الأبعاد الاستراتيجية لمعركة الحديدة

، بقلم زهير كمال

كنت أضع يدي على قلبي عندما بدأ النظام السعودي مدعوماً بتحالف من بعض العرب ومعززاً ببعض الخبراء الأجانب معركة الحديدة الأخيرة.

فقد حشد النظام كل إمكانياته براً وبحراً وجواً ليحتل هذه المدينة الاستراتيجية، هادفاً الى تضييق الخناق على حكومة صنعاء ودفعها الى الاستسلام أو حتى هرب أنصارها ومؤيديها والنفاذ بجلدهم من عاقبة شق عصا الطاعة والتمرد على إجماع المعسكر العربي المرتمي في الحضن الأمريكي سوية مع المعسكر الصهيوني.

والحق أن منظر المدرعات الفخمة وعربات الجنود المجوقلة بأعداد وفيرة مصحوبة بطائرات الأباشي المحلقة في الجو يبعث الرهبة في النفس.

وصاحب ذلك إعلام أوهمنا أن المسألة كلها هي مسألة وقت فقط يحددها زمن المسافة التي ستقطعها هذه العربات حتى وصولها الى المدينة.

كانوا على حق في ذلك، يؤيدهم التاريخ وتدعمهم الجغرافيا.

فمنطقة تهامة - جغرافياً – هي منطقة سهلية لا يوجد فيها سوى بعض الكثبان الرملية تمتد من ميدي في الشمال الى المخا ثم باب المندب جنوباً، ويصل أقصى عرض لها الى ستين كيلومتراً حيث تبدأ السلسلة الجبلية والتي ترتفع الى معدل 2000 متر عن سطح البحر.

وتاريخياً: كان سهلاً على كل الغزاة احتلال تهامة، فقد أقيمت ممالك ودول في تلك السهول اختار ملوكها زبيد التي لا تبعد كثيراً عن الحديدة ولكنها تبعد 25 كيلومتراً عن البحر وارتفاعها عن سطحه مائة متر يجعل حرارتها أقل قسوة. أما جبال اليمن فلم يكن باستطاعة أحد السيطرة عليها سوى أهلها.

ولهذا وضعت يدي على قلبي فسقوط الحديدة كان من المفترض أن يكون سهلاً. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد ترنح الغزو وداخ وانقلبت خططه راساً على عقب، كانت هذه أول مرة يقاوم أهل السهل غزواً لتهامتهم.

فما الذي حدث في هذا الغزو واختلف عن سابقيه؟

رأوا طائرات الغزو وهي تدمر بيوتهم، ورأوها تدمر البنى التحتية البسيطة التي يمتلكونها وذاقوا طعم الحصار القاتل الذي يمنع عنهم الغذاء والدواء، ورأوا مصانعهم تدمر في تهامة وترمي بهم الى البطالة والعوز، ورأوا بأم أعينهم الكوليرا والأمراض المختلفة تقتل أطفالهم، وشاهدوا طائرات الغزو وهي تحيل أعراسهم الى مآتم.

بالنسبة لمواطن عادي لا يحفل أو يهتم بالسياسة ، هل يبالي أو يهتم بمن يحكم صنعاء؟ صحيح أنه مثل باقي أقرانه في الوطن العربي يحلم بدولة يكون له رأي في مقاليدها، دولة تخدمه ولا تكون عبئاً عليه، ولكن كما يقول إخوته في المغرب العربي: الله غالب!

فلماذا جاءت الطائرات لتحيل حياته وحياة أهل اليمن جميعاً الى جحيم؟

لا يختلف الغزو الحالي عن سابقيه في البشاعة ، وفي السهول مثل تهامة يصعب القتال والانتصار ضد جيش منظم ومدجج بالسلاح ولكن هذه المرة كانت هناك مقاومة شرسة لم تعرفها المنطقة من قبل، لقد حارب أهلها، وما يزالون، بأسلحتهم البسيطة ويلحقون خسائر فادحة في قوات الغزو التي لا تملك سوى انتصارات وهمية تبثها على التلفزيونات وتنطلي على الجمهور البعيد عن الساحة، فقد احتل الغزاة مطار الحديدة عدة مرات وادعوا أن الميناء على بعد خطوات، والميناء هو هدفهم من كل هذه المعركة الأخيرة.

ما حدث أن هناك تغيير جوهري طرأ على أهل تهامة جعل الغزو الحالي يفشل بعكس الغزوات التاريخية السابقة . هذا تغيير في الوعي وتغيير في الإرادة. فخلال سنوات الحرب تحولوا الى ساسة ينادون بالموت لأمريكا وإسرائيل، مدركين أن المصائب كلها تأتي من رؤوس الأفاعي هناك.

وبين مقاتلين يؤمنون بقضيتهم ويدافعون عن أرضهم وبين غزاة مرتزقة دائماً ما تكون الغلبة لأصحاب القضية، وأصبحت كثبانهم الرملية التي لم تكن تفيد في شيء سواتر يقتنصون منها عدوهم ويوقعون به أفدح الخسائر.

