(هوركي أرض آشور) رواية لصبري هاشم
هربا من السلطة في العام 1970 وبعد اختفاء دام شهرين في بيوتٍ بغدادية، أصبحت في آب من نفس العام عند فصائل أنصار الحزب الشيوعي، تحديدا في فصيل (واره كون) المحصور بين جبلي "هندرين" و"زوزك".
حينها كان قد مضى على " الانتصار " في معركة هندرين نحومن أربع سنوات.
بقيت أجالس الخال مولود أحد الأنصار الشيوعيين وغيره الانصار من الذين شاركوا في معركة هندرين. كان يروي لي الكثير عن المعارك التي شارك فيها وخصوصا معركة هندرين قال:
ـ فتشنا جيوب الجنود من الضحايا الذين سقطوا في المعركة وتركوا في الربايا التي سيطرنا عليها فوجدنا في بعضها جريدة " طريق الشعب " السرية الناطقة بإسم الحزب الشيوعي "!!
فكرت في حينها بتبريرية عديمة المشاعر: إنهم بعض رفاقنا في التنظيم السري وضعهم القدر على الجانب الآخر.
ولكني أتسائل الآن:
هل هوالقدر وحده من فعل ذلك حقا؟؟!!
أليست هي ثقافة العنف التي مارستها كل الأطراف؟
*************
" هوركي ارض آشور " رواية جديدة
استعادت ذاكرتي هذا الحدث حين فرغت من قراءة رواية صبري هاشم " هوركي ارض آشور "، فصبري هاشم كان قد هرب من الجيش بعد أن كان يخدم في إحدى الوحدات العسكرية المتواجدة في كردستان العراق بسبب الملاحقات السياسية، ثم بعدها تشرد في الكويت واليمن قبل أن يلتحق بفصائل الأنصار التابعة للحزب الشيوعي العراقي في كردستان (أي بعد أكثر من عشرة أعوام على وجودي هناك وسماعي رواية الخال مولود).. ثم ليكتب بعد أن يستقر به المقام في ألمانيا العديد من الروايات، إحداها هذه الرواية " هوركي ارض آشور " التي صدرت عن دار كنعان في دمشق هذا العام. روايته هذه هي الخامسة بعد " رقصة التماثيل "، " خليج الفيل "، " الخلاسيون " و" حديث الكمأة ".
كان من الممكن لصبري هاشم لوبقي في صفوف الجيش أن يواجه مصير جندي يقتله رفاقه دون أن يعلموا. أوكان من الممكن أن يواجه مصير شيوعي بين فصائل الأنصار يقتله جندي رفيق خاضع للأوامر.
إذن ليس القدر هومن فعل ذلك، إنها مفارقة تساوي مهزلة الحياة البشرية لدينا من وجهة نظر الساسة على الجانبين من الذين اخذوا على عاتقهم تقرير مصائر الناس: أن نقتتل وليس بيننا ضغينة وأن يبقوا هم أنفسهم على قيد الحياة ليرسموا المرة تلوالمرة وبطريقة مأسوية مصير جيل آخر ربما خطر على بال البعض منه أن يفلت من دورة الخداع وأن ينقذ نفسه من دورة الموت أزلية التكرار.
************
كتب صبري هاشم قبل روايته هذه نصا قصيرا بالغ الدلالة اسمه " الصقيع الغجري.. انحطاط الوعي ". عميق دلالته يكمن في إنه يمثل أعادة تقييم لقناعاته الفكرية ذكر فيه إنه خدم في الجيش في منطقة أتروش من أعمال الشيخان وكان معه في نفس الوحدة العسكرية وفي نفس (الربيّة) أصدقاء من الجنود من الساخطين وممن لم يكونوا يتعاطفون مع الحكومة.
بعدها يترك صبري هاشم الربايا والجنود ملتحقا بـ " العصاة " كما تسميهم الحكومة بعد أن يُعطي أذنا صماء لنصائح أصدقائه من الجنود من الذين قالوا له: ابقَ! ستندم!.
وبعد أن التحق بالقوات التي تقاتل الحكومة أي انه أصبح في مواجهة أصدقاء الأمس... وفي أحدى الليالي كما كتب في هذا النص:
" اشتاقت فيها شهية الغجري للغناء إنما على إيقاع الرصاص. دنا مني.. قال: سنهجم الليلة.
