِقُ الرَّاحِلينْ
لأَنِّي مُسافِرْ
وأَرْضي تُسافِرْ
وقَلْبي يُسافِرْ
 
(4)
تُفاجِئُني لَسْتُ أَدْري المُفاجِئْ
هُنا نَحْنُ في مَدخَل للجِراح العَتيقَهْ
هُنا أَدْخَلَ الحاصِدونَ الحَصيدْ
وأَحْرَقَتِ الشَّمْسُ كُلَّ البَيادِرْ
أَنا غَزَّةُ الآنَ جِئْتُ
فخذني اليك!
تَصَدَّعَ قَلْبي..
تَوَقَّفْتُ.. قَبَّلْتُ غَزَّةَ
مِنْ سَهْلِ يافا لِسَهْل العَريشْ
وأَبْحَرْتُ فيها بِغَيْرِ اكْتِراثْ
تَوَقَّفْتُ في دَهْشَةِ الحائِرينْ
أَنا غَزَّةُ الآنَ جِئْتُ إِلَيْكَ..فَفيمَ التَّرَدُّدْ؟
أَنا غَزَّةُ الآنَ عَهْدٌ تَجَدَّدْ
أَتَيْتُكَ في شَهْرِ آذارَ
لكِنَّ جُرحي تَمَدَّدْ
 
(5)
تُفاجِئُني الآنَ بَعْضُ العَواصِفْ
وصَوْتٌ حَنونٌ يُعانِقُ ظِلِّي وروحي
أُحِبُّكَ يا أَيُّها البَحْرُ
إنِّي أُحِبُّكْ
وجالَتْ بِصَدْري المُدى والخَناجِرْ
وصَوْتٌ حَنونٌ مُكابِرْ
أُحِبُّكَ إنِّي أُحِبُّكْ
حَمَلْتُ جِراحي عَلى كاهِلي
وأَبْحَرْتُ سِراً لِكَيْ لا يَراني الجُنودْ
وأَلْقَيْتُ كُلَّ القَنابِلْ
فَشَدُّوا وَثاقي وقَصُّوا الجَدائِلْ
أُحِبُّكَ حَقّاً أُحِبُّكْ
ويَلْتَحِمُ الصَّوتُ.. يَكْبُرُ جُرْحي
وتُمْطِرُ دِفْئاً
وتَقْصِفُ كُلُّ الرُّعودْ
فَتَنْموبَساتينُ عُمري
وتَكْبُرُ كُلُّ الحَمائِمْ
مَنْ يَدْخُلِ الآنَ روحي
يَجِدني مُحاطا بِكُلِّ السَّلاسِلْ
تَوَحَّدَ قَلْبِيَ ما بَيْنَ يافا وغَزَهْ
تَمَزَّقَ جُرْحِيَ بَيْنَ الرِّمالِ وما بَيْنَ صَبْرَهْ
ويَأتي الزَّمانُ المُحاصِرْ
ولكِنَّني سَوْفَ أَبْقى المُسافِرْ
 
(6)
تُفاجِئُني الآنَ غَزَّةُ إنِّي أُحِبُّكْ
تَعَلَّقَ قَلْبِيَ بَيْنَ النَّدى والنَّخيلْ
وبَيْنَ المَسافاتِ والمُسٍتَحيلْ
غَريبان نَحْنُ..؟
بكيت على صَدْرِ غَزَهْ
غَريبان ِنَحْنُ..؟
وأَسْرَجْتُ قَلبِيَ
أَبْحَرْتُ في الذَّاتِ
أَحْرَقْتُ كُلَّ الحُدودْ
غَريبان ِنَحْنُ..؟
تَعالَيْ بِقُربي لِكَيْ لا يَرانا الجُنودْ
غَريبانِ إنَّا التَقَيْنا
كَريح تُعانِقُ طَيْراً مُهاجِرْ
فَكَيْفَ أُعانِقُ نَفْسي بِنَفْسي؟
وكَيْفَ أُهَرِّبُ أَرْضي وقَلْبي؟
فَليلي سُدودْ وعِشْقي قُيودْ
وأَنْتِ الظِّباءُ وأَنْتِ الأُسودْ
 
(7)
تُفاجِئُني الآنَ غَزَّةُ إنِّي أُحِبُّكْ
تُحاصِرُني الآنَ غَزَّةُ إنِّي أُحِبُّكْ
ويَمْتَزِجُ الصَّوْتُ بِالبُرْتُقالْ
وياتي المُحالُ وَراءَ المُحالْ
ما بَيْنَ قَلبي ولون الشَّجَرْ
ويَرْتاحُ ظِلِّي وهذا الحَجَرْ
ونَخْتَزِلُ الوَقْتَ، نَلْجُمُ كُلَّ الدَّقائِقْ
ونُشْعِلُ في الفَجْرِ كُلَّ الحَرائِقْ
ونُبْحِرُ عِنْدَ الظَّهيرَهْ
وتُرْخي زَواتا الضَّفيرَهْ
نُجَدِّدُ عَهْداً مَضى
ونَزْرَعُ كُلَّ الحُقولِ البَعيدَهْ
زَنابِقَ بَيْضاءَ مَصْبوغَةً بِالدِّماءْ
لِتُزْهِرَ فيها عُيونُ السَّماءْ
فَتَسْقُطُ كُلُّ الشَّظايا
ونَغْرَقُ في الحُبِّ في الذَّاتِ بَعْضَ النَّهارْ
ويَعلوانْفِجارٌ وَراءَ انْفِجارْ
أُجَدِّدُ مَوْتي وبَعْثي عَلى راحَتَيْكِ
لأَني نَسيتُ جِراحي على بابِ روما
ونيرونُ يَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكْ
ويَعْرِفُ دَقَّاتِ قَلْبي وقَلْبِكْ
 
(8)
يُفاجِئُني الليْلُ مَنْ لا يُفاجَأْ
عَلى بابِ بَيروتَ كانَتْ حَبيبَهْ
عَلى بابِ بِيروتَ كانَتْ بِلادي
أَتَتْني تُضَمِّدُ جُرحي المُعَتَّقْ
وهذا الزَّمانُ الجَبانُ المُنَمَّقْ
يُقامِرُني الآنَ
بِئْسَ المُقامِرْ
في شَهْرِ تَموزَ روحي تُهاجِرْ
في شَهْرِ تَموزَ أَرْضي تُسافِرْ
تَرَكْتُ يَدي عِنْدَ سَفْح الجَبَلْ
وكانوا ذِئاباً وكُنْتُ الحَمَلْ
وجَدَّدْتُ مَوْتي وبَعْثي
أُحِبُّكِ إنِّي أُحِبُّكْ
إِنَّ الوَطَنْ
يَداهُ مِنَ الجَرْي صارَتْ مَناجِلْ
تَجُزُّ رِقابَ أُلوفِ السَّنابِلْ
ويَمْضي النَّهارْ
ويَعلوانْفِجارٌ وَراءَ انْفِجارْ
أُحِبُّكِ إنِّي أُحِبُّكْ
إنَّ جِراحَكِ جُرْحي
وقَلْبَكِ قَلبي
وأَنْتِ البِلادُ ونَحْنُ الشَّجَرْ
وأَنْتِ الشُّموسُ ونَحْنُ القَمَرْ

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

فيسبوك منبر حر للثقافة والفكر والأدب
تويتر منبر حر للثقافة والفكر والأدب
الأعلى