من المفيد هنا تحليل هذا التحالف الذي استطاع النظام السعودي تشكيله لغزو اليمن، فقد تكشفت مؤخراً واقعة المبالغ الخيالية التي صادرتها الشرطة من شقة رئيس وزراء ماليزيا السابق نجيب عبد الرازق، هذه المبالغ التي دفعها النظام السعودي لجر ماليزيا للمشاركة، رغم رمزيتها، في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، حرب لبلاد أجدادهم، فمعظم أهل ماليزيا من غير العرق الصيني أو الهندي ذوو أصول يمنية، وحسناً فعل رئيس الوزراء الحالي محضار محمد بإيقاف هذه المهزلة.

هناك مهزلة أخرى لن تتوقف في المستقبل القريب ويعول عليها نظام آل سعود كثيراً، وهي مهزلة إرسال الجنود السودانيين الى اليمن، فالنظام السعودي وحلفاؤه في الغرب يبتزون الرئيس البشير بالمحكمة الدولية، فهو مطلوب بتهمة جرائم حرب في معارك إقليمي دارفور وكردفان وهو مضطر لتلبية طلباتهم والتضحية بجنود السودان الفقراء من أجل توقفهم عن المطالبة بمثوله أمامها، وكما يلاحظ فهذه المطالبة موسمية عندما يشعرون أنه يتململ أو يريد شق عصا الطاعة، وليس هناك أغرب من موقفه في تأييد أثيوبيا ضد مصر في موضوع سد النهضة الذي سيؤثر على السودان بنفس القدر الذي سيؤثر على مصر. وربما كان على الشعب السوداني إيقاف هذه المهزلة التي تؤثر على مصالحه وعلى فناء زهرة شبابه.

في بداية الحرب قلت في مقال (بداية النهاية للنظام السعودي) إن الهدف من الحرب عدم السماح لنظام وطني بالسيطرة على باب المندب فهذا يضر بمصالح إسرائيل. فقضية الحفاظ على الشرعية وغير ذلك من كلمات الإنشاء لا تصرف في السياسة، لم تكن تكشفت بعد مدى حميمية العلاقة بين النظام السعودي وإسرائيل.

والآن بعد أن أصبح اللعب على المكشوف فإن هدف الحرب ما يزال عدم السماح لليمن القوي الموحد بالسيطرة على باب المندب.

ولكن بعد مرور هذه السنوات وبدون إحراز نتيجة تذكر، أدرك النظام السعودي والذين يخططون له أن جبال اليمن عصية على الغزو، وكأني بهم ينطحون رؤوسهم بالصخر. فجبالها مثل ثلوج روسيا لنابوليون وهتلر، والاستمرار في الحرب يعني المزيد من الاستنزاف البشري والمالي وسيصلون الى نقطة قاصمة للظهر آجلاً.

تقلص الهدف المعلن من تغيير النظام في صنعاء وإعادة الشرعية الى خنقه وحشره في الجبال بدون منافذ بحرية او جوية. وبتبسيط شديد خلق نموذج غزة في اليمن وترك اليمنيين يقاتل بعضهم بعضاً الى ما شاء الله. وبطبيعة الحال دعم محمود عباس اليمن الممثل في هادي أو غيره، فلا تقوم قائمة لدولة وطنية ترعى مصالح شعبه.

تلاقت في ذلك مصالح إسرائيل والدول العربية الغنية في تفتتيت الدول الفقيرة ذات الكثافة السكانية العالية وتحويلها الى أراض مشاع كما في الصومال والعراق وسوريا وليبيا.

ومن هنا كان الهجوم المكثف والمدعوم بخبراء أمريكان وبريطانيين وفرنسيين بقيادة إسرائيليين يدعون معرفتهم بالمنطقة.

وفي حالة تحقيق الهدف بالسيطرة على الحديدة وتهامة سيعلن النظام السعودي انتهاء عاصفة الحزم أو غيرها من التسميات، سيقولون إنهم سيظلون يدعمون الشرعية في اليمن الى آخر هذا الكلام المنمق ولعل إعادة هادي (وليس عودته) الى عدن، والذي مر مرور الكرام في الإعلام كانت جزءً من هذا السيناريو المعد سلفاً.

يدرك أنصار الله مدى خطورة الهجمة الأخيرة والتي ستتكرر حتماً فقد قال عبد الملك الحوثي إن معركة الساحل من ميدي شمالاً وحتى المخا جنوباً مستمرة منذ 32 شهراً.

ولهذا نجد أنهم أرسلوا قادة مهمين لإدارة المعركة الأخيرة، فمعركة الحديدة هي مسألة حياة أو موت لدولة اليمن ولمستقبلها.

أهل تهامة، هؤلاء الفقراء العراة الا من وزرة وقميص خفيف ومسلحين بالبنادق ويسهرون الليل والنهار لحماية تهامة وصد العدوان لا يدركون أنهم لا يحاربون من أجل اليمن فحسب بل إن مستقبل الأمة العربية بيدهم، فستكون على أيديهم بداية النهاية للنظام السعودي وانتهاء هذه الحقبة المظلمة من تاريخ الأمة العربية والتي بدأت بزيارة السادات للقدس والمستمرة حتى يومنا هذا وكانت آثارها وخيمة على هذه الأمة دمرت فيها عدة دول عربية. كل طلقة يطلقونها وكل دبابة يعطبونها تقرب الأمة من تحقيق هذا الهدف.

فالمستقبل دائماً للشعوب مهما طال الزمن.


زهير كمال

كاتب فلسطيني مقيم في نيو يورك

من نفس المؤلف