ـ على مَن؟
ـ على الربايا.
ـ لماذا؟
ـ هؤلاء أدوات النظام.. الجنود أدوات النظام.. هؤلاء جيش الحكومة.
ـ لكن هؤلاء أصدقائي وهم ليسوا من الحكومة.
ـ المهم نضرب الربايا.
يقول صبري هاشم لمحدثه محاولا أن يثنيه عن عزمه:
ـ الربايا كنتُ فيها ورابية قمرية تحديداً ليست مع النظام. الربايا فيها مسالمون ورائعون ولقد تركتهم قبل
حين.
ثم يضيف:
ذهبت معارضتي أدراج الرياح.
قتلوا مَن في الربايا.
(الربايا ومفردها ربيئة ـ ربيّة بتشديد الياء حسب اللهجة العراقية ـ هي الموقع المتقدم للجيش، يشغله بضعة جنود وهوتعبير شائع الاستعمال في القاموس العسكري العراقي).
*******
ثم استعادت ذاكرتي حدثا آخر:
كنتُ في فندق في الكاظمية بعد أن انتقلت بين فندق وآخر بهوية مزورة وباسم آخر، شاركني الغرفةَ الرخيصة إثنان: جندي مكلفٌ كما تدل ملابسه وزميلٌ له.
مستلقٍ على الفراش مغمض العينين يدخل الجنديُّ في المساء الى الغرفة بهدوء مراعيا عدم إيقاضي، كان مسكونا بهاجس من يريد أن يروي شيئا.
يبادره زميله بنفاذ صبر:
ـ ها بشّر! لقد تأخرت وأقلقتني.
ـ لقد مرت بخير والحمد لله. لا تصدق!
كان الجندي قد تلقى استدعاء للمثول امام آمر الوحدة العسكرية وذلك لأنه رفض مرارا الانتماء لحزب البعث كما كانت تطالبه المنظمة الحزبية العسكرية في وحدته لذلك تقرر أن يُستدعى من قبل آمر الوحدة لربما تنجح المحاولة في ترويضه اعتماد على هيبة الآمر والنجوم الذهبية التي تتوهج على كتفيه.
ـ لن تصدق ما جرى!
قال الجندي بصوت واطئ ملتفتا إلى جسدي المستلقي ظنا منه انني نائم وأردف:
ـ دخلت على الآمر وقمت بإداء التحية العسكرية. فقال لي بحدة:
ـ ما أسمك؟
ـ فلان سيدي.
ـ ولماذا ترفض أن تنتمي حضرتك؟
ـ سيدي أنا لا شأن لي في الاحزاب واريد أن أبقى مستقلا.
ـ هذا الحزب شرفٌ لكل العراقيين يشرفك ويشرفك اباك، لقد حقق لكم الكرامة وا لاستقلال..
ـ نعم سيدي الحمد لله كل شئ بخير ولا احد يستطيع أن ينكر نعمة الثورة علينا.
ـ لماذا ترفض إذن؟ انت شيوعي أومن حزب الدعوة.
ـ لا سيدي، أعوذ بالله، انا انسان بسيط لا أعرف في السياسية
ـ كلكم تقولون نفس الكلام وتتمسكنون حتى تتاح لكم الفرصة فتظهر بلاويكم.
وأستمر الآمر في الضغط على الجندي الذي كان يروي الحكاية والجندي يمانع ويتوسل، حتى طلب الآمر من الجندي المراسل الذي يقف في باب المكتب أن يغلقه ولا يسمح لأحد بالدخول عليه.
أستمر الجندي بصوته الخفيض:
ـ ساورني الخوف وخشيت أن يلحق بي مكروه!
ـ حتى قال لي الآمر:
ـ أقترب من المكتب!
وأضاف الآمر بهدوء بعد أن تغيرت ملامح وجهه الصارمة:
ـ شوف، انت تبين سبع ومتخاف (شجاع ولا تخاف)
ثم أضاف الآمر بنفس الهدوء وبتصميم:
ـ ابقَ على موقفك ولا تنتمي! لا احد يستطيع أن يؤذيك طالما أنا موجود. قد تتعرض لبعض المتاعب
البسيطة من إستدعاءات وضغوط ولكن لا احد يستطيع ان يؤذيك ولكن عليك ان تبقى متمسكا بموقفك.
