هيفاء وهبي بين حرمة الفن وتحريمه
قبل عدة سنوات، سئلت الفنانة القديرة السيدة أمينة رزق، عن رأيها في تحجب بعض الفنانات (ارتدائهن الحجاب واعتزالهن الفن) - وقد ظهرت كموضة أو كحالة في وقتها- فأجابت بأنها ترى الفن رسالة وقد عملت طوال عقود في مجال الفن على هذا الأساس، لذا فإنها لا ترى موجباً يدفعها للاعتذار أو الاحتجاب، فهي لم ترتكب أخطاء لتكّفر عنها، من يرى الفن غير ذلك، أو من يمارسه أو تمارسه كعيب أو حرام، ربما يجد وقتاً أو تجد وقتاً للتراجع والاعتذار، وربما ""التوبة"، وفي ظل الافتراق في المجتمعات العربية حول منظومة كاملة من القيم، فإنه يبدو أن الخلط في المفاهيم، وكذلك الخفة وربما الاستخفاف في إطلاق الأحكام والمواقف وحتى التنظيرات، هنا أو هناك، ممن هم ليسوا من ذوي اختصاص أو العلم أو الدراية، بات ممكناً وظاهراً وملحوظاً.
ولمناسبة حلول الشهر الفضيل، انشغل المواطنون العرب بترقب ما سيعرض من برامج ومسلسلات خلال الشهر الكريم، الذي تشير الإحصائيات إلى انه شهر استهلاك اقتصادي بامتياز، فيه تزداد المبيعات من المأكولات بكل أنواعها، وفي نهايته الملابس وحتى تداول العملات النقدية، كذلك يتضاعف عدد المشاهدين للمحطات الفضائية، حيث بات التقليد ومنذ سنوات، أن تقوم شركات الإنتاج بإعداد المسلسلات لتعرض للمرة الأولى بالتزامن مع حلول شهر رمضان.
وإذا كان الممثلون من الفنانين، يحضرون بقوة أمام أعين المشاهدين فإن المطربين من الفنانين، لا يحتملون أو بعضهم على الأقل الانتظار حتى يحل العيد، ليقيموا "حفلاتهم" ويملئوا جيوبهم بمئات ألوف الدولارات، لذا فقد ظهرت ظاهرة الخيام الرمضانية، حيث يقيم المغنون والمغنيات حفلاتهم مقابل مبالغ طائلة.
في هذا السياق، أطلت الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي، وتقدمت ب "فتوى" تعتقد فيها بأنه لا يجوز الغناء في شهر رمضان، وأنها هي شخصياً، وفي ردها على كل من عرض عليها الغناء في الخيام الرمضانية، وآخرهم منتج ألبوماتها الغنائية محسن جابر، قالت إنها ستعتكف خلال شهر رمضان، وانه لا يجوز من وجهة نظرها الغناء في هذا الشهر الكريم!
لم توضح بالطبع الفنانة الشهيرة، الثرية بفضل حفلاتها وعوائد ) كاسيتاتها)، كيف ستعتكف في الشهر الفضيل، وان كانت ستقضيه في صلاة التراويح أم في قراءة القرآن، أم أنها ستؤدي العمرة مثلاً، وماذا عن المستمعين هل عليهم أن يعتكفوا، فلا يسمعوا أغانيها؟!
ليس هذا هو المهم، لكن الخفة والسهولة في إطلاق الحكم "الشرعي" الذي هو شأن "العلماء" الذين كان يمكن، بل ويفضل أن يعود إليهم كل من يشكل عليه موقف بإعطاء الفتوى وحكم الدين الحنيف، في الوقت الذي نعتقد فيه، كما سبق وقالت السيدة أمينة رزق، بأنه ليس كل الفن على الشاكلة نفسها، فنحن لا نعتقد بان أغاني مارسيل خليفة أو أم كلثوم حرام، وماذا عن أداء التواشيح والأغاني الوطنية والقومية، التي رافقت عبور الجنود المصريين خط بارليف في رمضان العام 1973م.
ربما كان لون من الغناء، بل وحتى من الأداء، الذي يخدش الحياء العام، غير مقبول، ليس في الشهر الفضيل وحسب، ولكن في كل شهور السنة، ذلك أن الفن الذي يساهم في الارتقاء بالذائقة والوعي، يؤدي رسالة نبيلة وفي غاية الأهمية، وهذا ما فعله الشعراء من المتنبي إلى درويش والمطربون منذ زرياب إلى عبد الوهاب، والسينمائيون من يوسف شاهين إلى ميشيل خليفة، والتشكيليون والروائيون والمسرحيون على مدار التاريخ وفي كل مكان.
لكن على هامش الفن، كما على هامش الحياة، هناك من يرتزقون من الفن، فلا يتخلدون بقدر ما يغتنون، ولا يقابلون بالاحترام بقدر ما يقابلون بالاهتمام، ويحظون بالمكانة لدى العامة أكثر مما يجدون لهم مكانة بين الخاصة، لذا فإنهم يخططون بأنفسهم أو بفعل غيرهم إلى توظيف أعمالهم توظيفات ليس بالضرورة أن تتقاطع مع قيم لا خلاف حولها، بل توظف في صلب المناطق الخلافية.
هنا تكون التوظيفات السياسية والمالية وما إلى ذلك، وهنا كما المرشح في الانتخابات العامة، يكثر من الوعود وإطلاق الشعارات التي "ترضي" جمهور الناخبين، أكثر مما ترضي الضمير أو منظومة القيم والأخلاق وحتى العقل، يمكن أن يظهر كاتب أو فنان، أو من يعمل في حقل الإبداع عموماً، ليحظى بالمال أو الشهرة أو الحماية، أو حتى صرف النظر عمّا يفعل!
على أي حال وفي كل الأحوال، فإنه لا يمكن توجيه اللائمة لمن يركب الموجة، بل إلى التيار الذي يذهب بالموجة هنا وهناك، وإذا كان هذا هو حال المجتمعات العربية، التي تقابل مسلسلاً تركياً (من نمط نور ولميس) لا لون له ولا رائحة، كذلك "باب الحارة" الضعيف في بنيته الدرامية - بكل هذا الترحاب، تماماً كما تقابل المهرج الذي لا يقول شيئاً، لأنها تعبت واستسلمت وما عادت ترغب فيما يُعمل فيه العقل، فإن حاضراً ومستقبلاً مظلماً ينتظر هذه الأمة التي كانت - يوماً- خير أمة أُخرجت للناس، وما إرهاصات التداعي والتفكك والتراجع في كل المجالات وعلى كافة المستويات إلا نذائر شؤم تدل على مكانة متواضعة ستكون عليها أُمتنا العربية الإسلامية بين الأمم وفي القريب المنظور.