يقول الجندي صرخت عندئذ بحماس:
ـ شكرا سيدي! أطال الله في عمرك.
ـ اششششششششش أخرج الآن وانس هذا الكلام الى الأبد.
انتهت المحادثة!
هذه القصة واقعية.
هذا الضابط الشهم والشجاع ربما يكون الآن قد قتل من قبل فرق الموت التي تقودها بعض أحزاب المنتصرين الجدد بإعتباره ضابطا في الجيش العراقي ومجرما كما حصل للعديد من زملائه وبدون
محاكمة.
**********
هوركي الذي أُخذ منه اسم الرواية هوقمة جبل في كردستان العراق حيث حلت مصائر بعض من الشباب الشيوعيين من أولئك الممتلئين حماسا وإيمانا صادقا بالمبادئ من الذين اكتشفوا أن الأمر لا يتعلق دائما بالمبادئ فدخلوا من حيث لم يحسبوا في حلبة الصراع السياسي والصفقات وغدر " الأصدقاء ".
هذا ما دفع صبري هاشم لأن يتساءل على لسان سهيل:
" من دفعنا الى هذا الوحل القاتل؟ من انتزع وعينا ودفعنا الى هذه البقعة الخرساء " ص10.
يتردد صدى المأساة والسخط على التضليل في كل صفحة وفقرة وفي كل سطر مما كتب صبري هاشم وتتكاثف لديه قتامة الصورة، فسهيل ونائلة زوجته وإبنهما الجنين الذي في بطنها ومن معهم محاصرون من قبل الكل: الحكومة، جندرمة الأتراك، بل والأكثر مرارة من ذلك إنهم محاصرون وأحيانا عرضة للغدر ـ كما سنرى ـ من قبل الحلفاء شركاءهم في " القضية ".
ثم يخاطب سهيل ابنه الجنين يحدثه عن حرب العصابات:
"هذا الخلاء مملكة للشبان الانصار القادمين من مدن الجنوب والوسط... أبناء السهل والماء.. أبناء النخيل والهديل والخضرة. هذا العراء مملكة للذين تعلموا فنون حرب العصابات.. حرب الفظاعات. حرب البغضاء والكراهية التي بدأت خارج زمن الوعي فوجدنا أنفسنا في خضمها..في أتونها "
كانت مأساة التمزق الاجتماعي ودورة الدم التي قادت أفواجا من الشباب إلى هذه المصائر المأساوية هي
مسئولية مشتركة لسلطة ومعارضة قمعية احتقرت الإنسان كقيمة بذاته، سلطة ومعارضة، عانت من قصور مزمن في الرؤية السياسية ـ تركا لوعة وألما وفراغا لمن قدر له أن يخرج من المأساة سالما جسديا على إنه بقي، من جهة أخرى، إلى الأبد يحمل جروحا لا تندمل وحنينا لا يمكن إطفاؤه وشعورا بالخسارة لا يمكن تعويضه، عنه يتحدث سهيل مع ابنه الجنين وهوفي بطن أمه على قمة جبل هوركي حيث مستلزمات الولادة بمعناها التأويلي أوالحقيقي غير موجودة، وحيث الجبل محاصر من قبل الجندرمة الأتراك ومن قبل الجيش العراقي والقذائف تإز فوق الرؤوس والرفاق الذين طال انتظارهم لم يأتوا عدا هاني الذي لم يكن سوى الصوت الآخر لسهيل، والذي استقدمه سهيل كحالة من حالاته هو.
" لكنني إلى روح سهيل دخلت. كنت هو. اعرف ما يريد وما يسعى اليه.... ".... " أنا سهيل الآخر. أنا هاني بن رواحة الشيباني أقرب من سهيل إلى سهيل " (هاني). أما سهيل فانه يرى في هاني نصفه الآخر، فللجنين الذي في بطن امه يقول: " هل تعرف نصفي الآخر؟ يقينا لا تعرفه لكني سأخبرك عن هاني بن رواحة الشيباني ".
***********
قسم صبري هاشم فصول الرواية الى تسعة فصول أسمى كلَّ فصلٍ نصا أوصدى، حيث الصدى يتبع النص في الغالب. حيثما النص فإن ضمير المتكلم هوسهيل الموجود على قمة هوركي فيه يتحدث مع زوجته نائلة أومع الجنين ومع هاني أوعنه (بغيابه) ويستعيد ماضيا وذكريات في البصرة حيث تاريخهم المشترك: " عنا نأت بصرة وبنا غدرت سفينة ".
في الصدى فان ضمير المتكلم هاني الذي يفقد حبيبته " أروى " التي يبدوإنها لنفس السبب، أي الانتماء الى الحزب، اختطفت وصفيت في البصرة من قبل السلطة ولم يعثر لها على أثر. عدا ذلك فإن هاني كان قد فقد جميع أفراد عائلته وأحبته ولم يبق له في البيت الذي ضمهم يوما سوى نخلة البرحي التي يحاورها بين الحين والآخر.
وفي أحد الأيام حين يعود متأخرا الى البيت يقوم بالقضاء على ثعبان هائل ذي فحيح بعد أن يجده قد " ألتف على عنقها (النخلة) وفي هامتها يغرس نابا عظيما فيما الدم شفيفا يسيل ".
" العشاق يطيرون في غيبوبة الجسد "
نعم! فعلى غرار سهيل وهاني أبطال رواية صبري هاشم ورفاقهم وأحبتهم، كان العديد من الشباب في حالة طيران رغم إن أقدامهم لم تفارق الأرض، ينتظرون الانتصار القادم الذي سوف تعلوه الرايات الحمر لجيش عابر للحدود امتد الى كل الأوطان وغطى كل القارات ينشد النشيد الأممي بعشرات اللغات.
لقد كانوا حقا في حالة طيران.
أما القيادات فلم تكن تراودها الأحلام، بل كانت تعتبرها من السخافات الطفولية، كانت واقعية الى أقصى حد فلم تحلم ولم تطر أبدا بل كانت أقدامها راسخة في الأرض، إلا إنها دعمت ما رأته سخيفا وطفوليا لدى الشباب المبهور ودفعتهم إلى التحليق بأجنحة الوهم وغذت العديد من الأوهام كما يغذي رجال الدين أحلام أتباعهم بالجنة، فدفعت الآلاف من الشباب إلى المزيد من الإيغال في الحلم الكاذب من اجل الحفاظ على وقود المعارك القادمة التي هرست خيرة شبابنا. نعم! كانت أقدامهم راسخة في الأرض يقومون بكل ما هوضروري من الصفقات ويحوزون المغانم، المغانم المحسوسة والملموسة والملذات الأرضية. فلا وجود للشهداء إلا في الأغاني والاحتفالات من اجل إدامة الوقود لمغانم جديدة ترجمت نهبا للموارد العامة بغطاء رسمي لمخصصات ومرتبات يحلم بها قادة اثرى الدول.
ففي الصدى حيث هاني المتكلم يروي عن سهيل، الذي يتقن الطيران ويحلق بعيدا على خلاف هاني وصحبه الذين ما زالوا يحاولون الطيران، يروي: بعد أن يعود من طيرانه ويجدنا بانتظاره يقول لنا، نحن صحبه: " سنطير سوية. في المرة القادمة سنطير سوية. لا تجزعوا أيها الصحب ".
ثم يخاطب هاني سهيلا:
ـ أما وعدتني؟
ـ بمَِ؟
ـ أن تعلمني الطيران.
ـ علمتك الشيوعية ألا يكفي؟ خذ جنحها وبها حلق.
بشت آشان
يكتب صبري هاشم في روايته هذه على لسان هاني الذي يقطع وعدا لطيف حبيبته أروى التي اختطفتها وغيبتها السلطة في سجونها بأنه سوف يروي الحقيقة دون أن يظلم أحدا فيقول:
" في الأول من مايس من العام 1983 هاجمت قوات الزعيم الكردي جلال الطالباني مقار الحزب الشيوعي في موقع بشت آشان وحصدت رؤوس الشباب الحالمة وكان أكثرهم من العرب، ثم ذبحت الأسرى على أساس الهوية القومية فََمَن كان كرديا يطلق ومن كان عربيا يُذبح، فقتلت وذبحت وشوهت أجسادهم الطاهرة ". (ص 79)
لم يستطع صبري هاشم الذي وضع على لسان هاني هذا الكلام أن يتجنب، على ما يبدو، التقريرية التي لا تلائم جوالرواية بسبب هول الفاجعة التي فقد فيها أحبته ورفاقه وأصدقاءه.
والحادثة هي واحدة من الذرى الدرامية (موضوعا) تلك التي تم التغافل عنها بمؤامرة صمت مشترك بين القاتل و"الضحية " هذه الذروة هي التي قررت مسار الرواية باعتبارها مراجعة نقدية لسيرة شخصية أصبحت محاكمة بصيغة إبداعية لماضينا القريب ولمن قرروا ولا زالوا يقررون أن النسيان هوأفضل طريقة لتجنب المأساة.
ولكن صبري هاشم مع ذلك أزال جزءا من الأوهام فيما يخص استبدال المغادرين بالقادمين الجدد وأحالنا الى معيار مهم: حذار فان الضحية والجزار يتبادلون المواقع، ليس المهم من يحكم، المهم كيف يحكم وبأي معيار.
لصالح الصورة لصالح المأساة
لصالح الصورة خفف صبري هاشم في هذه الرواية تعقيد اللغة التي امتازت عنده في العادة ببناء تركيبي. ففي " الخلاسيون " و" حديث الكمأة "، الروايتين اللتين سبقتا " هوركي أرض آشور"، بنى صبري هاشم لغتهما بكثافة وأعاد تقليب احتمالات الجملة وأعاد بناءها بشكل آخر وآخر مرات قبل الوصول بهما الى صيغتهما النهائية كما أشرت في موضوعي عن هاتين الروايتين. فيما اللغة في " هوركي أرض آشور " استرخت واسترسلت وسَلُست لصالح الصورة ولكنها لم تدخل في قطيعة كاملة مع أسلوبه الذي ألفناه، وهذا ما هومتوقع على أي حال. على أن الميل الملح للرد بطريقة ما على توثيق الإخفاق والإحباط والحيرة والسخط، وهوما تحفل به رواياته، قد لعب دورا في تعزيز ميول المعادل الحُلميّ أوالرمزي (الطيران مثلا والولادة المرتقبة) لواقع ما انفك مُصّرا على تكثيف المأساة بشكل فاق ما لدى الشعوب الأخرى التي كنا حتى حين نشعر نحوها بالرثاء والتعاطف لكي نكتشف بشكل، كما لوكان مفاجأ، أن من يستحق الرثاء حقا هونحن، شعبنا وليس أحدا آخر.
مع كل ما نقرأ من مآسي في رواياته ونصوصه فإن ليس بوسع احد أن يلوم صبري هاشم على سوداويته، انه يستشرف المأساة ويدوّن ما مر، واليوم فإننا أكثر من أي وقت مضى نجد أن ما مر علينا من مآسٍ وما يتلبد في أفقنا من غيوم هوما يبرر وهومن يدافع عن انصراف صبري هاشم عن التفاؤل الساذج كما يطالبه قراءٌ يرون أن على الرواية أن تجمِّل الواقع وأن تفتعل أوأن تستجلب تفاؤلا لم نجد ما يبرره أبدا. والقريبون تاريخيا وظرفيا يعرفون انه مذ غنينا أغنيتنا الساذجة والمخادعة " باجر أحسن من أمس " (الغد سيكون أفضل من يوم أمس) فإن الأمس كان دائما، على الضد من ذلك أفضل من الغد كما أفصح كامل تاريخنا المعاصر.
رسم الشخصية...إعادة انتاج الآلهة
ساعدت ظروف العمل السري وصعوبة الاتصال المباشر بين القيادة والقاعدة على إنتاج صور ما فوق طبيعية وخارقة للقادة. هذه الصور المخادعة التي تكونت لدى القواعد تتبخر حالما تتاح فرصة الاحتكاك أوالتعامل المباشر بسبب السجن أوحرب الأنصار، كما أشار منذ وقت ليس بالقصير القائد الثوري الصيني شوإن لاي.
هنا يكون البحث عما هومشترك بين الاحزاب الدينية وموقفها من مرجعياتها، والأحزاب العلمانية وموقفها من قياداتها وتتبع جذوره ومنشأه عملا ممتعا بقدر ما هومضني وطويل. علينا أن نشير مع ذلك بعجالة إلى أن هذا الزحاف الفكري الذي يشمل، عدا ذلك تمجيد الشهادة وتعزيز حبها بذاتها ولذاتها كهدف وليس كمأساة لدى الشباب بطريقة تقرب من الهوس كما التطبيق العملي لمفهوم العصمة والتسامي عن الخطأ لدى القيادة والحزب قد حقق ولا يزال مواقع راسخة.
ولكن الرواية تعيد رسم صورة البطل الخارق إلى درجة لا تبررها حتى رمزية الرواية وحتى انتقالاته بين الخيال والواقع. فلعناصر الخيال ترابطاتها المنطقية وللخيال منطقه الخاص. وإذا ما تعرضت الرواية كما فعلت " هوركي أرض آشور " إلى نقد المفاهيم وكشف الأخطاء التي كانت سببا في المأساة فلا يترتب عليها، من جهة أخرى، أن تعيد إنتاج مسبباتها، فشخصيات الرواية قد نقيّت من أدنى شائبة في السلوك والمظهر وبدت اقرب الى الآلهة منها الى بشر من لحم ودم. وقد خصص قسم كبير من الرواية لوصف بعض شخصياتها بطريقة تقرب من الغزل. لنقرأ ما يلي كمثال فقط:
" لنا أفـئدة الطير وخطرات الفراش الرقيق، إن اشتدت به صبابة إلى النسيم يهرع. لنا صمت الحكيم حين يحتدم الكلام ونفحات الكريم غداة محنة. لنا الأمسيات الحالمات على شاطئ التوجد تتفجر. لنا المغني الحزين عن أطلالنا يعبِّر. نحن فتية في العزّ بسق عودنا وفي وضوح العري تجلينا. لا نحتجب عن غريم جعلنا وفي بحبوحة القول يعبق من منطقنا الهناء. نحن رجال المروءة نحودرك ما زلت لنا قدم ولا انحدرت لنا إلى ضعة نفس...... هي الرفعة فينا والإباء والكبر. نحن قوم نسنّ تحت الشمس سنَّة لنا وفي الظلام أقمارا نتشقق. نحن زهر المدينة وطيبها ولولا زهونا ما ظل لها طيب. نحن دفقة الماء بها الجذور تنتعش وهمسة الريح في أعالي الشجر ترقص.... ألخ " (ص 75).
وتبقى " هوركي أرض آشور " واحدة من الروايات القليلة التي سعت إلى المواجهة مع الذات ومع المفاهيم التي حركت أوساطا واسعة من الشباب والتي تحظى بأهمية كبيرة الآن وفي هذه اللحظة ترتبط بأهمية الموقع الذي تشغله اللحظة التاريخية الراهنة ومفترق الطرق القائم الذي قد يقرر مصير العراق ككيان فيما تهتم أوساط من المبدعين (ربما بسبب اليأس) في الإغراق فيما ما هوذاتي وحسي مصفى كشكل من أشكال الهروب خارج الزمان والمكان، الهروب مما هومثار جدل بدلا من وضع الأفكار على المحك وخوض غمار الصراع الفكري بكل تصميم والعمل على إدارة تعددية الأصوات في الرواية " بحيادية " تترك القارئ حرا أمام الصراع الفكري بدون إملاءات، هذه المهمة الملحة خصوصا في فترات المنعطفات هي كتلك التي واجهها طليعيي الرواية كتورجنييف في " الاباء والبنون " و" عش النبلاء " على سبيل المثال لا الحصر.
ليس من اللازم الاتفاق مع كل الأفكار التي تثيرها الرواية ولكن من الصحيح أن الروايات المهمة قد تصدت لأسئلة العصر المطروحة لا لكي تجيب عنها ولكن لتحث الفكرَ الجمعيَّ على التصدي لها وعدم وضعها على الرف.
